.
تهافت المثالية وسيكولوجية التزييف: نقد العقل المادي لكتاب "أبو الشهداء" لعباس محمود العقاد
يمثل كتاب "أبو الشهداء" لعباس محمود العقاد نموذجاً صارخاً للمنهج الأدبي الذي يطغى فيه الخيال العاطفي على الحقيقة المادية، حيث يسعى المؤلف بكل ما أوتي من بلاغة لغوية إلى تحويل واقعة سياسية فاشلة إلى ملحمة أخلاقية سماوية. إن القراءة المتفحصة لهذا العمل من منظور مادي عقلاني تكشف عن حجم التناقض الصارخ بين الوقائع التاريخية الصلبة وبين التبريرات "الميتافيزيقية" التي ساقها العقاد لتجميل ما يمكن تسميته، بلغة المنطق والمصلحة، بالحماقة الانتحارية التي أقدم عليها الحسين بن علي. يبدأ العقاد كتابه بفرضية ثنائية "المزاجين"، واضعاً الحسين في خانة "الأريحية" وخصومه في خانة "المنفعة"، وهي قسمة ضيزى لا تستقيم أمام التحليل المادي للتاريخ الذي يرى في الصراع على السلطة حركة مصالح وإرادات بشرية محضة، لا صراعاً بين قوى الخير المطلق والشر المطلق.
إن إصرار العقاد على وصف خروج الحسين بأنه تكليف داخلي وواجب أخلاقي هو محاولة بائسة للالتفاف على غياب المسوغات العقلانية لهذا الخروج. فالحسين، بمقاييس الواقع المادي، لم يمتلك أي عنصر من عناصر القوة التي تؤهله للقيام بانقلاب ناجح على سلطة مستقرة تملك المال والجيش والشرعية السياسية القائمة. وهنا يبرز نفاق العقاد الفكري، إذ يحول الفشل في تقدير موازين القوى إلى "سمو روحي"، معتبراً أن العلم المسبق بالهزيمة مع المضي قدماً نحو الموت هو قمة البطولة. والحقيقة أن هذا السلوك في علم النفس المادي لا يخرج عن كونه هلاوس ذاتية أو هوساً نرجسياً بالسلطة أو بالمكانة الدينية، حيث يتوهم الفرد أن "كاريزمته" أو "نسبه" كفيلان بخرق القوانين المادية للواقع. إن مقارنة هذا الفعل بالانتحار الأيديولوجي الذي نراه في الحركات المتطرفة المعاصرة هي مقارنة دقيقة، إذ يشترك كلاهما في احتقار الحياة المادية والبحث عن "معنى" وهمي وراء الموت، وهو ما يروجه العقاد كقيمة إنسانية بينما هو في الحقيقة عطل في غريزة البقاء الأساسية.
عندما يتحدث العقاد عن "إباء الضيم" و"الأريحية"، فإنه يستخدم كلمات فضفاضة لا معنى لها في عالم المادة. فما هو "المعروف" وما هو "المنكر" الذي خرج الحسين لتغييره؟ إنها مفاهيم ذاتية تتغير بتغير المصالح. فإذا كان الحسين يرى في يزيد منكراً، فإن يزيد، من منطلق السلطة وحماية استقرار الدولة، كان يرى في الحسين منكراً يشق عصا الطاعة ويهدد السلم الأهلي. إن "المعارضة" التي يحاول العقاد إيجاد جذور لها في شخصية الحسين هي خرافة لا أصل لها في الفكر الديني التقليدي الذي نشأ فيه الحسين نفسه، فالتاريخ الإسلامي ومنابع التشريع الأولى لا تقدم نموذجاً للمعارضة السلمية أو التعددية، بل تقدم نموذج الطاعة لولي الأمر، وهو ما استخدمه الأمويون بحق ضد الحسين. العقاد هنا يمارس عملية "لي للحقائق" وتجميل متعمد للسيرة التاريخية ليصنع منها "أيقونة" تناسب ذائقة القارئ المعاصر في الأربعينيات، متجاهلاً أن "البطولة" التي يمدحها هي ذاتها التي أورثت المنطقة قروناً من الفتن الطائفية وخرافات المظلومية التي لا تزال تقتات على دماء البشر حتى اليوم.
إن البحث في "نفسية" الحسين كما فعل العقاد هو ضرب من العبث الفكري، أو ما يمكن تسميته بـ "علم نفس الأشباح". فنحن لا نملك عن تلك الحقبة سوى مرويات كتبت بعد عقود طويلة في ظروف سياسية منحازة تماماً. ومع ذلك، يبني العقاد صرحاً من التفسيرات النفسية حول "نبل الحسين" و"خسة يزيد"، متجاهلاً أن الشخصيات التاريخية هي نتاج لظروفها المادية وطموحاتها البشرية. إن زعم العقاد بأن الحسين كان يريد "زلزلة ضمير الأمة" هو تبرير بأثر رجعي؛ فلا يوجد سياسي عاقل يضحي بنفسه وأهله وأطفاله لمجرد "التأثير المعنوي" إلا إذا كان قد فقد الاتصال بالواقع. إن هذا التمجيد للفشل العسكري واعتباره "انتصاراً أدبياً" هو قمة النفاق الثقافي، لأنه يشجع على ثقافة الموت والفداء التي لا تبني حضارات، بل تهدم الواقع الملموس لصالح الأوهام الغيبية.
علاوة على ذلك، فإن المنطق المادي يسحق فرضية "التضحية من أجل المبدأ" التي يروج لها العقاد. فالمبدأ الذي يؤدي إلى إبادة حامله ومن معه هو مبدأ فاشل وظيفياً. الإنسان هو المادة التي تعطي للمبدأ قيمة، فإذا ذهبت المادة بطل المعنى. الحسين، في حقيقته التاريخية، كان طالباً للسلطة رأى في نفسه الأحقية المطلقة، وعندما اصطدم بصخرة الواقع المادي لجيوش الأمويين، وجد نفسه وحيداً نتيجة سوء تقديره لولاء أهل العراق. العقاد هنا يتدخل ببراعته الأدبية ليحول هذا "الخذلان" إلى "تطهير"، ويصور الحسين كالمسيح الذي يفدي البشرية، وهو تصوير مضلل لأن الحسين لم يفد أحداً، بل تسبب موته في خلق شرخ طائفي عميق أنتج تفكيراً غيبياً متخلفاً يقدس الموت والدم والندب التاريخي، وهي كلها عناصر تعيق النهضة العقلانية والتقدم المادي.
إن نقد كتاب العقاد هو في جوهره نقد لكل فكر مثالي يحاول القفز فوق القوانين المادية. فالعقاد، بصفته أديباً، يعشق "الصورة الجميلة" حتى لو كانت مزيفة، وهو في "أبو الشهداء" لم يكن مؤرخاً محايداً بل كان "كوافيراً" تاريخياً يجمل وجه الحماقة لتظهر في صورة بطولة. إن الحقيقة المادية العارية تقول إن الحسين بن علي ارتكب خطأً سياسياً واستراتيجياً فادحاً أدى إلى مقتله ومقتل أبرياء معه، وأن هذا الفعل لم يكن "تكليفاً" بل كان "طموحاً" لم تسانده القوة. وكل ما كتبه العقاد عن "الأريحية" و"عظمة الروح" ليس سوى تبريرات فارغة وأكاذيب أدبية تهدف إلى استدرار العطف ومنح قداسة زائفة لفعل يفتقر إلى أبسط قواعد المنطق والعقلانية. إننا في عالم مادي تحكمه القوة والمصلحة، والمثالية التي يبشر بها العقاد ليست سوى مخدر للوعي، يجعل الشعوب تقدس "المنهزمين" بدلاً من أن تتعلم كيف تنتصر مادياً وواقعياً.
في الختام، يظل كتاب "أبو الشهداء" وثيقة تدين منهج العقاد الذي يضحي بالحقيقة المادية في سبيل البلاغة الإنشائية. إن تمجيد "الانتحار السياسي" وتصويره كأسمى مراتب الإنسانية هو جناية على العقل البشري. فالحسين لم يكن ضحية ليزيد فقط، بل كان ضحية لحماقته أولاً، ثم ضحية لهؤلاء الكتاب الذين حوّلوا مأساته إلى "خرافة" تبرر التخلف والاتكال على المعجزات الروحية بدلاً من العمل المادي المنظم. إن العقلانية تقتضي منا أن ننزع قناع القداسة عن هؤلاء "الأبطال" الورقيين، وأن ندرك أن المبادئ التي لا تحمي الحياة ولا تحقق المنفعة المادية هي مبادئ ميتة، مهما حاول المنافقون تجميلها بمداد البلاغة وأكاذيب الخلود الوهمي. الحسين مات وخسر، ويزيد بقي وانتصر مادياً في وقته، وهذا هو منطق التاريخ الحقيقي، أما ما تبقى من "آثار أدبية" فهي مجرد صدى لأوهام بشرية ترفض الاعتراف بأننا في النهاية مادة، وأن العظمة الحقيقية تكمن في البناء والحياة، لا في الهدم والموت المجاني تحت مسميات "المعروف" المزعوم.
.



