Translate

الحماقة العابرة للعصور: قراءة مادية ومقارنة عقلانية بين الإنتحاريين الحسين بن علي وجهيمان العتيبي (مقال)

.

.
الحماقة العابرة للعصور: قراءة مادية ومقارنة عقلانية بين الإنتحاريين الحسين بن علي وجهيمان العتيبي




عند إخضاع الأحداث التاريخية لمشرط التحليل المادي والعقلاني، تسقط هالات القداسة وتتفكك الأساطير لتكشف عن نمط متكرر من السلوك البشري الذي يمكن تسميته بـ "الانتحار الأيديولوجي". إن المقارنة بين خروج الحسين بن علي في القرن الأول الهجري وبين اقتحام جهيمان العتيبي للحرم المكي عام 1979، تكشف عن تماثل بنيوي في "الحماقة" السياسية والعسكرية، وفي الانفصال التام عن الواقع لصالح أوهام غيبية أو نرجسية ذاتية، أدت في الحالتين إلى سفك دماء مجاني وفشل ذريع في تحقيق أي هدف مادي ملموس.
تبدأ نقطة الالتقاء الأولى بين الحسين وجهيمان في "العمى الاستراتيجي" وفشل تقدير موازين القوى. من منظور مادي، القوة هي لغة الواقع، والحسين الذي خرج بضع عشرات من أهله لمواجهة جيش دولة نظامية، يتماثل تماماً مع جهيمان الذي تحصن في بقعة جغرافية محدودة (الحرم) محاصراً بجيوش تملك الدبابات والطيران والمدرعات. في الحالتين، نحن أمام شخصيتين قررتا تحدي "الفيزياء السياسية"؛ فالأول عوّل على "خرافة" نصر إلهي لآل البيت أو استجابة وهمية من أهل الكوفة، والثاني عوّل على "خرافة" المهدي المنتظر والبشارة النبوية بتبدل القرون. هذا الانفصال عن الواقع هو التعريف العلمي للحماقة؛ حيث يتم استبدال حسابات القوى المادية بأحلام يقظة غيبية، مما يؤدي بالضرورة إلى هلاك الفرد ومن معه.
المحرك في الحالتين هو "النرجسية الدينية" المغلفة بشعارات إصلاحية. الحسين كان يرى في نفسه "النسخة الوحيدة" الصالحة للحكم بناءً على شرعية الجينات والنسب، وهو منطق استعلائي يرفض التسليم بالواقع السياسي القائم. وبالمثل، رأى جهيمان في مجموعته "الفرقة الناجية" التي ستقوم بتجديد الدين، واختار صهره ليكون المهدي المنتظر. إن هذا "التضخم في الأنا" يجعل صاحب الحماقة يظن أن القوانين المادية لن تسري عليه، وأن دمه أو قداسة مكانه ستحميه. لكن الحقيقة المادية الصارمة في كربلاء وفي مكة أثبتت أن الرصاص والسيوف لا تميز بين "حفيد نبي" وبين "مدعي مهدوية"؛ فالمادة تحطم الأوهام دائماً في نهاية المطاف.
التشابه الصارخ الآخر يكمن في "اللامبالاة بالموت المجاني للآخرين". الحسين جرّ معه النساء والأطفال إلى ساحة معركة يعلم يقيناً (كما يزعم المدافعون عنه كالعقاد) أنه سيقتل فيها، وهو فعل يفتقر إلى المسؤولية الأخلاقية والعقلانية. جهيمان أيضاً، أدخل مئات الأتباع والنساء والأطفال إلى قبو الحرم، وتسبب في مقتل الآلاف من المصلين والمدنيين والقوات الأمنية في سبيل "خرافة" لا أصل لها. في الحالتين، يتم التعامل مع البشر كـ "حطب" لنيران الأيديولوجيا الخاصة بالقائد. إن تسمية هذا السلوك "بطولة" أو "فداء" هو تزييف لغوي يحاول منح القيمة لفعل تدميري نابع من عقلية انتحارية لا تقيم وزناً للحياة المادية.
أما النتائج، فقد كانت في الحالتين كارثية على العقل الجمعي. فعل الحسين أنتج "المظلومية الطائفية" التي لا تزال تنخر في جسد المنطقة وتغذي الإرهاب والفرقة. وفعل جهيمان أنتج "الصحوة المتشددة" وردة الفعل الدينية التي عطلت التنمية والتحديث لعقود. وكما قام كتاب مثل العقاد بتجميل "حماقة" الحسين وتحويلها إلى ملحمة، حاولت تيارات أخرى لاحقاً تجميل فعل جهيمان أو استلهام "روح الشهادة" منه. إن النفاق الثقافي والديني هو الذي يصنع من هؤلاء "الأحمقين" قدوات؛ فبدلاً من إدانة فشلهم الذريع وانفصالهم عن الواقع، يتم تقديمهم كمثاليين ضحوا بأنفسهم، في حين أن الحقيقة المادية تقول إنهم "انتحروا" وفشلوا وتسببوا في مآسي بشرية لا مبرر لها.
إن العقلانية المادية تقتضي منا أن نضع الحسين وجهيمان في خانة واحدة: خانة "الهوس الديني" الذي يتحدى المنطق. فالحرم المكي الذي انتهكت حرمته بالدم والرصاص عام 1979 هو امتداد لمنطق "الخروج" الذي أسسه الحسين؛ منطق يرى أن "الرؤية الخاصة" للفرد أو الجماعة فوق استقرار المجتمع وفوق دماء الأبرياء. وكما انتهت مغامرة الحسين تحت حوافر الخيول، انتهت مغامرة جهيمان تحت جنازير الدبابات والغازات الكيميائية. إن التاريخ المادي لا يحترم "المقدسات" إذا ما اصطدمت بالقوة، والحماقة تظل حماقة سواء وقعت في القرن الأول أو القرن الرابع عشر الهجري. إن الدرس الوحيد الذي يجب استخلاصه هو أن المبادئ التي لا تحترم قوانين المادة ولا تحمي حياة الإنسان هي أوهام سامة، وأن تمجيد "الأبطال الانتحاريين" هو الضمان الأكيد لاستمرار إنتاج نسخ جديدة من جهيمان ومن الحسين، تواصل العبث بمستقبل الشعوب واستقرارها.





.

تهافت الأسطورة وتحليل الانتحار السياسي: نقد العقل المادي لظاهرة الحسين بن علي ومغالطات الموروث (مقال)

.

.
تهافت الأسطورة وتحليل الانتحار السياسي: نقد العقل المادي لظاهرة الحسين بن علي ومغالطات الموروث




إن القراءة الفاحصة لتاريخ الحسين بن علي، بعيداً عن هالات القداسة التي أضفاها الموروث الشيعي والسني على حد سواء، تكشف عن فجوة هائلة بين الواقع المادي الملموس وبين البناء الأسطوري الذي شيده "سدنة المعبد" عبر القرون. من وجهة نظر مادية وعقلانية، لا يمكن قراءة خروج الحسين إلا بوصفه فعلاً يفتقر إلى أبسط مقومات المنطق السياسي والعسكري، بل هو في حقيقته تجسيد للحماقة الانتحارية التي يتم تغليفها اليوم بعبارات "الفداء" و"الكرامة" لتبرير فشل ذريع في تقدير موازين القوى. إن استمرار الشيوخ والمؤسسات الدينية في شحن عقول الجماهير بهذه السيرة كقدوة ومثال، ليس إلا عملية تدجين فكري تهدف إلى تقديس الهزيمة وتحويل العجز المادي إلى انتصار وهمي غيبي، وهو ما يعيق العقل الجمعي عن إدراك قوانين الواقع التي تحكم صراع الإرادات والمصالح.
تبدأ المشكلة من إنكار الحقيقة البيولوجية والمادية للإنسان، حيث يُقدم الحسين في السير الشعبية وكأنه كائن يتجاوز غريزة البقاء، في حين أن أي تحليل سيكولوجي رصين يرى في إقدامه على مواجهة جيش نظامي بسبعين رجلاً نوعاً من الهوس المرضي بالسلطة أو انقطاعاً تاماً عن الواقع (Psychosis). إن الادعاء بأن الحسين كان "يعلم" بمقتله ومع ذلك مضى قدماً، لا يجعله بطلاً بل يجعله مسؤولاً جنائياً وأخلاقياً عن إبادة أهله وأطفاله في مقامرة خاسرة سلفاً. إن المنطق المادي يقرر أن المبدأ الذي لا يحمي صاحبه ولا يحقق غاية ملموسة هو مبدأ "عدمي"، وما ترويجه على أنه "سمو روحي" إلا نتاج ماكينة إعلامية دينية استغلت الحادثة لتحويلها إلى "دين موازٍ" يقوم على المظلومية والندب، بدلاً من الاعتراف بأنها كانت مجرد انقلاب فاشل قام به شخص لم يحسن قراءة الخريطة السياسية لزمانه.
إن مفهوم "المعارضة" الذي يُلصق بالحسين هو تزييف تاريخي آخر، فالمؤسسة الدينية التي أنتجت الحسين هي ذاتها التي تشرعن الطاعة لولي الأمر، وما حدث لم يكن صراعاً من أجل "الديمقراطية" أو "حقوق الإنسان" بمفاهيمنا الحديثة، بل كان صراعاً على "الشرعية الثيوقراطية". فالحسين كان يرى نفسه الأحق بالحكم بناءً على "الجينات" والوراثة النبوية، وهو منطق عنصري مادي يرفضه العقل الحديث. إن "المعروف" و"المنكر" اللذين تذرع بهما هما مجرد مصطلحات هلامية يستخدمها كل طرف لتكفير الآخر؛ فيزيد كان يرى في الحسين "مارقاً" يهدد وحدة الدولة، والحسين كان يرى في يزيد "فاسقاً" يغتصب حقه الموروث. وفي صراع الإرادات هذا، انتصر المنطق المادي ليزيد الذي امتلك أدوات القوة، بينما سقط الحسين ضحية لأوهامه الغيبية وتصديقه لرسائل أهل الكوفة التي أثبتت الوقائع المادية أنها كانت مجرد وعود زائفة لا تصمد أمام سطوة المال والسيف.
إن تحويل هذا "الانتحاري" إلى قدوة قد أدى إلى كوارث فكرية لا تزال شعوب المنطقة تدفع ثمنها، حيث ترسخت ثقافة "الشهادة" التي هي في جوهرها احتقار للمادة وازدراء للحياة. عندما يشحن الشيوخ عقول الشباب بأن الحسين "انتصر بدمه"، فإنهم يزرعون بذور الإرهاب والعمليات الانتحارية المعاصرة، فالفكر الذي يبرر للحسين رمي نفسه وأطفاله في التهلكة هو ذاته الفكر الذي يبرر للانتحاري تفجير نفسه طلباً لجزاء غيبي. إن العقلانية تقتضي منا أن نرى في كربلاء درساً في "كيف لا نثور"، ودرساً في ضرورة امتلاك القوة المادية قبل التفكير في تغيير الواقع. أما البكاء والنحيب وتحويل المأساة إلى طقس سنوي، فهو آلية دفاعية نفسية يستخدمها "المغفلون" للهروب من واقعهم المهزوم عبر التوحد مع "بطل مهزوم" منحوه صفات الألوهية ليعوضوا نقصهم المادي.
علاوة على ذلك، فإن الموروث القصصي قد لعب دوراً "تجميلياً" فجاً، حيث يتم إغفال التبعات الكارثية التي تسبب بها فعل الحسين من تمزيق لنسيج المجتمع وخلق فتنة طائفية استمرت ألف عام. من منظور مادي، القيمة الحقيقية لأي فعل تُقاس بآثاره على الأرض، وآثار فعل الحسين كانت دماراً، وحروباً أهلية، وتكريساً للفكر الغيبي على حساب الفكر العملي. إن النفاق الديني يتجلى في تصوير الحسين كـ "مخلص"، في حين أنه لم يخلص أحداً من الجوع أو الجهل أو الاستبداد، بل أعطى للمستبدين "قميص عثمان" جديداً يبررون به قمعهم تحت مسمى الحفاظ على وحدة الصف ضد "المفتنين" و"الخوارج". إن الحسين في حقيقته لم يكن سوى لاعب سياسي خسر رهانه، وكل ما أضيف عليه من "قداسة" هو صناعة لاحقة قام بها الفقهاء والشعراء لملء الفراغ الروحي للجماهير المحبطة.
إننا بحاجة إلى "تشريح مادي" للسيرة الحسينية يخرجها من إطار المعجزات والكرامات إلى إطار الفعل البشري القاصر. فالحسين لم يواجه جيش يزيد بـ "المعجزات"، بل واجهه بأجساد فانية تمزقت بالسيوف، وهذا هو الانتصار الوحيد للحقيقة المادية في تلك الحكاية. أما "الانتصار المعنوي" فهو كلمة حق أريد بها باطل، يستخدمها الفاشلون لتبرير هزائمهم. إن العقل المنطقي يرفض أن تكون "الحماقة" قدوة، ويرفض أن يكون "الخروج غير المحسوب" بطولة. إن القدوات الحقيقية هم من يبنون، ومن يخترعون، ومن يحافظون على حياة شعوبهم ويرتقون بمستواهم المادي والمعيشي، وليس من يسوقون الناس إلى المذابح دفاعاً عن "حق إلهي" مزعوم في السلطة.
في الختام، يظل الحسين بن علي نموذجاً للشخصية القدرية التي قادتها نرجسيتها ونبوءاتها الذاتية إلى حتفها، وما كتابات المعاصرين وتزييفات الشيوخ إلا محاولة لإعادة إنتاج هذا "الوهم" لضمان استمرار القطعان البشرية في التبعية للمؤسسة الدينية. إن التحرر الحقيقي يبدأ من كسر صنم "البطل الانتحاري" وإدراك أن المادة هي الحقيقة الوحيدة، وأن الحياة أثمن من أن تضيع في سبيل تبريرات فارغة وأكاذيب تاريخية لم تجلب لنا سوى التخلف والدماء والفرقة. الحسين مات ضحية لحماقته، ومن يتبع نهجه اليوم ليس إلا ضحية لغسيل دماغ ممنهج يقدس الموت ويهين العقل والمنطق. إن الحكاية الحسينية، كما يروجها الموروث، هي "أفيون" حقيقي يُخدر الجماهير ويمنعها من نقد السلطة الدينية والسياسية بعقلانية مادية، ويجعلها تكتفي بالندم على حدث وقع في الماضي بدلاً من العمل على تغيير حاضرها المادي المتردي.




.

تهافت المثالية وسيكولوجية التزييف: نقد العقل المادي لكتاب "أبو الشهداء" لعباس محمود العقاد (مقال)

.


.
تهافت المثالية وسيكولوجية التزييف: نقد العقل المادي لكتاب "أبو الشهداء" لعباس محمود العقاد




يمثل كتاب "أبو الشهداء" لعباس محمود العقاد نموذجاً صارخاً للمنهج الأدبي الذي يطغى فيه الخيال العاطفي على الحقيقة المادية، حيث يسعى المؤلف بكل ما أوتي من بلاغة لغوية إلى تحويل واقعة سياسية فاشلة إلى ملحمة أخلاقية سماوية. إن القراءة المتفحصة لهذا العمل من منظور مادي عقلاني تكشف عن حجم التناقض الصارخ بين الوقائع التاريخية الصلبة وبين التبريرات "الميتافيزيقية" التي ساقها العقاد لتجميل ما يمكن تسميته، بلغة المنطق والمصلحة، بالحماقة الانتحارية التي أقدم عليها الحسين بن علي. يبدأ العقاد كتابه بفرضية ثنائية "المزاجين"، واضعاً الحسين في خانة "الأريحية" وخصومه في خانة "المنفعة"، وهي قسمة ضيزى لا تستقيم أمام التحليل المادي للتاريخ الذي يرى في الصراع على السلطة حركة مصالح وإرادات بشرية محضة، لا صراعاً بين قوى الخير المطلق والشر المطلق.
إن إصرار العقاد على وصف خروج الحسين بأنه تكليف داخلي وواجب أخلاقي هو محاولة بائسة للالتفاف على غياب المسوغات العقلانية لهذا الخروج. فالحسين، بمقاييس الواقع المادي، لم يمتلك أي عنصر من عناصر القوة التي تؤهله للقيام بانقلاب ناجح على سلطة مستقرة تملك المال والجيش والشرعية السياسية القائمة. وهنا يبرز نفاق العقاد الفكري، إذ يحول الفشل في تقدير موازين القوى إلى "سمو روحي"، معتبراً أن العلم المسبق بالهزيمة مع المضي قدماً نحو الموت هو قمة البطولة. والحقيقة أن هذا السلوك في علم النفس المادي لا يخرج عن كونه هلاوس ذاتية أو هوساً نرجسياً بالسلطة أو بالمكانة الدينية، حيث يتوهم الفرد أن "كاريزمته" أو "نسبه" كفيلان بخرق القوانين المادية للواقع. إن مقارنة هذا الفعل بالانتحار الأيديولوجي الذي نراه في الحركات المتطرفة المعاصرة هي مقارنة دقيقة، إذ يشترك كلاهما في احتقار الحياة المادية والبحث عن "معنى" وهمي وراء الموت، وهو ما يروجه العقاد كقيمة إنسانية بينما هو في الحقيقة عطل في غريزة البقاء الأساسية.
عندما يتحدث العقاد عن "إباء الضيم" و"الأريحية"، فإنه يستخدم كلمات فضفاضة لا معنى لها في عالم المادة. فما هو "المعروف" وما هو "المنكر" الذي خرج الحسين لتغييره؟ إنها مفاهيم ذاتية تتغير بتغير المصالح. فإذا كان الحسين يرى في يزيد منكراً، فإن يزيد، من منطلق السلطة وحماية استقرار الدولة، كان يرى في الحسين منكراً يشق عصا الطاعة ويهدد السلم الأهلي. إن "المعارضة" التي يحاول العقاد إيجاد جذور لها في شخصية الحسين هي خرافة لا أصل لها في الفكر الديني التقليدي الذي نشأ فيه الحسين نفسه، فالتاريخ الإسلامي ومنابع التشريع الأولى لا تقدم نموذجاً للمعارضة السلمية أو التعددية، بل تقدم نموذج الطاعة لولي الأمر، وهو ما استخدمه الأمويون بحق ضد الحسين. العقاد هنا يمارس عملية "لي للحقائق" وتجميل متعمد للسيرة التاريخية ليصنع منها "أيقونة" تناسب ذائقة القارئ المعاصر في الأربعينيات، متجاهلاً أن "البطولة" التي يمدحها هي ذاتها التي أورثت المنطقة قروناً من الفتن الطائفية وخرافات المظلومية التي لا تزال تقتات على دماء البشر حتى اليوم.
إن البحث في "نفسية" الحسين كما فعل العقاد هو ضرب من العبث الفكري، أو ما يمكن تسميته بـ "علم نفس الأشباح". فنحن لا نملك عن تلك الحقبة سوى مرويات كتبت بعد عقود طويلة في ظروف سياسية منحازة تماماً. ومع ذلك، يبني العقاد صرحاً من التفسيرات النفسية حول "نبل الحسين" و"خسة يزيد"، متجاهلاً أن الشخصيات التاريخية هي نتاج لظروفها المادية وطموحاتها البشرية. إن زعم العقاد بأن الحسين كان يريد "زلزلة ضمير الأمة" هو تبرير بأثر رجعي؛ فلا يوجد سياسي عاقل يضحي بنفسه وأهله وأطفاله لمجرد "التأثير المعنوي" إلا إذا كان قد فقد الاتصال بالواقع. إن هذا التمجيد للفشل العسكري واعتباره "انتصاراً أدبياً" هو قمة النفاق الثقافي، لأنه يشجع على ثقافة الموت والفداء التي لا تبني حضارات، بل تهدم الواقع الملموس لصالح الأوهام الغيبية.
علاوة على ذلك، فإن المنطق المادي يسحق فرضية "التضحية من أجل المبدأ" التي يروج لها العقاد. فالمبدأ الذي يؤدي إلى إبادة حامله ومن معه هو مبدأ فاشل وظيفياً. الإنسان هو المادة التي تعطي للمبدأ قيمة، فإذا ذهبت المادة بطل المعنى. الحسين، في حقيقته التاريخية، كان طالباً للسلطة رأى في نفسه الأحقية المطلقة، وعندما اصطدم بصخرة الواقع المادي لجيوش الأمويين، وجد نفسه وحيداً نتيجة سوء تقديره لولاء أهل العراق. العقاد هنا يتدخل ببراعته الأدبية ليحول هذا "الخذلان" إلى "تطهير"، ويصور الحسين كالمسيح الذي يفدي البشرية، وهو تصوير مضلل لأن الحسين لم يفد أحداً، بل تسبب موته في خلق شرخ طائفي عميق أنتج تفكيراً غيبياً متخلفاً يقدس الموت والدم والندب التاريخي، وهي كلها عناصر تعيق النهضة العقلانية والتقدم المادي.
إن نقد كتاب العقاد هو في جوهره نقد لكل فكر مثالي يحاول القفز فوق القوانين المادية. فالعقاد، بصفته أديباً، يعشق "الصورة الجميلة" حتى لو كانت مزيفة، وهو في "أبو الشهداء" لم يكن مؤرخاً محايداً بل كان "كوافيراً" تاريخياً يجمل وجه الحماقة لتظهر في صورة بطولة. إن الحقيقة المادية العارية تقول إن الحسين بن علي ارتكب خطأً سياسياً واستراتيجياً فادحاً أدى إلى مقتله ومقتل أبرياء معه، وأن هذا الفعل لم يكن "تكليفاً" بل كان "طموحاً" لم تسانده القوة. وكل ما كتبه العقاد عن "الأريحية" و"عظمة الروح" ليس سوى تبريرات فارغة وأكاذيب أدبية تهدف إلى استدرار العطف ومنح قداسة زائفة لفعل يفتقر إلى أبسط قواعد المنطق والعقلانية. إننا في عالم مادي تحكمه القوة والمصلحة، والمثالية التي يبشر بها العقاد ليست سوى مخدر للوعي، يجعل الشعوب تقدس "المنهزمين" بدلاً من أن تتعلم كيف تنتصر مادياً وواقعياً.
في الختام، يظل كتاب "أبو الشهداء" وثيقة تدين منهج العقاد الذي يضحي بالحقيقة المادية في سبيل البلاغة الإنشائية. إن تمجيد "الانتحار السياسي" وتصويره كأسمى مراتب الإنسانية هو جناية على العقل البشري. فالحسين لم يكن ضحية ليزيد فقط، بل كان ضحية لحماقته أولاً، ثم ضحية لهؤلاء الكتاب الذين حوّلوا مأساته إلى "خرافة" تبرر التخلف والاتكال على المعجزات الروحية بدلاً من العمل المادي المنظم. إن العقلانية تقتضي منا أن ننزع قناع القداسة عن هؤلاء "الأبطال" الورقيين، وأن ندرك أن المبادئ التي لا تحمي الحياة ولا تحقق المنفعة المادية هي مبادئ ميتة، مهما حاول المنافقون تجميلها بمداد البلاغة وأكاذيب الخلود الوهمي. الحسين مات وخسر، ويزيد بقي وانتصر مادياً في وقته، وهذا هو منطق التاريخ الحقيقي، أما ما تبقى من "آثار أدبية" فهي مجرد صدى لأوهام بشرية ترفض الاعتراف بأننا في النهاية مادة، وأن العظمة الحقيقية تكمن في البناء والحياة، لا في الهدم والموت المجاني تحت مسميات "المعروف" المزعوم.





.

الهيمنة الخفية: تحليل للإمبريالية والاستعمار الشيعي للملالي منذ عام 1979 (مقال)

.


.
الهيمنة الخفية: تحليل للإمبريالية والاستعمار الشيعي للملالي منذ عام 1979




لم تكن سقوط السلالة البهلوية في عام 1979 مجرد نهاية لملكية استمرت آلاف السنين في إيران، بل دشنت حقبة جديدة تحولت فيها الثيوقراطية إلى قوة توسعية من نوع غير مسبوق. وإذا كان مصطلح الاستعمار مرتبطاً تاريخياً بالإمبراطوريات البحرية الأوروبية في القرن التاسع عشر، فإن مراقبة الديناميكيات الجيوسياسية في الشرق الأوسط تفرض اليوم إعادة التفكير في هذا المفهوم لتطبيقه على الجمهورية الإسلامية الإيرانية. نحن نشهد بالفعل إرساء نظام هيمنة، ورغم تدثره بخطاب تحرير المستضعفين ومناهضة الاستعمار، فإنه يحمل كل الخصائص الهيكلية لإمبراطورية استعمارية: استخراج الموارد، والسيطرة الإقليمية عبر قوات وكيلة، وفرض نموذج ثقافي وديني، وإخضاع السيادات الوطنية المجاورة لمصالح المركز، أي طهران.
الجانب الأكثر بروزاً في هذه الإمبريالية يكمن في بعدها الأيديولوجي القائم على عقيدة "ولاية الفقيه". هذا التصور للسلطة لا يعترف بالحدود الوطنية المنبثقة عن معاهدات ما بعد الحرب، ويعتبرها إنشاءات اصطناعية للإمبريالية الغربية. بالنسبة للملالي، تستمد الشرعية السياسية من الدين ويجب أن تمتد لتشمل الأمة الإسلامية جمعاء. منذ السنوات الأولى للثورة، نظر آية الله الخميني لتصدير الثورة كواجب مقدس. لم يكن ذلك مجرد دعوة للاقتداء، بل استراتيجية نشطة لزعزعة استقرار الأنظمة القائمة لإقامة نظام ثيوقراطي عالمي. هذه المسيحانية السياسية تعمل كمحرك لتوسع إقليمي يهدف إلى إعادة خلق عظمة الإمبراطوريات الفارسية القديمة في قالب ديني، مع إضافة بعد طائفي صارم يهمش ليس فقط غير المسلمين، بل أيضاً المسلمين السنة.
تتميز خصائص هذا الاستعمار الشيعي بالاستخدام المكثف للحرب الهجينة والاعتماد على الوكلاء. فبدلاً من إرسال جيش احتلال كلاسيكي، وهو ما قد يثير استنكاراً دولياً فورياً، تعمل طهران عبر التسلل وإنشاء هياكل شبه عسكرية محلية. ويعد حزب الله اللبناني النموذج الأمثل لذلك؛ فهو بمثابة دولة داخل الدولة، يمتلك ترسانة تتفوق على الجيش الوطني اللبناني ويملي السياسة الخارجية والداخلية للبلاد بناءً على احتياجات إيران. وقد تم تصدير هذا النموذج بنجاح إلى العراق بعد عام 2003، حيث تغلغلت ميليشيات الحشد الشعبي بشكل منهجي في مفاصل الدولة والاقتصاد والأمن. وفي سوريا، اضطر نظام بشار الأسد لضمان بقائه إلى قبول وجود إيراني مكثف يرقى إلى احتلال فعلي، مع قواعد عسكرية وأحياء كاملة خاضعة لسيطرة المستشارين الإيرانيين. أما في اليمن، فإن دعم المتمردين الحوثيين يسمح لطهران بالقبض على مضيق باب المندب الاستراتيجي، معيدةً بذلك إنتاج الاستراتيجية الاستعمارية الكلاسيكية في السيطرة على الطرق التجارية والبحرية.
سمة مميزة أخرى لهذا النظام هي الاستعمار الاقتصادي واستخراج الثروات. ففي البلدان الواقعة تحت النفوذ الإيراني، نلاحظ استيلاءً ممنهجاً على العقود العامة والموارد الطبيعية من قبل شركات مرتبطة بالحرس الثوري، الذراع العسكرية والمالية لنظام طهران. في العراق على سبيل المثال، يتم الإبقاء على التبعية الطاقية لإيران بشكل اصطناعي لضمان عوائد مستمرة للجمهورية الإسلامية رغم قدرات الإنتاج المحلية. ولبنان، الذي كان يلقب بـ "مصرف الشرق الأوسط"، شهد انهيار نظامه المالي جزئياً بسبب الاقتصاد الموازي الذي أنشأه حلفاء إيران، والذين يفضلون دوائر تمويل الإرهاب والتهريب على المصلحة الوطنية العامة. إنه انتقال للثروة من الأطراف المستعمرة نحو المركز الإمبراطوري، مغلفاً بتضامن ديني صوري.
يتضمن استعمار الملالي أيضاً شقاً متعلقاً بالتحول السوسيو-ثقافي والديموغرافي. ففي سوريا، توثق تقارير سياسات استبدال سكاني في مناطق استراتيجية معينة، حيث يتم توطين عائلات مقاتلين شيعة قادمين من أفغانستان أو العراق في قرى كانت سنية سابقاً لتأمين الممرات اللوجستية الإيرانية. وبالتوازي، تستثمر إيران بكثافة في المراكز الثقافية والمدارس والمؤسسات الدينية لنشر نسختها الخاصة من التشيع الاثني عشري، محاولةً تغيير الهوية العميقة للسكان المحليين. هذه الرغبة في "تفريز" أو "خمننة" المجتمعات العربية المجاورة تُعاش من قبل الكثيرين كعدوان ثقافي عنيف يهدف إلى محو المواريث الوطنية لصالح ولاء مطلق للولي الفقيه في إيران.
نتائج هذه الإمبريالية كارثية على الاستقرار الإقليمي. فحيثما استقر نفوذ الملالي، تراجعت دولة القانون لصالح فوضى الميليشيات. فلبنان اليوم بلد مفلس، عاجز عن تأمين الاحتياجات الأساسية لسكان، لأن مصيره مرتبط بالحسابات الجيوسياسية لطهران. والعراق يكافح لبناء هوية وطنية جامعة، ممزقاً بتوترات طائفية أججتها الميليشيات الموالية لإيران التي تعمل في ظل حصانة تامة، وتغتال الناشطين المطالبين بالديمقراطية وإنهاء التدخل الأجنبي. وسوريا تحولت إلى حقل من الركام تتصارع فيه قوى عدة، لكن التجذر الإيراني يضمن استمرارية نظام ممقوت من قبل فئة كبيرة من شعبه. والنتيجة الصافية هي تفتيت المجتمعات العربية، وزيادة العنف الطائفي، وإفقار الجماهير، بينما تثرى النخب المرتبطة بطهران.
واحدة من أكثر المفارقات مرارة في هذا الوضع هي الصمت، بل والتواطؤ، من قبل يسار غربي معين وحركات تدعي مناهضة الاستعمار. فهذه التيارات، السجينة لرؤية ثنائية ترى أن الغرب وحده يمكن أن يكون المعتدي، ترفض رؤية الجمهورية الإسلامية كقوة إمبريالية. إنهم يقبلون خطاب النظام الذي يقدم كل توسع لسلطته كـ "مقاومة" ضد الهيمنة الأمريكية أو الصهيونية. وبذلك، يتجاهلون صرخات استغاثة الشعوب السورية والعراقية واليمنية التي تعاني يومياً من نير طهران. إن كراهية الذات الغربية، التي تدفع لدعم أي عدو للغرب، تشرعن استعماراً ثيوقراطياً وحشياً بذرائع قروسطية، بحجة معارضة النظام العالمي القائم. نحن نشهد هنا خيانة للقيم الكونية للحرية والسيادة لصالح موقف أيديولوجي يرفض الاعتراف بأن القمع يمكن أن يأتي أيضاً من الشرق.
أخيراً، من الضروري التأكيد على أن هذا الاستعمار الخارجي يرافقه استعمار داخلي شرس. فالجمهورية الإسلامية تعامل أقلياتها العرقية — البلوش، الأكراد، وعرب الأحواز — كشعوب محتلة. يتم نهب موارد مناطقهم، وتهميش لغاتهم، وقمع أي رغبة في الحكم الذاتي بالدم. إن الكراهية التي يحملها النظام للغرب ليست سوى انعكاس للكراهية التي يحملها لحرية شعبه. ومن خلال تصدير نموذجه، لا تصدر إيران نفوذاً سياسياً فحسب، بل تصدر منهجاً في الحكم قائماً على الخوف والفساد وسحق الفرد. إن إمبريالية الملالي ليست رداً على الإمبريالية الغربية، بل هي مرآتها المشوهة، وإرادة قوة تستخدم الدين كسلاح غزو والضغينة كوقود دبلوماسي.
في الختام، تمثل الإمبريالية والاستعمار الشيعي للملالي أحد أكثر التحديات تعقيداً في القرن الحادي والعشرين. فمن خلال الجمع بين التعصب الديني، والبراغماتية العسكرية، والاستغلال الاقتصادي، نجحت طهران في بناء إمبراطورية ظل تزعزع استقرار العالم العربي وتهدد السلم الدولي. وطالما أن المجتمع الدولي، وخاصة المثقفين اليساريين، يرفضون تسمية هذه الظاهرة باسمها الحقيقي — كمشروع استعماري توسعي — فإن شعوب المنطقة ستظل تدفع الثمن الباهظ لهيمنة تدعي أنها إلهية لكن ثمارها أرضية بامتياز: الحرب والخراب والقمع. إن المعركة الحقيقية لمناهضة الاستعمار اليوم يجب أن تشمل فضح هذه الإمبريالية الثيوقراطية الإيرانية بنفس القوة الموجهة لأي شكل آخر من أشكال الهيمنة الأجنبية، من أجل استعادة كرامة وسيادة دول الشرق الأوسط.




.

L'hégémonie de l'ombre : Analyse de l'impérialisme et du colonialisme chiite des mollahs depuis 1979 (article)


.

.
L'hégémonie de l'ombre : Analyse de l'impérialisme et du colonialisme chiite des mollahs depuis 1979




La chute de la dynastie Pahlavi en 1979 n'a pas seulement marqué la fin d'une monarchie millénaire en Iran, elle a inauguré une ère nouvelle où la théocratie s'est muée en une puissance expansionniste d'un genre inédit. Si le terme de colonialisme est historiquement rattaché aux empires maritimes européens du XIXe siècle, l'observation des dynamiques géopolitiques au Moyen-Orient impose aujourd'hui de repenser ce concept pour l'appliquer à la République Islamique d'Iran. On assiste en effet à la mise en place d'un système de domination qui, bien que se drapant dans la rhétorique de la libération des opprimés et de l'anticolonialisme, présente toutes les caractéristiques structurelles d'un empire colonial : extraction de ressources, contrôle territorial par des forces supplétives, imposition d'un modèle culturel et religieux, et subordination des souverainetés nationales voisines aux intérêts de la métropole, à savoir Téhéran.
L'aspect le plus saillant de cet impérialisme réside dans sa dimension idéologique, fondée sur la doctrine du Velayat-e Faqih, ou la tutelle du juriste musulman. Cette conception du pouvoir ne reconnaît pas les frontières nationales issues des traités de l'après-guerre, les considérant comme des constructions artificielles de l'impérialisme occidental. Pour les mollahs, la légitimité politique découle de la religion et doit s'étendre à l'ensemble de l'Oumma, la communauté des croyants. Dès les premières années de la révolution, l'ayatollah Khomeini a théorisé l'exportation de la révolution comme un impératif sacré. Ce n'était pas une simple invitation à l'émulation, mais une stratégie active de déstabilisation des régimes en place pour instaurer un ordre théocratique global. Ce messianisme politique sert de moteur à une expansion territoriale qui vise à recréer, sous une forme religieuse, la grandeur des anciens empires perses, tout en y ajoutant une dimension confessionnelle stricte qui marginalise non seulement les non-musulmans, mais aussi les musulmans sunnites.
Les caractéristiques de ce colonialisme chiite se distinguent par l'usage extensif de la guerre hybride et du recours aux procurations, ou proxies. Plutôt que d'envoyer une armée d'occupation classique, ce qui déclencherait une réprobation internationale immédiate, Téhéran procède par infiltration et par la création de structures paramilitaires locales. Le Hezbollah libanais en est le prototype parfait. Véritable État dans l'État, il dispose d'un arsenal supérieur à celui de l'armée nationale libanaise et dicte la politique étrangère et intérieure du pays en fonction des besoins de l'Iran. Ce modèle a été exporté avec succès en Irak après 2003, où les milices du Hachd al-Chaabi ont méthodiquement infiltré les rouages de l'État, de l'économie et de la sécurité. En Syrie, le régime de Bachar al-Assad, pour survivre, a dû accepter une présence iranienne massive qui s'apparente à une occupation de fait, avec des bases militaires et des quartiers entiers passés sous contrôle de conseillers iraniens. Au Yémen, le soutien aux rebelles Houthis permet à Téhéran de tenir un verrou stratégique sur le détroit de Bab el-Mandeb, reproduisant ainsi la stratégie coloniale classique du contrôle des routes commerciales et maritimes.
Un autre trait caractéristique de ce système est le colonialisme économique et l'extraction des richesses. Dans les pays sous influence iranienne, on observe une captation systématique des marchés publics et des ressources naturelles par des entreprises liées aux Gardiens de la Révolution, le bras armé et financier du régime de Téhéran. En Irak, par exemple, la dépendance énergétique vis-à-vis de l'Iran est maintenue artificiellement pour garantir des revenus constants à la République Islamique, malgré les capacités de production locales. Le Liban, autrefois la banque du Moyen-Orient, a vu son système financier s'effondrer en partie à cause de l'économie parallèle mise en place par les alliés de l'Iran, qui privilégient les circuits de financement du terrorisme et de la contrebande sur l'intérêt général national. Il s'agit d'un transfert de richesse des périphéries colonisées vers le centre impérial, masqué par une solidarité religieuse de façade.
Le colonialisme des mollahs comporte également un volet de transformation socioculturelle et démographique. En Syrie, des rapports documentent des politiques de remplacement de populations dans certaines zones stratégiques, où des familles de combattants chiites venus d'Afghanistan ou d'Irak sont installées dans des villages autrefois sunnites pour sécuriser les corridors logistiques iraniens. Parallèlement, l'Iran investit massivement dans des centres culturels, des écoles et des institutions religieuses pour propager sa version spécifique du chiisme duodécimain, tentant de modifier l'identité profonde des populations locales. Cette volonté de "persianiser" ou de "khomeiniser" les sociétés arabes voisines est vécue par beaucoup comme une agression culturelle d'une violence inouïe, visant à effacer les héritages nationaux au profit d'une loyauté absolue au Guide Suprême de l'Iran.
Les résultats de cet impérialisme sont dévastateurs pour la stabilité régionale. Partout où l'influence des mollahs s'est installée, l'État de droit a reculé au profit du chaos milicien. Le Liban est aujourd'hui un pays en faillite, incapable de subvenir aux besoins de base de sa population, car son destin est lié aux calculs géopolitiques de Téhéran. L'Irak peine à construire une identité nationale inclusive, déchiré par des tensions confessionnelles exacerbées par les milices pro-iraniennes qui agissent en toute impunité, assassinant les militants pro-démocratie qui réclament la fin de l'ingérence étrangère. La Syrie est un champ de ruines où plusieurs puissances s'affrontent, mais où l'ancrage iranien garantit la perpétuation d'un régime honni par une grande partie de sa population. Le résultat net est une fragmentation des sociétés arabes, une augmentation de la violence confessionnelle et une paupérisation des masses, pendant que les élites liées à Téhéran s'enrichissent.
L'un des paradoxes les plus amers de cette situation est le silence, voire la complaisance, d'une certaine gauche occidentale et des mouvements dits anticolonialistes. Prisonniers d'une vision binaire où seul l'Occident peut être l'agresseur, ces courants refusent de voir dans la République Islamique une puissance impériale. Ils acceptent la rhétorique du régime qui présente chaque extension de son pouvoir comme une "résistance" contre l'hégémonie américaine ou sioniste. Ce faisant, ils ignorent les cris de détresse des populations syriennes, irakiennes ou yéménites qui subissent au quotidien le joug de Téhéran. Cette haine de soi occidentale, qui pousse à soutenir n'importe quel ennemi de l'Occident, valide un colonialisme théocratique d'une brutalité médiévale, sous prétexte qu'il s'oppose à l'ordre mondial établi. On assiste ici à une trahison des valeurs universelles de liberté et de souveraineté au profit d'une posture idéologique qui refuse de reconnaître que l'oppression peut aussi venir de l'Orient.
Enfin, il est crucial de souligner que ce colonialisme externe s'accompagne d'un colonialisme interne féroce. La République Islamique traite ses propres minorités ethniques — Baloutches, Kurdes, Arabes d'Ahvaz — comme des peuples occupés. Les ressources de leurs régions sont pillées, leurs langues sont marginalisées et toute velléité d'autonomie est réprimée dans le sang. La haine que le régime porte à l'Occident n'est que le reflet de la haine qu'il porte à la liberté de son propre peuple. En exportant son modèle, l'Iran n'exporte pas seulement une influence politique, il exporte une méthode de gouvernement basée sur la peur, la corruption et l'écrasement de l'individu. L'impérialisme des mollahs n'est pas une réponse à l'impérialisme occidental, il est son miroir déformant, une volonté de puissance qui utilise la religion comme une arme de conquête et le ressentiment comme un carburant diplomatique.
En conclusion, l'impérialisme et le colonialisme chiite des mollahs représentent l'un des défis les plus complexes du XXIe siècle. En combinant fanatisme religieux, pragmatisme militaire et extraction économique, Téhéran a réussi à bâtir un empire de l'ombre qui déstabilise le monde arabe et menace la paix internationale. Tant que la communauté internationale, et en particulier les intellectuels de gauche, se refuseront à nommer ce phénomène pour ce qu'il est — une entreprise coloniale expansionniste — les peuples de la région continueront de payer le prix fort d'une domination qui se prétend divine mais dont les fruits sont tristement terrestres : la guerre, la ruine et l'oppression. La véritable lutte anticoloniale d'aujourd'hui doit intégrer la dénonciation de cet impérialisme théocratique iranien avec la même vigueur que n'importe quelle autre forme de domination étrangère, afin de restaurer la dignité et la souveraineté des nations du Moyen-Orient.




.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...