Translate

تهافت المثالية وسيكولوجية التزييف: نقد العقل المادي لكتاب "أبو الشهداء" لعباس محمود العقاد (مقال)

.


.
تهافت المثالية وسيكولوجية التزييف: نقد العقل المادي لكتاب "أبو الشهداء" لعباس محمود العقاد




يمثل كتاب "أبو الشهداء" لعباس محمود العقاد نموذجاً صارخاً للمنهج الأدبي الذي يطغى فيه الخيال العاطفي على الحقيقة المادية، حيث يسعى المؤلف بكل ما أوتي من بلاغة لغوية إلى تحويل واقعة سياسية فاشلة إلى ملحمة أخلاقية سماوية. إن القراءة المتفحصة لهذا العمل من منظور مادي عقلاني تكشف عن حجم التناقض الصارخ بين الوقائع التاريخية الصلبة وبين التبريرات "الميتافيزيقية" التي ساقها العقاد لتجميل ما يمكن تسميته، بلغة المنطق والمصلحة، بالحماقة الانتحارية التي أقدم عليها الحسين بن علي. يبدأ العقاد كتابه بفرضية ثنائية "المزاجين"، واضعاً الحسين في خانة "الأريحية" وخصومه في خانة "المنفعة"، وهي قسمة ضيزى لا تستقيم أمام التحليل المادي للتاريخ الذي يرى في الصراع على السلطة حركة مصالح وإرادات بشرية محضة، لا صراعاً بين قوى الخير المطلق والشر المطلق.
إن إصرار العقاد على وصف خروج الحسين بأنه تكليف داخلي وواجب أخلاقي هو محاولة بائسة للالتفاف على غياب المسوغات العقلانية لهذا الخروج. فالحسين، بمقاييس الواقع المادي، لم يمتلك أي عنصر من عناصر القوة التي تؤهله للقيام بانقلاب ناجح على سلطة مستقرة تملك المال والجيش والشرعية السياسية القائمة. وهنا يبرز نفاق العقاد الفكري، إذ يحول الفشل في تقدير موازين القوى إلى "سمو روحي"، معتبراً أن العلم المسبق بالهزيمة مع المضي قدماً نحو الموت هو قمة البطولة. والحقيقة أن هذا السلوك في علم النفس المادي لا يخرج عن كونه هلاوس ذاتية أو هوساً نرجسياً بالسلطة أو بالمكانة الدينية، حيث يتوهم الفرد أن "كاريزمته" أو "نسبه" كفيلان بخرق القوانين المادية للواقع. إن مقارنة هذا الفعل بالانتحار الأيديولوجي الذي نراه في الحركات المتطرفة المعاصرة هي مقارنة دقيقة، إذ يشترك كلاهما في احتقار الحياة المادية والبحث عن "معنى" وهمي وراء الموت، وهو ما يروجه العقاد كقيمة إنسانية بينما هو في الحقيقة عطل في غريزة البقاء الأساسية.
عندما يتحدث العقاد عن "إباء الضيم" و"الأريحية"، فإنه يستخدم كلمات فضفاضة لا معنى لها في عالم المادة. فما هو "المعروف" وما هو "المنكر" الذي خرج الحسين لتغييره؟ إنها مفاهيم ذاتية تتغير بتغير المصالح. فإذا كان الحسين يرى في يزيد منكراً، فإن يزيد، من منطلق السلطة وحماية استقرار الدولة، كان يرى في الحسين منكراً يشق عصا الطاعة ويهدد السلم الأهلي. إن "المعارضة" التي يحاول العقاد إيجاد جذور لها في شخصية الحسين هي خرافة لا أصل لها في الفكر الديني التقليدي الذي نشأ فيه الحسين نفسه، فالتاريخ الإسلامي ومنابع التشريع الأولى لا تقدم نموذجاً للمعارضة السلمية أو التعددية، بل تقدم نموذج الطاعة لولي الأمر، وهو ما استخدمه الأمويون بحق ضد الحسين. العقاد هنا يمارس عملية "لي للحقائق" وتجميل متعمد للسيرة التاريخية ليصنع منها "أيقونة" تناسب ذائقة القارئ المعاصر في الأربعينيات، متجاهلاً أن "البطولة" التي يمدحها هي ذاتها التي أورثت المنطقة قروناً من الفتن الطائفية وخرافات المظلومية التي لا تزال تقتات على دماء البشر حتى اليوم.
إن البحث في "نفسية" الحسين كما فعل العقاد هو ضرب من العبث الفكري، أو ما يمكن تسميته بـ "علم نفس الأشباح". فنحن لا نملك عن تلك الحقبة سوى مرويات كتبت بعد عقود طويلة في ظروف سياسية منحازة تماماً. ومع ذلك، يبني العقاد صرحاً من التفسيرات النفسية حول "نبل الحسين" و"خسة يزيد"، متجاهلاً أن الشخصيات التاريخية هي نتاج لظروفها المادية وطموحاتها البشرية. إن زعم العقاد بأن الحسين كان يريد "زلزلة ضمير الأمة" هو تبرير بأثر رجعي؛ فلا يوجد سياسي عاقل يضحي بنفسه وأهله وأطفاله لمجرد "التأثير المعنوي" إلا إذا كان قد فقد الاتصال بالواقع. إن هذا التمجيد للفشل العسكري واعتباره "انتصاراً أدبياً" هو قمة النفاق الثقافي، لأنه يشجع على ثقافة الموت والفداء التي لا تبني حضارات، بل تهدم الواقع الملموس لصالح الأوهام الغيبية.
علاوة على ذلك، فإن المنطق المادي يسحق فرضية "التضحية من أجل المبدأ" التي يروج لها العقاد. فالمبدأ الذي يؤدي إلى إبادة حامله ومن معه هو مبدأ فاشل وظيفياً. الإنسان هو المادة التي تعطي للمبدأ قيمة، فإذا ذهبت المادة بطل المعنى. الحسين، في حقيقته التاريخية، كان طالباً للسلطة رأى في نفسه الأحقية المطلقة، وعندما اصطدم بصخرة الواقع المادي لجيوش الأمويين، وجد نفسه وحيداً نتيجة سوء تقديره لولاء أهل العراق. العقاد هنا يتدخل ببراعته الأدبية ليحول هذا "الخذلان" إلى "تطهير"، ويصور الحسين كالمسيح الذي يفدي البشرية، وهو تصوير مضلل لأن الحسين لم يفد أحداً، بل تسبب موته في خلق شرخ طائفي عميق أنتج تفكيراً غيبياً متخلفاً يقدس الموت والدم والندب التاريخي، وهي كلها عناصر تعيق النهضة العقلانية والتقدم المادي.
إن نقد كتاب العقاد هو في جوهره نقد لكل فكر مثالي يحاول القفز فوق القوانين المادية. فالعقاد، بصفته أديباً، يعشق "الصورة الجميلة" حتى لو كانت مزيفة، وهو في "أبو الشهداء" لم يكن مؤرخاً محايداً بل كان "كوافيراً" تاريخياً يجمل وجه الحماقة لتظهر في صورة بطولة. إن الحقيقة المادية العارية تقول إن الحسين بن علي ارتكب خطأً سياسياً واستراتيجياً فادحاً أدى إلى مقتله ومقتل أبرياء معه، وأن هذا الفعل لم يكن "تكليفاً" بل كان "طموحاً" لم تسانده القوة. وكل ما كتبه العقاد عن "الأريحية" و"عظمة الروح" ليس سوى تبريرات فارغة وأكاذيب أدبية تهدف إلى استدرار العطف ومنح قداسة زائفة لفعل يفتقر إلى أبسط قواعد المنطق والعقلانية. إننا في عالم مادي تحكمه القوة والمصلحة، والمثالية التي يبشر بها العقاد ليست سوى مخدر للوعي، يجعل الشعوب تقدس "المنهزمين" بدلاً من أن تتعلم كيف تنتصر مادياً وواقعياً.
في الختام، يظل كتاب "أبو الشهداء" وثيقة تدين منهج العقاد الذي يضحي بالحقيقة المادية في سبيل البلاغة الإنشائية. إن تمجيد "الانتحار السياسي" وتصويره كأسمى مراتب الإنسانية هو جناية على العقل البشري. فالحسين لم يكن ضحية ليزيد فقط، بل كان ضحية لحماقته أولاً، ثم ضحية لهؤلاء الكتاب الذين حوّلوا مأساته إلى "خرافة" تبرر التخلف والاتكال على المعجزات الروحية بدلاً من العمل المادي المنظم. إن العقلانية تقتضي منا أن ننزع قناع القداسة عن هؤلاء "الأبطال" الورقيين، وأن ندرك أن المبادئ التي لا تحمي الحياة ولا تحقق المنفعة المادية هي مبادئ ميتة، مهما حاول المنافقون تجميلها بمداد البلاغة وأكاذيب الخلود الوهمي. الحسين مات وخسر، ويزيد بقي وانتصر مادياً في وقته، وهذا هو منطق التاريخ الحقيقي، أما ما تبقى من "آثار أدبية" فهي مجرد صدى لأوهام بشرية ترفض الاعتراف بأننا في النهاية مادة، وأن العظمة الحقيقية تكمن في البناء والحياة، لا في الهدم والموت المجاني تحت مسميات "المعروف" المزعوم.





.

الهيمنة الخفية: تحليل للإمبريالية والاستعمار الشيعي للملالي منذ عام 1979 (مقال)

.


.
الهيمنة الخفية: تحليل للإمبريالية والاستعمار الشيعي للملالي منذ عام 1979




لم تكن سقوط السلالة البهلوية في عام 1979 مجرد نهاية لملكية استمرت آلاف السنين في إيران، بل دشنت حقبة جديدة تحولت فيها الثيوقراطية إلى قوة توسعية من نوع غير مسبوق. وإذا كان مصطلح الاستعمار مرتبطاً تاريخياً بالإمبراطوريات البحرية الأوروبية في القرن التاسع عشر، فإن مراقبة الديناميكيات الجيوسياسية في الشرق الأوسط تفرض اليوم إعادة التفكير في هذا المفهوم لتطبيقه على الجمهورية الإسلامية الإيرانية. نحن نشهد بالفعل إرساء نظام هيمنة، ورغم تدثره بخطاب تحرير المستضعفين ومناهضة الاستعمار، فإنه يحمل كل الخصائص الهيكلية لإمبراطورية استعمارية: استخراج الموارد، والسيطرة الإقليمية عبر قوات وكيلة، وفرض نموذج ثقافي وديني، وإخضاع السيادات الوطنية المجاورة لمصالح المركز، أي طهران.
الجانب الأكثر بروزاً في هذه الإمبريالية يكمن في بعدها الأيديولوجي القائم على عقيدة "ولاية الفقيه". هذا التصور للسلطة لا يعترف بالحدود الوطنية المنبثقة عن معاهدات ما بعد الحرب، ويعتبرها إنشاءات اصطناعية للإمبريالية الغربية. بالنسبة للملالي، تستمد الشرعية السياسية من الدين ويجب أن تمتد لتشمل الأمة الإسلامية جمعاء. منذ السنوات الأولى للثورة، نظر آية الله الخميني لتصدير الثورة كواجب مقدس. لم يكن ذلك مجرد دعوة للاقتداء، بل استراتيجية نشطة لزعزعة استقرار الأنظمة القائمة لإقامة نظام ثيوقراطي عالمي. هذه المسيحانية السياسية تعمل كمحرك لتوسع إقليمي يهدف إلى إعادة خلق عظمة الإمبراطوريات الفارسية القديمة في قالب ديني، مع إضافة بعد طائفي صارم يهمش ليس فقط غير المسلمين، بل أيضاً المسلمين السنة.
تتميز خصائص هذا الاستعمار الشيعي بالاستخدام المكثف للحرب الهجينة والاعتماد على الوكلاء. فبدلاً من إرسال جيش احتلال كلاسيكي، وهو ما قد يثير استنكاراً دولياً فورياً، تعمل طهران عبر التسلل وإنشاء هياكل شبه عسكرية محلية. ويعد حزب الله اللبناني النموذج الأمثل لذلك؛ فهو بمثابة دولة داخل الدولة، يمتلك ترسانة تتفوق على الجيش الوطني اللبناني ويملي السياسة الخارجية والداخلية للبلاد بناءً على احتياجات إيران. وقد تم تصدير هذا النموذج بنجاح إلى العراق بعد عام 2003، حيث تغلغلت ميليشيات الحشد الشعبي بشكل منهجي في مفاصل الدولة والاقتصاد والأمن. وفي سوريا، اضطر نظام بشار الأسد لضمان بقائه إلى قبول وجود إيراني مكثف يرقى إلى احتلال فعلي، مع قواعد عسكرية وأحياء كاملة خاضعة لسيطرة المستشارين الإيرانيين. أما في اليمن، فإن دعم المتمردين الحوثيين يسمح لطهران بالقبض على مضيق باب المندب الاستراتيجي، معيدةً بذلك إنتاج الاستراتيجية الاستعمارية الكلاسيكية في السيطرة على الطرق التجارية والبحرية.
سمة مميزة أخرى لهذا النظام هي الاستعمار الاقتصادي واستخراج الثروات. ففي البلدان الواقعة تحت النفوذ الإيراني، نلاحظ استيلاءً ممنهجاً على العقود العامة والموارد الطبيعية من قبل شركات مرتبطة بالحرس الثوري، الذراع العسكرية والمالية لنظام طهران. في العراق على سبيل المثال، يتم الإبقاء على التبعية الطاقية لإيران بشكل اصطناعي لضمان عوائد مستمرة للجمهورية الإسلامية رغم قدرات الإنتاج المحلية. ولبنان، الذي كان يلقب بـ "مصرف الشرق الأوسط"، شهد انهيار نظامه المالي جزئياً بسبب الاقتصاد الموازي الذي أنشأه حلفاء إيران، والذين يفضلون دوائر تمويل الإرهاب والتهريب على المصلحة الوطنية العامة. إنه انتقال للثروة من الأطراف المستعمرة نحو المركز الإمبراطوري، مغلفاً بتضامن ديني صوري.
يتضمن استعمار الملالي أيضاً شقاً متعلقاً بالتحول السوسيو-ثقافي والديموغرافي. ففي سوريا، توثق تقارير سياسات استبدال سكاني في مناطق استراتيجية معينة، حيث يتم توطين عائلات مقاتلين شيعة قادمين من أفغانستان أو العراق في قرى كانت سنية سابقاً لتأمين الممرات اللوجستية الإيرانية. وبالتوازي، تستثمر إيران بكثافة في المراكز الثقافية والمدارس والمؤسسات الدينية لنشر نسختها الخاصة من التشيع الاثني عشري، محاولةً تغيير الهوية العميقة للسكان المحليين. هذه الرغبة في "تفريز" أو "خمننة" المجتمعات العربية المجاورة تُعاش من قبل الكثيرين كعدوان ثقافي عنيف يهدف إلى محو المواريث الوطنية لصالح ولاء مطلق للولي الفقيه في إيران.
نتائج هذه الإمبريالية كارثية على الاستقرار الإقليمي. فحيثما استقر نفوذ الملالي، تراجعت دولة القانون لصالح فوضى الميليشيات. فلبنان اليوم بلد مفلس، عاجز عن تأمين الاحتياجات الأساسية لسكان، لأن مصيره مرتبط بالحسابات الجيوسياسية لطهران. والعراق يكافح لبناء هوية وطنية جامعة، ممزقاً بتوترات طائفية أججتها الميليشيات الموالية لإيران التي تعمل في ظل حصانة تامة، وتغتال الناشطين المطالبين بالديمقراطية وإنهاء التدخل الأجنبي. وسوريا تحولت إلى حقل من الركام تتصارع فيه قوى عدة، لكن التجذر الإيراني يضمن استمرارية نظام ممقوت من قبل فئة كبيرة من شعبه. والنتيجة الصافية هي تفتيت المجتمعات العربية، وزيادة العنف الطائفي، وإفقار الجماهير، بينما تثرى النخب المرتبطة بطهران.
واحدة من أكثر المفارقات مرارة في هذا الوضع هي الصمت، بل والتواطؤ، من قبل يسار غربي معين وحركات تدعي مناهضة الاستعمار. فهذه التيارات، السجينة لرؤية ثنائية ترى أن الغرب وحده يمكن أن يكون المعتدي، ترفض رؤية الجمهورية الإسلامية كقوة إمبريالية. إنهم يقبلون خطاب النظام الذي يقدم كل توسع لسلطته كـ "مقاومة" ضد الهيمنة الأمريكية أو الصهيونية. وبذلك، يتجاهلون صرخات استغاثة الشعوب السورية والعراقية واليمنية التي تعاني يومياً من نير طهران. إن كراهية الذات الغربية، التي تدفع لدعم أي عدو للغرب، تشرعن استعماراً ثيوقراطياً وحشياً بذرائع قروسطية، بحجة معارضة النظام العالمي القائم. نحن نشهد هنا خيانة للقيم الكونية للحرية والسيادة لصالح موقف أيديولوجي يرفض الاعتراف بأن القمع يمكن أن يأتي أيضاً من الشرق.
أخيراً، من الضروري التأكيد على أن هذا الاستعمار الخارجي يرافقه استعمار داخلي شرس. فالجمهورية الإسلامية تعامل أقلياتها العرقية — البلوش، الأكراد، وعرب الأحواز — كشعوب محتلة. يتم نهب موارد مناطقهم، وتهميش لغاتهم، وقمع أي رغبة في الحكم الذاتي بالدم. إن الكراهية التي يحملها النظام للغرب ليست سوى انعكاس للكراهية التي يحملها لحرية شعبه. ومن خلال تصدير نموذجه، لا تصدر إيران نفوذاً سياسياً فحسب، بل تصدر منهجاً في الحكم قائماً على الخوف والفساد وسحق الفرد. إن إمبريالية الملالي ليست رداً على الإمبريالية الغربية، بل هي مرآتها المشوهة، وإرادة قوة تستخدم الدين كسلاح غزو والضغينة كوقود دبلوماسي.
في الختام، تمثل الإمبريالية والاستعمار الشيعي للملالي أحد أكثر التحديات تعقيداً في القرن الحادي والعشرين. فمن خلال الجمع بين التعصب الديني، والبراغماتية العسكرية، والاستغلال الاقتصادي، نجحت طهران في بناء إمبراطورية ظل تزعزع استقرار العالم العربي وتهدد السلم الدولي. وطالما أن المجتمع الدولي، وخاصة المثقفين اليساريين، يرفضون تسمية هذه الظاهرة باسمها الحقيقي — كمشروع استعماري توسعي — فإن شعوب المنطقة ستظل تدفع الثمن الباهظ لهيمنة تدعي أنها إلهية لكن ثمارها أرضية بامتياز: الحرب والخراب والقمع. إن المعركة الحقيقية لمناهضة الاستعمار اليوم يجب أن تشمل فضح هذه الإمبريالية الثيوقراطية الإيرانية بنفس القوة الموجهة لأي شكل آخر من أشكال الهيمنة الأجنبية، من أجل استعادة كرامة وسيادة دول الشرق الأوسط.




.

L'hégémonie de l'ombre : Analyse de l'impérialisme et du colonialisme chiite des mollahs depuis 1979 (article)


.

.
L'hégémonie de l'ombre : Analyse de l'impérialisme et du colonialisme chiite des mollahs depuis 1979




La chute de la dynastie Pahlavi en 1979 n'a pas seulement marqué la fin d'une monarchie millénaire en Iran, elle a inauguré une ère nouvelle où la théocratie s'est muée en une puissance expansionniste d'un genre inédit. Si le terme de colonialisme est historiquement rattaché aux empires maritimes européens du XIXe siècle, l'observation des dynamiques géopolitiques au Moyen-Orient impose aujourd'hui de repenser ce concept pour l'appliquer à la République Islamique d'Iran. On assiste en effet à la mise en place d'un système de domination qui, bien que se drapant dans la rhétorique de la libération des opprimés et de l'anticolonialisme, présente toutes les caractéristiques structurelles d'un empire colonial : extraction de ressources, contrôle territorial par des forces supplétives, imposition d'un modèle culturel et religieux, et subordination des souverainetés nationales voisines aux intérêts de la métropole, à savoir Téhéran.
L'aspect le plus saillant de cet impérialisme réside dans sa dimension idéologique, fondée sur la doctrine du Velayat-e Faqih, ou la tutelle du juriste musulman. Cette conception du pouvoir ne reconnaît pas les frontières nationales issues des traités de l'après-guerre, les considérant comme des constructions artificielles de l'impérialisme occidental. Pour les mollahs, la légitimité politique découle de la religion et doit s'étendre à l'ensemble de l'Oumma, la communauté des croyants. Dès les premières années de la révolution, l'ayatollah Khomeini a théorisé l'exportation de la révolution comme un impératif sacré. Ce n'était pas une simple invitation à l'émulation, mais une stratégie active de déstabilisation des régimes en place pour instaurer un ordre théocratique global. Ce messianisme politique sert de moteur à une expansion territoriale qui vise à recréer, sous une forme religieuse, la grandeur des anciens empires perses, tout en y ajoutant une dimension confessionnelle stricte qui marginalise non seulement les non-musulmans, mais aussi les musulmans sunnites.
Les caractéristiques de ce colonialisme chiite se distinguent par l'usage extensif de la guerre hybride et du recours aux procurations, ou proxies. Plutôt que d'envoyer une armée d'occupation classique, ce qui déclencherait une réprobation internationale immédiate, Téhéran procède par infiltration et par la création de structures paramilitaires locales. Le Hezbollah libanais en est le prototype parfait. Véritable État dans l'État, il dispose d'un arsenal supérieur à celui de l'armée nationale libanaise et dicte la politique étrangère et intérieure du pays en fonction des besoins de l'Iran. Ce modèle a été exporté avec succès en Irak après 2003, où les milices du Hachd al-Chaabi ont méthodiquement infiltré les rouages de l'État, de l'économie et de la sécurité. En Syrie, le régime de Bachar al-Assad, pour survivre, a dû accepter une présence iranienne massive qui s'apparente à une occupation de fait, avec des bases militaires et des quartiers entiers passés sous contrôle de conseillers iraniens. Au Yémen, le soutien aux rebelles Houthis permet à Téhéran de tenir un verrou stratégique sur le détroit de Bab el-Mandeb, reproduisant ainsi la stratégie coloniale classique du contrôle des routes commerciales et maritimes.
Un autre trait caractéristique de ce système est le colonialisme économique et l'extraction des richesses. Dans les pays sous influence iranienne, on observe une captation systématique des marchés publics et des ressources naturelles par des entreprises liées aux Gardiens de la Révolution, le bras armé et financier du régime de Téhéran. En Irak, par exemple, la dépendance énergétique vis-à-vis de l'Iran est maintenue artificiellement pour garantir des revenus constants à la République Islamique, malgré les capacités de production locales. Le Liban, autrefois la banque du Moyen-Orient, a vu son système financier s'effondrer en partie à cause de l'économie parallèle mise en place par les alliés de l'Iran, qui privilégient les circuits de financement du terrorisme et de la contrebande sur l'intérêt général national. Il s'agit d'un transfert de richesse des périphéries colonisées vers le centre impérial, masqué par une solidarité religieuse de façade.
Le colonialisme des mollahs comporte également un volet de transformation socioculturelle et démographique. En Syrie, des rapports documentent des politiques de remplacement de populations dans certaines zones stratégiques, où des familles de combattants chiites venus d'Afghanistan ou d'Irak sont installées dans des villages autrefois sunnites pour sécuriser les corridors logistiques iraniens. Parallèlement, l'Iran investit massivement dans des centres culturels, des écoles et des institutions religieuses pour propager sa version spécifique du chiisme duodécimain, tentant de modifier l'identité profonde des populations locales. Cette volonté de "persianiser" ou de "khomeiniser" les sociétés arabes voisines est vécue par beaucoup comme une agression culturelle d'une violence inouïe, visant à effacer les héritages nationaux au profit d'une loyauté absolue au Guide Suprême de l'Iran.
Les résultats de cet impérialisme sont dévastateurs pour la stabilité régionale. Partout où l'influence des mollahs s'est installée, l'État de droit a reculé au profit du chaos milicien. Le Liban est aujourd'hui un pays en faillite, incapable de subvenir aux besoins de base de sa population, car son destin est lié aux calculs géopolitiques de Téhéran. L'Irak peine à construire une identité nationale inclusive, déchiré par des tensions confessionnelles exacerbées par les milices pro-iraniennes qui agissent en toute impunité, assassinant les militants pro-démocratie qui réclament la fin de l'ingérence étrangère. La Syrie est un champ de ruines où plusieurs puissances s'affrontent, mais où l'ancrage iranien garantit la perpétuation d'un régime honni par une grande partie de sa population. Le résultat net est une fragmentation des sociétés arabes, une augmentation de la violence confessionnelle et une paupérisation des masses, pendant que les élites liées à Téhéran s'enrichissent.
L'un des paradoxes les plus amers de cette situation est le silence, voire la complaisance, d'une certaine gauche occidentale et des mouvements dits anticolonialistes. Prisonniers d'une vision binaire où seul l'Occident peut être l'agresseur, ces courants refusent de voir dans la République Islamique une puissance impériale. Ils acceptent la rhétorique du régime qui présente chaque extension de son pouvoir comme une "résistance" contre l'hégémonie américaine ou sioniste. Ce faisant, ils ignorent les cris de détresse des populations syriennes, irakiennes ou yéménites qui subissent au quotidien le joug de Téhéran. Cette haine de soi occidentale, qui pousse à soutenir n'importe quel ennemi de l'Occident, valide un colonialisme théocratique d'une brutalité médiévale, sous prétexte qu'il s'oppose à l'ordre mondial établi. On assiste ici à une trahison des valeurs universelles de liberté et de souveraineté au profit d'une posture idéologique qui refuse de reconnaître que l'oppression peut aussi venir de l'Orient.
Enfin, il est crucial de souligner que ce colonialisme externe s'accompagne d'un colonialisme interne féroce. La République Islamique traite ses propres minorités ethniques — Baloutches, Kurdes, Arabes d'Ahvaz — comme des peuples occupés. Les ressources de leurs régions sont pillées, leurs langues sont marginalisées et toute velléité d'autonomie est réprimée dans le sang. La haine que le régime porte à l'Occident n'est que le reflet de la haine qu'il porte à la liberté de son propre peuple. En exportant son modèle, l'Iran n'exporte pas seulement une influence politique, il exporte une méthode de gouvernement basée sur la peur, la corruption et l'écrasement de l'individu. L'impérialisme des mollahs n'est pas une réponse à l'impérialisme occidental, il est son miroir déformant, une volonté de puissance qui utilise la religion comme une arme de conquête et le ressentiment comme un carburant diplomatique.
En conclusion, l'impérialisme et le colonialisme chiite des mollahs représentent l'un des défis les plus complexes du XXIe siècle. En combinant fanatisme religieux, pragmatisme militaire et extraction économique, Téhéran a réussi à bâtir un empire de l'ombre qui déstabilise le monde arabe et menace la paix internationale. Tant que la communauté internationale, et en particulier les intellectuels de gauche, se refuseront à nommer ce phénomène pour ce qu'il est — une entreprise coloniale expansionniste — les peuples de la région continueront de payer le prix fort d'une domination qui se prétend divine mais dont les fruits sont tristement terrestres : la guerre, la ruine et l'oppression. La véritable lutte anticoloniale d'aujourd'hui doit intégrer la dénonciation de cet impérialisme théocratique iranien avec la même vigueur que n'importe quelle autre forme de domination étrangère, afin de restaurer la dignité et la souveraineté des nations du Moyen-Orient.




.

إمبراطورية الظل خلف قناع الزهد: ممتلكات وأصول الوليّ السّفيه الإيراني في الخارج تحت مجهر التحقيقات الدولية (مقال)

.


.
إمبراطورية الظل خلف قناع الزهد: ممتلكات وأصول الوليّ السّفيه الإيراني في الخارج تحت مجهر التحقيقات الدولية




تعد قضية الثروات والممتلكات الخارجية للنخبة الحاكمة في إيران، وعلى رأسها تلك المرتبطة بمكتب الولي الفقيه، واحدة من أكثر الملفات تعقيداً وسرية في الاقتصاد السياسي العالمي المعاصر، حيث يتقاطع فيها البعد الأيديولوجي المتمثل في شعارات الزهد والثورة مع واقع مالي يضج بالمليارات المهربة والشركات الوهمية العابرة للقارات. إن محاولة تتبع هذه الأصول ليست مجرد ترف صحفي، بل هي ضرورة لفهم آليات بقاء النظام الإيراني وقدرته على الالتفاف على العقوبات الدولية لسنوات طويلة، إذ تشير التحقيقات الاستقصائية الموثقة الصادرة في مطلع عام ألفين وستة وعشرين، والمستندة إلى بيانات بنكية وعقارية من لندن وفرانكفورت ودبي، إلى وجود شبكة عنكبوتية من الأصول التي لا تُسجل مباشرة بأسماء القيادات العليا، بل تُدار عبر واجهات تجارية ووسطاء محترفين يتقنون فن إخفاء الأثر المالي في الملاذات الضريبية الآمنة.
تبدأ القصة من التناقض الصارخ الذي يعيشه الشارع الإيراني، فبينما يرزح أكثر من نصف السكان تحت خط الفقر وتتآكل القوة الشرائية للريال الإيراني، تظهر الوثائق المسربة من سجلات العقارات في المملكة المتحدة أن هناك قلاعاً مالية صامتة في أرقى أحياء لندن، وتحديداً في منطقة كينسينغتون وبالاس غاردنز، تعود ملكيتها النفعية لشركات مسجلة في جزر فيرجن البريطانية أو ليختنشتاين، وهي شركات مرتبطة بشكل وثيق بشبكة علي أنصاري، رجل الأعمال الذي تضعه التقارير الدولية كمهندس مالي رئيسي لمصالح مكتب الولي الفقيه والحرس الثوري. هذه العقارات التي تُعرف في الأوساط العقارية بلندن باسم "بيوت الأشباح" نظراً لعدم سكنها، لا تمثل مجرد سكن فاخر، بل هي مخازن قيمة استراتيجية تُستخدم لتأمين الثروة بعيداً عن تقلبات الداخل الإيراني وضمان استمرارية التمويل للأذرع الإقليمية في حال حدوث انهيارات اقتصادية كبرى.
إن المنهجية التي تتبعها هذه الإمبراطورية المالية تعتمد على مبدأ التفتيت والتمويه، حيث لا تظهر ممتلكات مجتبى خامنئي أو المقربين منه بشكل مباشر في أي سجل رسمي، بل يتم الاعتماد على طبقات متعددة من الشركات الوهمية التي تقوم بشراء حصص في فنادق كبرى بأوروبا، مثل تلك الموجودة في فرانكفورت ومايوركا والنمسا. هذه الاستثمارات في قطاع الضيافة والخدمات تمثل وسيلة مثالية لغسل أموال النفط التي يتم بيعها عبر القنوات الالتفافية، حيث تتحول الأرباح الناتجة عن مبيعات الخام في الأسواق الرمادية إلى عوائد شرعية ناتجة عن أعمال فندقية وسياحية في قلب القارة الأوروبية، وهو ما كشفته تحقيقات صحيفة الفاينانشال تايمز وبلومبرغ مؤخراً، مؤكدة أن المحفظة الأوروبية المرتبطة بهذه الشبكة تجاوزت قيمتها أربعمائة مليون يورو، وهي مبالغ تكفي لإعادة بناء قطاعات كاملة من البنية التحتية المتهالكة داخل إيران.
ولا يقتصر التغلغل المالي لهذه المنظومة على القارة العجوز، بل يمتد بعمق نحو منطقة الخليج العربي، وتحديداً في دبي، حيث تُستخدم المراكز المالية هناك كجسر عبور للأموال السائلة نحو الأسواق العالمية. وتشير تقارير استخباراتية مالية إلى أن الضواحي الراقية مثل تلال الإمارات تضم فيلات وقصوراً تعود لشبكات وساطة تعمل لصالح الحرس الثوري، حيث يتم دمج الأموال في القطاع العقاري المحلي الذي يتميز بالسيولة العالية والقدرة على استيعاب الاستثمارات الضخمة دون إثارة الكثير من التساؤلات القانونية في البداية. هذه الأصول العقارية في دبي تمثل العصب التنفيذي لإدارة العمليات اليومية، حيث يتم من خلالها تمويل المشتريات التكنولوجية والعسكرية التي يحتاجها النظام الإيراني لتطوير برامجه التسليحية بعيداً عن أعين الرقابة الدولية المشددة.
إن الخطورة في هذا التمدد المالي لا تكمن فقط في حجم الأموال المنهوبة من مقدرات الشعب الإيراني، بل في الغرض الذي تُستخدم لأجله هذه الأصول، حيث يربط المحللون بين نمو هذه الإمبراطورية العقارية والتمويل المستدام للميليشيات الموالية لإيران في العراق واليمن ولبنان. فعندما تُضيق العقوبات البنكية الخناق على التحويلات الرسمية، تتحول هذه العقارات والفنادق في الخارج إلى "بنوك ظل" قادرة على توفير السيولة النقدية والائتمان للوكلاء الإقليميين، مما يجعل من منظومة الولي الفقيه كياناً عابراً للحدود لا يعترف بالقيود السيادية للدول التي يستثمر فيها، ويستخدم قوانين السوق الحرة في الغرب لضرب استقرار المنطقة وتمرير أجنداته الأيديولوجية التي يدعي في العلن معاداتها للغرب وقيمه.
وفي كندا، برزت فضيحة عقارية أخرى تتعلق ببيع بنتهاوس فاخر في تورونتو مرتبط بذات الشبكة، مما أثار تساؤلات قانونية وسياسية حول كيفية تسلل هذه الأموال إلى النظام المالي الكندي رغم العقوبات المفروضة. هذا الحادث كشف أن الإمبراطورية المالية للنظام الإيراني ليست محصورة في النطاق الجغرافي القريب، بل هي أخطبوط يمد أذرعه إلى أمريكا الشمالية مستغلاً الثغرات في قوانين الإفصاح عن المالك الحقيقي. إن هذه التحركات المالية الدولية تعكس استراتيجية "بقاء النخبة" التي تدرك تماماً أن شرعيتها الداخلية في مهب الريح، فتقوم بتأمين ملاذات مالية آمنة في الدول التي تصفها في أدبياتها الثورية بـ "الاستكبار العالمي"، في مفارقة تاريخية تجسد أقصى درجات النفاق السياسي والمالي.
عند تحليل البنية الداخلية لهذه الثروات، نجد أن مؤسسة تنفيذ أمر الإمام، المعروفة اختصاراً بـ "ستاد"، تمثل الحجر الزاوية في تراكم هذه الممتلكات، حيث بدأت بمصادرة أموال المعارضين والفئات المهمشة بعد الثورة، لتتحول بمرور العقود إلى تكتل اقتصادي عملاق تتجاوز قيمته مائة مليار دولار داخل إيران، ومن ثم بدأت في تصدير هذا الفائض المالي نحو الخارج عبر شركات واجهة. إن العلاقة بين "ستاد" والممتلكات الخارجية للولي الفقيه هي علاقة العضو بالجسد، حيث تعمل المؤسسة الأم في طهران كمصدر للتمويل الأولي، بينما تقوم الشبكات الخارجية بتحويل هذه الأصول إلى استثمارات دولية يصعب تجميدها أو ملاحقتها قضائياً بسهولة، مما يخلق درعاً مالياً يحمي النظام من الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية.
إن الغضب الشعبي المتصاعد داخل إيران يجد مبرره القوي في هذه الاكتشافات، فالإيراني الذي ينتظر ساعات في طوابير السلع الأساسية يرى في صور القصور واليخوت المرتبطة بأبناء النخبة (الآغازاده) في لندن ودبي صفعة لكرامته ومعاناته. هذا الفساد الممنهج لم يعد مجرد قضية جنائية، بل تحول إلى محرك أساسي للحركات الاحتجاجية التي ترفع شعارات تندد بتبديد ثروات البلاد في الخارج. إن التقارير الصحفية التي تصدر اليوم لا تكتفي برصد الأرقام، بل تحلل الآثار الاجتماعية لهذه السرقات المنظمة، مؤكدة أن رأس المال المهرب للخارج كان كفيلاً بإنقاذ العملة الوطنية ومنع انزلاق الملايين نحو دائرة الجوع، وهو ما يجعل من ملف ممتلكات الولي الفقيه في الخارج القضية الأكثر حساسية وخطورة على مستقبل الاستقرار السياسي في إيران.
ختاماً، فإن وضع ممتلكات الولي الفقيه والمقربين منه تحت المجهر الدولي يكشف عن حقيقة مرة، وهي أن النظام الذي يرفع شعارات العدالة الإلهية قد شيد لنفسه مملكة أرضية من الأموال المحرمة والمستقطعة من أفواه الجوعى. إن الاستمرار في كشف هذه الملفات وملاحقة الوسطاء الماليين وتفعيل قوانين الشفافية الدولية هو السبيل الوحيد لتجفيف منابع التمويل التي تغذي التطرف والفساد، فالإمبراطورية التي بُنيت على الظل والسرية لا يمكن أن تصمد أمام ضوء الحقائق الدامغة والتحقيقات الجريئة التي بدأت تزيح الستار عن واحدة من أكبر عمليات النهب المنظم في التاريخ الحديث، مؤكدة أن الثروات التي يُراد لها أن تكون طوق نجاة للنظام قد تتحول في النهاية إلى القيد الذي يسرع من نهايته التاريخية.




.

دولة الولي السّفيه والمهدي المنتظر: تجليات الفساد والنهب وصناعة الموت في ظل ولاية الفقيه (مقال)

.


.
دولة الولي السّفيه والمهدي المنتظر: تجليات الفساد والنهب وصناعة الموت في ظل ولاية الفقيه




يمثل النموذج الإيراني القائم على نظرية ولاية الفقيه حالة استثنائية في التاريخ المعاصر، حيث امتزجت الأيديولوجيا الدينية المتطرفة بشبكات معقدة من الفساد المؤسسي والجريمة المنظمة، لتنتج نظاماً سياسياً يعيش على التناقض الصارخ بين الشعارات الروحانية المرفوعة والواقع المادي المليء بالنهب والاضطهاد. إن ادعاء تمثيل الإرادة الإلهية أو التحضير لظهور المهدي المنتظر لم يكن في حقيقته إلا غطاءً أيديولوجياً لشرعنة سلطة مطلقة لا تخضع للمساءلة، حيث تحولت الدولة من كيان يرعى مصالح الشعب إلى منظومة أمنية ومالية عابرة للحدود، تكرس موارد البلاد لخدمة أجندات توسعية وتراكم ثروات طائلة في أيدي نخبة ضيقة يقودها الولي الفقيه والمؤسسات المرتبطة به.
عند النظر في بنية النظام الإيراني، نجد أن مفهوم الولي الفقيه قد تم تطويعه ليصبح أداة للاستبداد المطلق، حيث يتم تصوير الحاكم على أنه نائب للإمام المعصوم، مما يجعل معارضته مرادفة لمعارضة الإرادة الإلهية. هذا التموضع الديني منح النظام حصانة زائفة سمحت له بابتلاع الدولة ومقدراتها، وتحويل الاقتصاد الإيراني إلى ملكية خاصة تحت إشراف مؤسسات غير خاضعة للرقابة مثل مؤسسة تنفيذ أمر الإمام وغيرها من الهيئات التي تسيطر على مليارات الدولارات. إن هذا النهب الممنهج لم يكن مجرد انحراف مالي عابر، بل هو جوهر البنية السلطوية التي ترى في أموال الإيرانيين غنيمة حرب تُنفق على مشروع "تصدير الثورة" بدلاً من تحسين حياة المواطنين الذين يعانون من تضخم جامح وفقر مدقع وانهيار كامل في الخدمات الأساسية.
وفي سياق هذا المشهد القاتم، تبرز ازدواجية النظام في التعامل مع الثروة؛ فبينما يتم تبشير الجماهير بالصبر والزهد انتظاراً للفرج الإلهي، تعيش عائلة الولي الفقيه وكبار قادة الحرس الثوري في ترف فاحش، حيث كشفت التقارير الاستقصائية الموثقة في السنوات الأخيرة عن إمبراطورية عقارية ومالية ضخمة تدار عبر شركات وهمية في عواصم أوروبية ومدن عالمية. إن هذه الثروات المهربة للخارج، والتي تقدر بمئات الملايين من الدولارات، هي في الأصل أموال مسروقة من قوت الشعب الإيراني، تم تحويلها عبر شبكات معقدة من الوسطاء ورجال الأعمال المرتبطين بالحرس الثوري، مما يكشف زيف الادعاءات بالتقوى والزهد التي يروج لها الإعلام الرسمي التابع للنظام.
ولا يقتصر فساد هذه الدولة على النهب المالي الداخلي، بل يمتد ليشمل الانخراط في أقذر أنواع التجارة العالمية وهي تجارة المخدرات. لقد تحول الحرس الثوري الإيراني، وتحديداً فيلق القدس، إلى شريك استراتيجي في شبكات التهريب الدولية، حيث يتم استخدام المخدرات كأداة مزدوجة؛ فهي من جهة توفر سيولة نقدية ضخمة بالعملات الصعبة لتمويل العمليات الإرهابية وتجاوز العقوبات الدولية، ومن جهة أخرى تُستخدم كسلاح لتدمير المجتمعات المستهدفة في المنطقة العربية وخارجها. إن التقارير الدولية التي ربطت بين شبكات إنتاج وتهريب "الكابتاغون" و"الميثامفيتامين" وبين الميليشيات التابعة لإيران في العراق واليمن وسوريا، تؤكد أننا أمام "دولة مخدرات" بامتياز، تستغل نفوذها العسكري لتأمين مسارات التهريب العابرة للحدود، وتتعاون مع كارتيلات الجريمة المنظمة لتحقيق مكاسب سياسية ومادية.
إن هذا التورط في تجارة السموم يكشف الوجه الحقيقي لنظام يدعي حماية القيم الأخلاقية، بينما يسعى لتدمير عقول الشباب في الداخل والخارج لضمان بقائه. ففي الداخل الإيراني، ارتفعت معدلات الإدمان بشكل مخيف نتيجة اليأس الاقتصادي وتوفر المواد المخدرة بأسعار زهيدة تحت أعين الأجهزة الأمنية التي تتغاضى عن الموزعين المرتبطين بالمنظومة العسكرية، وفي الخارج، يتم إغراق دول الجوار بالمخدرات لزعزعة استقرارها الاجتماعي والأمني، مما يجعل من نظام الولي الفقيه خطراً وجودياً يتجاوز حدود السياسة ليصل إلى تهديد النسيج المجتمعي للأمم.
وبالتوازي مع الفساد والمخدرات، يبرز الإرهاب كركيزة ثالثة يقوم عليها بقاء هذا النظام. إن عقيدة "تصدير الثورة" ليست إلا مبرراً للتدخل السافر في شؤون الدول الأخرى وإنشاء جيوش موازية تدين بالولاء للفقيه في طهران لا لأوطانها. من حزب الله في لبنان إلى الحوثيين في اليمن والميليشيات الطائفية في العراق، خلقت إيران شبكة من الوكلاء الذين ينفذون أجندتها التخريبية، محولة هذه الدول إلى ساحات للصراع الدائم والدمار. إن إنفاق مليارات الدولارات على التسلح والبرامج النووية والصاروخية ودعم الجماعات المسلحة، في وقت يتضور فيه المواطن الإيراني جوعاً، يعكس بوضوح أولويات "عصابة" تحكم باسم الدين، حيث يتم تقديس السلاح والموت على حساب الحياة والبناء.
إن الفشل الذريع الذي يلاحق هذا النظام في إدارة شؤون الدولة قد حول إيران إلى سجن كبير يسوده القمع والاضطهاد. فالمطالبة بالحقوق الأساسية أو انتقاد الفساد تُقابل بأشد أنواع التنكيل، تحت دعاوى "محاربة الله" أو "الارتباط بالخارج". إن استخدام الرموز الدينية مثل "المهدي المنتظر" لتبرير هذا القمع هو قمة الانحطاط الأخلاقي، حيث يتم تحويل الانتظار الروحي لدى المؤمنين إلى أداة للتخدير السياسي والقبول بالظلم، وتصوير المعاناة الحالية على أنها تمهيد لظهور المخلص، بينما الحقيقة هي أن النظام يسعى فقط لخلود سلطته والحفاظ على امتيازات النخبة الحاكمة.
وفي الختام، يظهر جلياً أن دولة الولي الفقيه ليست إلا منظومة هجينة تجمع بين أسوأ ما في الاستبداد التاريخي وأحدث وسائل الجريمة المنظمة. إنها دولة تعيش على الأزمات وتقتات على دماء الأبرياء وتدمر المستقبل باسم ماضٍ متخيل أو مستقبل غيبي لا تملك له مفاتيح. إن التباين الشاسع بين القصور الفاخرة لقادة النظام في الخارج، وبين العشوائيات والفقر في شوارع طهران ومشهد، وبين شحنات المخدرات التي تمر تحت حماية السلاح والبرامج العسكرية الفاشلة، كل ذلك يرسم لوحة لنظام ساقط أخلاقياً وشرعياً، ينتظر نهايته المحتومة على يد شعب لم يعد يصدق خرافاته، وعالم لم يعد يحتمل إرهابه. إن التاريخ سيسجل أن هذه الحقبة كانت واحدة من أحلك الفترات التي مرت بها المنطقة، حيث اختُطفت فيها الدولة من قبل فئة إرهابية جعلت من الفساد والنهب والموت ديناً لها.




.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...