Translate

نقاط تحوّل إرهابيّة: مقارنة بين جريمة طوفان الأقصى وجريمة 11 سبتمبر 2001 (مقال)

.


.
نقاط تحوّل إرهابيّة: مقارنة بين جريمة طوفان الأقصى وجريمة 11 سبتمبر 2001




يمثل التاريخ البشري سلسلة من الأحداث المتلاحقة، لكن ثمة لحظات فارقة تعمل كفواصل زمنية حادة، تقسم عمر العالم إلى ما قبلها وما بعدها، وتعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام ألفين وواحد في الولايات المتحدة، وعملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر عام ألفين وثلاثة وعشرين، من أبرز هذه المنعطفات التي تجاوزت في أثرها حدود الجغرافيا الضيقة لتصيغ نظاماً عالمياً جديداً وتغير من مفاهيم الاستراتيجية والأمن القومي. إن المقارنة بين هذين الحدثين لا تنبع فقط من كونهما هجمات مباغتة استهدفت مدنيين وأربكت حسابات دول كبرى، بل لأن كلاً منهما كان بمثابة انتحار سياسي وأخلاقي لتنظيمات إرهابية توهمت القدرة على كسر موازين القوى الدولية، فأفرزت نتائج عكسية أدت إلى استئصال هذه التنظيمات وتغيير النظرة العالمية لمفهوم الدولة والدين والمقاومة المزعومة.
على الصعيد السياسي والدبلوماسي، أحدثت هجمات سبتمبر تغييراً جذرياً في العقيدة العسكرية الأمريكية، حيث انتقلت من سياسة الردع التقليدي إلى مبدأ الضربات الاستباقية وتغيير الأنظمة التي ترعى الإرهاب، وهو ما تجلى في غزو أفغانستان والعراق. وبالمثل، نجد أن طوفان الأقصى قد أنهى تماماً حقبة الاحتواء أو التعايش مع التنظيمات المسلحة في المنطقة العربية، حيث أدرك المجتمع الدولي أن بقاء كيانات مثل حماس وحزب الله والميليشيات المرتبطة بإيران يمثل تهديداً وجودياً للاستقرار العالمي وليس فقط للأمن الإقليمي. لقد أعاد السابع من أكتوبر صياغة التحالفات الدولية، فبتنا نرى اصطفافاً عالمياً ضد فكر الإخوان المسلمين والتشيع السياسي المسلح، مع تراجع القبول الدبلوماسي لأي فصيل يحمل السلاح خارج إطار الدولة الوطنية، مما جعل فكرة الدولة الفلسطينية في نظر الكثير من صانعي القرار العالمي مرادفة لإنشاء كيان إرهابي يشكل خطراً مستداماً على الممرات المائية والاقتصاد الدولي.
وفي مضمار العلاقات الدولية، أعقب الحادي عشر من سبتمبر تشكيل تحالف دولي واسع لمحاربة الإرهاب، مما عزز الهيمنة الأمريكية لسنوات طويلة تحت شعار الأمن العالمي، بينما أدى طوفان الأقصى إلى كشف هشاشة محور ما يسمى بالمقاومة الذي تقوده إيران. لقد أثبتت التداعيات أن هذا المحور، رغم خطاباته الرنانة، عاجز عن حماية أعضائه عند المواجهة الحقيقية، مما أدى إلى انهيار تدريجي في نفوذ طهران في عواصم عربية مثل بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء. الدبلوماسية الدولية اليوم لم تعد تتحدث عن تسويات سياسية مع هذه الأطراف، بل عن تفكيك بنيتها التحتية وتجفيف منابع تمويلها، وهو تحول يشبه الطريقة التي تم بها عزل نظام طالبان وتنظيم القاعدة دولياً، مما يعكس اقتناعاً عالمياً بأن الحوار مع الفكر الراديكالي الذي يستهدف إبادة الآخر هو مضيعة للوقت واستنزاف للموارد.
أما من الناحية الاقتصادية، فقد تسببت هجمات سبتمبر في خسائر هائلة لقطاع الطيران والتأمين والأسواق المالية العالمية، مما استدعى إعادة هيكلة شاملة للنظام المالي لمنع غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. وفي المقابل، نجد أن طوفان الأقصى قد وجه ضربة قاضية للاقتصادات الهشة في الدول التي تسيطر عليها الميليشيات، فلبنان واليمن وغزة باتوا يعانون من دمار اقتصادي لا يمكن التعافي منه في المدى المنظور، ليس فقط بسبب الحرب، بل بسبب هروب الاستثمارات واليقين الدولي بأن هذه المناطق غير صالحة للنشاط الاقتصادي المستقر. إن تكلفة المغامرات العسكرية غير المحسوبة أدت إلى إفقار شعوب كاملة، وهو ما عزز القناعة لدى القوى الاقتصادية الكبرى بأن استقرار المنطقة يمر بالضرورة عبر القضاء على هذه التنظيمات التي تتخذ من الفوضى بيئة للاستثمار والنمو.
وفي الجانب الفكري والاجتماعي، أطلقت أحداث سبتمبر موجة من النقاشات حول الإسلاموفوبيا وتصادم الحضارات، لكنها في الوقت نفسه دفعت المجتمعات الإسلامية نحو مراجعة نقدية للفكر الجهادي. وبصورة أكثر حدة، أدى طوفان الأقصى إلى سقوط الأقنعة عن أيديولوجيا الإسلام السياسي المتمثلة في الإخوان المسلمين والشيعة الثوريين، حيث رأى العالم والشارع العربي كيف تُضحي هذه التنظيمات بالشعوب والمدنيين من أجل أجندات خارجية ومكاسب سلطوية ضيقة. لقد تلاشت خرافات "النصر الإلهي" و"التمكين" تحت وطأة الدمار الذي طال الأبرياء نتيجة قرارات طائشة، مما أدى إلى كفر شريحة واسعة من المجتمعات بهذه الأيديولوجيات التي تستثمر في الموت بدلاً من الحياة، وبات هناك توجه متزايد نحو الدولة المدنية التي تفصل بين المعتقد الديني وممارسة السياسة، وهو تحول فكري يعد الأهم منذ قرون في المنطقة.
وعلى مستوى الجيوش والتكنولوجيا العسكرية، كانت هجمات سبتمبر هي الدافع لتطوير تقنيات المراقبة الجماعية، والطائرات بدون طيار، والذكاء الاصطناعي في تتبع الأفراد. طوفان الأقصى دفع بهذا التطور إلى آفاق أبعد، حيث رأينا استخداماً غير مسبوق للتقنيات السيبرانية، واختراق شبكات الاتصال الخاصة بالميليشيات مثل واقعة أجهزة اللاسلكي في لبنان، والاعتماد الكلي على المعلومات الاستخباراتية الدقيقة في تصفية قيادات الصف الأول في غزة وبيروت. لقد تغيرت عقيدة القتال من الحروب التقليدية إلى حروب جراحية تستهدف الرؤوس المدبرة والقدرات النوعية، مما جعل الميليشيات التي تعتمد على الكثافة البشرية أو الانفاق والأسلحة التقليدية تبدو بدائية وعاجزة أمام التفوق التكنولوجي، وهو درس عسكري سيعاد تدريسه في الأكاديميات الحربية لعقود قادمة.
إن النتيجة الحتمية لهذه التحولات هي نهاية حقبة الجماعات المسلحة التي تبتز العالم باسم الدين أو القضية. فكما أدت هجمات سبتمبر إلى تشتيت القاعدة وقتل قياداتها، فإن طوفان الأقصى يكتب الفصل الأخير لنظام بشار الأسد، ووجود حزب الله كقوة عسكرية، ونفوذ حماس في غزة، وتمدد الحوثيين في اليمن. العالم بات أكثر قناعة بأن السماح بنمو هذه الأورام السرطانية كان خطأ تاريخياً، وأن الوقت قد حان لاستعادة سيادة الدول الوطنية القوية التي تلتزم بالقانون الدولي وتحمي شعوبها من أوهام المغامرين. لقد كان طوفان الأقصى في حقيقته طوفاناً جرف معه كل الشعارات الزائفة والخرافات المذهبية، ليترك المنطقة أمام خيار واحد هو السلام القائم على القوة، والتنمية القائمة على العلم، بعيداً عن أيديولوجيات الموت التي أهلكت صنّاعها ومموّليها قبل غيرهم.



.

مهزلة طوفان الأقصى الأحمق الذي أهلك صنّاعه ومموّليه (مقال)

.


.
مهزلة طوفان الأقصى الأحمق الذي أهلك صنّاعه ومموّليه




تحلّ القراءة المتأنية للمشهد السياسي والعسكري في الشرق الأوسط اليوم كاشفةً عن حجم الحماقة الاستراتيجية التي ارتكبتها حركة حماس في السابع من أكتوبر عام 2023، وهي العملية التي أطلقت عليها مسمى "طوفان الأقصى"، لكنها في الحقيقة لم تكن سوى إعصار مدمر ارتدّ على صدور صانعيها ومموليهم في طهران وضواحي بيروت ودمشق وصنعاء وبغداد. إن المتأمل في تتابع الانهيارات المتسارعة يدرك أن تلك اللحظة لم تكن نصراً عابراً كما روجت الآلة الإعلامية المضللة، بل كانت المسمار الأخير في نعش مشروع "الهلال الشيعي" وأيديولوجيا الإسلام السياسي التي اتخذت من القضية الفلسطينية مطية للوصول إلى السلطة والتمدد الإقليمي. لقد أثبتت الأيام أن الحسابات الإيرانية كانت مبنية على أوهام القوة وسوء تقدير فادح لرد الفعل الدولي والإسرائيلي، مما أدى إلى كشف الغطاء عن عجز كامل في حماية الأذرع التي استثمرت فيها طهران مليارات الدولارات على مدار عقود.
بدأت ملامح هذا الانهيار الشامل تتبدى بوضوح في تآكل قدرات حزب الله في لبنان، ذلك التنظيم الذي قُدّم لسنوات كقوة لا تُقهر وذراع طولى لإيران على المتوسط. فمن خلال الانجرار وراء مغامرة حماس، وجد الحزب نفسه في مواجهة آلة عسكرية لم تكتفِ بضرب منصاته الصاروخية، بل اجتثت قياداته التاريخية ومسحت هيبته التي بناها بالدعاية والترهيب. إن ما يشهده حزب الله اليوم ليس مجرد تراجع عسكري، بل هو إعلان رسمي عن انتهاء حقبة "المقاومة" المزعومة التي كانت تبتز الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي. ومع سقوط الحصن اللبناني، تهاوت أحجار الدومينو في دمشق، حيث وجد نظام بشار الأسد نفسه معزولاً ومجرداً من الحماية التي كان يوفرها له مقاتلو الحزب والمستشارون الإيرانيون. لقد كانت عملية "طوفان الأقصى" هي الشرارة التي عجلت بنهاية نظام الأسد، الذي لم يعد يملك مقومات البقاء بعد أن جفّت منابع الدعم العسكري واللوجستي التي كانت تمر عبر الحدود اللبنانية، مما كشف هشاشة السلطة في دمشق أمام أي تحرك داخلي أو خارجي جدي.
أما في طهران، فإن "الطوفان" المزعوم قد أغرق العاصمة الإيرانية في أزمات مركبة، حيث تبخرت أسطورة الردع الإيراني وتهاوت قدرتها على حماية وكلائها. إيران التي كانت تفاخر بالسيطرة على أربع عواصم عربية، تجد نفسها اليوم محاصرة داخل حدودها، بينما يتم تصفية ميليشياتها في العراق وسوريا واليمن واحدة تلو الأخرى. الحشد الشعبي وحركة النجباء في العراق، والحوثيون في اليمن، تحولوا إلى أهداف مستباحة للطيران والتقنيات العسكرية المتقدمة، دون أن تتمكن إيران من تقديم أكثر من الخطابات الرنانة والوعيد الذي لا يسمن ولا يغني من جوع. هذا الفشل الذريع أدى بالضرورة إلى تحطم الخرافات الأيديولوجية التي قامت عليها هذه الحركات، خاصة ما يتعلق بـ "النصر الإلهي" وعودة "المهدي المنتظر" لخوض المعارك الكبرى. لقد رأى العوام والمؤيدون كيف أن هذه القيادات التي تتاجر بالدين والخوارق تساق إلى حتوفها أو تختبئ في الخنادق، مما أحدث شرخاً عميقاً في الوجدان الجمعي للشيعة المسيسين الذين أدركوا أنهم كانوا وقوداً لمشروع سياسي توسعي لا علاقة له بالسماء.
وعلى الصعيد الفلسطيني، فقد أطلقت حماس برعونتها رصاصة الرحمة على ما كان يُسمى "خرافة الدولة الفلسطينية". إن المشاهد المروعة للإرهاب التي رافقت السابع من أكتوبر، وتغلغل الفكر المتطرف في النسيج المجتمعي والسياسي الفلسطيني، أقنعت المجتمع الدولي والقوى العظمى بأن قيام دولة فلسطينية سيكون بمثابة إنشاء قاعدة إرهابية كبرى تهدد أمن العالم واستقرار الممرات المائية والاقتصاد العالمي. لقد ترسخت القناعة بأن هذا الشعب، بقياداته الحالية وثقافته السياسية المشبعة بالتحريض، لا يستحق ولا يملك المؤهلات لبناء دولة ذات سيادة وجيش وموارد، لأنها ستتحول فوراً إلى أداة بيد القوى التخريبية. التطبيل الإعلامي الذي نراه اليوم في بعض العواصم ليس سوى ضجيج جنائزي لفكرة ماتت واقعياً على أرض غزة، حيث تحولت أحلام السيادة إلى ركام بفعل قرارات طائشة اتخذتها حفنة من الإرهابيين المرتهنين للخارج.
وفي السياق الأوسع، يمثل هذا الانهيار نهاية حقبة الإسلام كإيديولوجيا تستهدف الحكم والسلطة. لقد أثبتت تجربة حماس في غزة، وقبلها الإخوان المسلمون في دول أخرى، أن وصول هذه الجماعات إلى السلطة لا ينتج سوى الدمار والفقر والحروب العبثية. إن الفشل الذريع لمشروع حماس هو إعلان صريح عن انتهاء صلاحية الإسلام السياسي كبديل لأنظمة الحكم الحديثة. العالم اليوم بات يرى بوضوح أن هذه الحركات لا تملك مشروعاً للبناء، بل هي مجرد أدوات للهدم والتوسع القائم على تأويلات دينية متطرفة. ومع مسح حماس وحزب الله من الخارطة التأثيرية، يطوي التاريخ صفحة سوداء من استغلال الدين في الصراعات الجيوسياسية، لتبدأ مرحلة جديدة يسود فيها منطق الدولة الوطنية والمصالح المشتركة بعيداً عن أوهام الخلافة أو التمدد المذهبي الذي أهلك الحرث والنسل في المنطقة.
إن هذه النتائج التي نراها اليوم ليست سوى البداية لتصحيح مسار تاريخي انحرف لسنوات بسبب التهاون مع الإرهاب والميليشيات. لقد أدركت الدول العربية المركزية والقوى العالمية أن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق بوجود بؤر سرطانية مثل حماس والحوثيين والميليشيات الشيعية. لذا، فإن العمليات العسكرية المستمرة ليست مجرد رد فعل، بل هي عملية جراحية لاستئصال هذا الفكر من الجذور. النهاية الحتمية لهذا المسار هي شرق أوسط خالٍ من الأوهام الأيديولوجية، حيث تُدفن خرافات النصر الإلهي تحت أنقاض المخابئ والمقرات التي كانت تُحاك فيها المؤامرات ضد الإنسانية والحضارة. لقد كان "طوفان الأقصى" أحمقاً بما يكفي ليدمر كل ما بناه أعداء السلام في نصف قرن، وليثبت للعالم أن الإرهاب مهما تستر بالدين أو القضية، فإن مصيره المحتوم هو السحق تحت أقدام الحقيقة والواقع.




.

مسرحية الخلق والتمرد: تفكيك العقدة المنطقية في السردية الإبراهيمية (مقال)

.


.
مسرحية الخلق والتمرد: تفكيك العقدة المنطقية في السردية الإبراهيمية




تمثل قصة الخلق الأولى في الفكرين المسيحي والإسلامي حجر الزاوية الذي قامت عليه المنظومات الأخلاقية واللاهوتية لقرون طويلة، وهي ليست مجرد حكاية عن بدايات الجنس البشري، بل هي "دراما كونية" تتداخل فيها مفاهيم العلم الإلهي، والإرادة الحرة، ومعضلة الشر. عند إخضاع هذه السردية للتحليل المنطقي العقلاني، نجد أننا أمام "مسرحية" محكمة النسج من حيث البناء الدرامي، لكنها تثير تساؤلات وجودية عميقة حول عدالة "المخرج" وحرية "الممثلين". تبدأ الإشكالية من تعريف الإله في هذه المنظومات، فهو الكائن كلي العلم، كلي القدرة، والكلي الصلاح، وهذا التوصيف الثلاثي هو المحرك الأساسي لكل التناقضات المنطقية التي تظهر عند تتبع مسار الصراع بين الله وإبليس من جهة، وبين الإنسان ومصيره من جهة أخرى.
في البدء، يقدم لنا النص الديني مشهداً يتسم بالكمال المطلق، حيث الذات الإلهية توجد في فراغ وجودي قبل خلق الزمان والمكان، ثم تقرر هذه الذات خلق كائنات ذات إرادة. هنا يبرز السؤال المنطقي الأول: إذا كان الله كلي العلم، فإنه بالضرورة يعرف "مآل" كل ذرة يخلقها قبل أن يخلقها. في اللحظة التي قرر فيها الخالق تصميم كائن مثل "إبليس"، كان شريط الأحداث المستقبلي مكشوفاً أمامه بكل تفاصيله. هو يعلم أن هذا الكائن سيمتنع عن السجود لآدم، ويعلم أن هذا الامتناع سيؤدي إلى طرده من الرحمة، ويعلم أن هذا المطرود سيتحول إلى "غاوٍ" للبشرية. بناءً على هذا العلم المسبق الذي لا يخطئ، يصبح فعل الخلق نفسه هو "فعل التحديد" للمصير. إن فكرة أن إبليس "اختار" التمرد تصطدم بجدار العلم الإلهي؛ فلو كان بإمكان إبليس أن يختار عدم التمرد، لكان علم الله عنه بأنه سيتمرد علماً خاطئاً، وهذا ينفي صفة الكمال عن الإله. وإذا كان من المحتم على إبليس أن يتمرد لكي يصدق علم الله، فإن "الاختيار" هنا ليس إلا وهماً، وإبليس في الحقيقة ليس إلا أداة وظيفية تم تصميمها لتلعب دور "الشرير" الضروري لانطلاق الأحداث.
تنتقل المسرحية إلى الفصل الثاني وهو خلق آدم وحواء. في المنظور الإسلامي، يُخلق آدم من طين، وفي المسيحية يُخلق على صورة الله ومثاله، لكن في الحالتين، يوضع هذا الكائن الغض في بيئة اختبارية تسمى "الجنة". يضع الخالق قانوناً واحداً بسيطاً: عدم الأكل من شجرة معينة. وهنا تبرز المفارقة المنطقية الكبرى؛ لماذا يضع إله كامل الغنى والقدرة شجرة "محرمة" في طريق كائن صممه هو نفسه بفضول فطري ونقص معرفي؟ إن وضع الشجرة في الجنة، مع العلم المسبق بأن آدم سيأكل منها، يشبه إلى حد بعيد وضع قطعة لحم أمام جائع ثم معاقبته لأنه أكلها. التفسير اللاهوتي التقليدي يقول إن هذا "اختبار" للإرادة، لكن المنطق العقلاني يسأل: لمن هذا الاختبار؟ الله لا يحتاج للاختبار ليعرف النتيجة، فهو يعرفها سلفاً. إذن، الاختبار هو عملية "إخراجية" لإظهار النتيجة للعلن، مما يجعل المعاناة البشرية اللاحقة مجرد نتيجة لترتيبات مسبقة وضعها الخالق نفسه.
يظهر إبليس في هذا المشهد ليس كعدو متسلل، بل كجزء من الخطة. ففي عالم يحكمه إله كلي القدرة، لا يمكن لشيطان أن يدخل الجنة أو يوسوس لآدم إلا بإذن أو غض طرف إلهي. هذا يقودنا إلى استنتاج أن هناك "تواطؤاً وجودياً" غير معلن. الله يريد لآدم أن يسقط لكي تبدأ رحلة الاستخلاف في الأرض (في الإسلام) أو لتبدأ رحلة الخلاص (في المسيحية). لولا "غواية" إبليس، لبقي آدم في حالة من السكون البدائي في الجنة، ولما ظهرت الحضارة، ولما كان هناك معنى للرسالات والأنبياء. إذن، إبليس هو "المحفز" المأجور الذي يقوم بالعمل القذر الذي تطلبه الخطة الإلهية. ومع ذلك، يتم تصوير إبليس كملعون ومطرود، ويتم تصوير آدم كمذنب يحتاج للتوبة أو الفداء. هذا التناقض يضرب مفهوم "العدالة الإلهية" في مقتل؛ إذ كيف يعاقب الخالق أدواته على تنفيذ الخطة التي رسمها هو بنفسه؟
علاوة على ذلك، فإن طبيعة العقوبة التي تلت "السقوط" تثير إشكاليات أخلاقية عميقة. في المسيحية، نجد مفهوم "الخطيئة الجدية" أو الأصلية، حيث يرث كل إنسان يولد وصمة عار بسبب فعل قام به أبوه الأول. من الناحية المنطقية، هذا يتنافى مع أبسط قواعد العدالة؛ فالذنب فعل شخصي لا يُورث بيولوجياً. أما في الإسلام، فرغم أن النص ينفي وراثة الذنب، إلا أن "النتيجة" واحدة، وهي خروج البشرية جمعاء من النعيم إلى دار الكد والتعب بسبب خطأ فردي. لماذا يتحمل المليارات من البشر تبعات قرار اتخذه كائن لم يستشرهم في وجودهم أصلاً؟ وإذا كان الله قد غفر لآدم، فلماذا لم يعده إلى الجنة فوراً؟ الجواب المنطقي هو أن "الخروج" كان هو الغاية الأصلية، وما قصة الشجرة والإغواء إلا "تبرير درامي" لتفسير وجود الإنسان في عالم مليء بالألم والموت.
بالانتقال إلى شخصية إبليس، نجد أن تمرده يطرح سؤالاً حول "عدالة التصميم". إذا كان إبليس قد خُلق من نار (كما في الإسلام) أو كان ملاكاً منيراً (كما في المسيحية)، فإن طبيعته التي جُبل عليها هي التي أدت به إلى الكبر. هل يملك المخلوق أن يغير جوهره الذي وضعه الخالق فيه؟ إذا كان الله قد وضع في إبليس بذور الاعتزاز بالذات أو "الأنا" الطاغية، فمن المسؤول عن النتيجة؟ إن لوم إبليس على كبره يشبه لوم النار لأنها تحرق أو لوم العقرب لأنه يلدغ. المنطق يقول إن المسؤولية تقع على عاتق "المصمم" الذي وضع هذه الخصائص في الكائن وهو يعلم أنها ستؤدي حتماً إلى الصدام. بل إن إبليس في السردية الدينية يبدو وكأنه "موظف" مخلص في نهاية المطاف؛ فهو يقسم بعزة الله أنه سيغوي البشر، والله يمنحه "التفرغ" والوقت والمساحة للقيام بذلك. هذا "التعاقد" بين الله وإبليس يجعل من الشيطان شريكاً في الإدارة الإلهية للكون، حيث يتولى الشيطان مهمة تصفية البشر واختبار معادنهم، وهو دور لا يمكن وصفه إلا بأنه جزء من "السياسة الإلهية".
أما فيما يخص الإنسان، فإن المسرحية تضعه في موقف سيزيفي. هو مطالب بمحاربة "عدو" (إبليس) يراه ولا يراه، ويملك قدرات خارقة للوسوسة والتأثير، بينما الإنسان كائن ضعيف، محدود الإدراك، ومحكوم بغرائزه. ثم يُطلب من هذا الإنسان أن ينتصر في هذا الصراع غير المتكافئ، وتحت تهديد "العذاب الأبدي". من المنظور المنطقي، تبدو هذه المعادلة فاقدة للتوازن؛ فالمنافسة بين شيطان خالد وخبير وبين إنسان فانٍ وجاهل هي منافسة "مغشوشة" منذ البداية. وإذا كان الله يتدخل أحياناً بإرسال الأنبياء، فإنه يترك المجال واسعاً للشيطان ليفسد هذه الرسالات ويحرفها، مما يعيدنا إلى فكرة أن الغرض ليس "النجاة" بل "الغربلة" المستمرة التي لا تنتهي إلا بجحيم يملأه الله من الجنة والناس أجمعين.
إن القيمة الأخلاقية التي يُفترض أن نتعلمها من هذه القصة تصطدم دائماً بحائط "العبثية". فإذا كان الإنسان مجرد قطعة شطرنج في صراع كوني بين الله والشيطان، فأين تكمن كرامته؟ الأديان تحاول الالتفاف على ذلك بالقول إن "الحكمة الإلهية" تفوق الإدراك البشري، ولكن هذا الهروب من التفسير المنطقي هو اعتراف بوجود خلل في السردية لا يمكن حله بالعقل. إن استخدام حجة "غموض الحكمة" هو الملاذ الأخير لكل منظومة لاهوتية تعجز عن تبرير التناقض بين رحمة الله المزعومة وبين تصميمه لكون يقوم على المعاناة والابتلاء والتهديد بالاحتراق.
في الختام، يمكن القول إن مسرحية الخلق والتمرد هي إسقاط بشري بامتياز؛ فالإنسان القديم الذي كان يجهل قوانين الطبيعة وأسباب المعاناة، اخترع هذه "الدراما" لكي يعطي معنى لوجوده المأساوي. صور الله كملك عظيم يطالب بالطاعة المطلقة، وصور الشيطان كوزير متمرد يبرر وجود الشر، وصور نفسه كضحية لهذا الصراع ومركز له في آن واحد. لكن عند النظر إليها بعين العصر، وبأدوات المنطق الصارم، تظهر هذه السردية كخرافة تتناقض مع أبسط مفاهيم العدالة والاتساق العلمي. إن الإله الذي يحتاج للتآمر مع شيطان ليختبر طاعة إنسان هو إله يعكس قصور الخيال البشري في ذلك الوقت، وليس كائناً كلي الكمال. إن الحقيقة التي يثبتها المنطق والعلم هي أن الإنسان نتيجة لتطور طبيعي طويل، وأن الأخلاق هي عقد اجتماعي لحماية البقاء، أما إبليس وآدم والجنة المفقودة، فليست إلا رموزاً في "رواية" طال أمد تصديقها، وحان الوقت لقرائتها كنص أدبي يعبر عن قلق الإنسان البدائي تجاه كونه المجهول، لا كحقائق بيولوجية أو تاريخية تحكم مصيرنا الوجودي.



.

وهم الخلاص الشمولي: قراءة نقدية في تقاطعات المشاريع القومية والشيوعية والإسلامية (مقال)

.


.
وهم الخلاص الشمولي: قراءة نقدية في تقاطعات المشاريع القومية والشيوعية والإسلامية




يمثل القرن العشرون في المنطقة العربية والشرق الأوسط ساحة صراع كبرى بين أيديولوجيات كليانية، وعدت الشعوب بالنهضة والتحرر والعدالة، لكنها انتهت في أغلب تجلياتها إلى بناء أنظمة استبدادية حطمت الفرد وصادرت الحريات وأهدرت المقدرات الاقتصادية. وفي قلب هذا المشهد، يبرز المشروع القومي الناصري كنموذج محوري، تشابك في بنيته العميقة مع المشروعين الشيوعي والإسلامي، رغم ما يبدو على السطح من عداء مستعر بينها. إن التدقيق في هذه المشاريع الثلاثة يكشف أنها جميعاً تنتمي إلى عائلة واحدة من "الأيديولوجيات الشمولية" التي تقوم على نفي التعددية، وتقديس الزعيم أو التنظيم، والعداء الصريح لمنظومة القيم الليبرالية والعلمانية التي تضع الفرد وحقوقه في مركز الدولة.
بدأ المشروع القومي الناصري، الذي قاده جمال عبد الناصر، كحركة عسكرية انقلبت على نظام ملكي كان يمتلك بذوراً لليبرالية وتعددية سياسية واعدة. وبالرغم من أن ناصر حاول تصوير مشروعه كبديل أصيل نابع من تربة المنطقة، إلا أن أدواته في الحكم كانت مستقاة من رحم التنظيمات السرية الإخوانية والشمولية الستالينية. فالمشروع القومي الناصري اعتمد في جوهره على "تأميم" كل شيء، بدءاً من المصانع والشركات وصولاً إلى العقول والدين. وهذا التأميم هو النقطة المركزية التي يلتقي فيها مع المشروع الشيوعي، حيث يتم إلغاء الملكية الخاصة واعتبارها شراً يجب استئصاله لصالح "الجماعة" أو "الدولة". وفي الحقيقة، فإن انتزاع ممتلكات الأجانب واليهود والمصريين الناجحين في عهد ناصر لم يكن مجرد إجراء اقتصادي، بل كان عملية "نهب منظم" باسم القومية، تشبه تماماً ما قامت به البلشفية في روسيا باسم البروليتاريا. والنتيجة في الحالتين كانت واحدة: تدمير الحوافز الفردية، وهرب العقول، وتحويل الاقتصاد إلى جهاز بيروقراطي متهالك يخدم بقاء السلطة لا رفاهية المجتمع.
أما التقاطع بين المشروع الناصري والمشروع الإسلامي، فهو الأشد خطورة والأكثر تعقيداً، خاصة وأن ناصر نفسه خرج من عباءة الإخوان المسلمين وبايع تنظيمهم سرياً قبل وصوله للحكم. إن المشروع الإسلامي يطمح إلى "الحاكمية" وإقامة دولة الخلافة التي تذيب الحدود الوطنية لصالح "الأمة الإسلامية"، وهو تماماً ما حاول ناصر فعله عبر "القومية العربية" التي كانت تسعى لإذابة الهويات المحلية والوطنية لصالح هوية عروبية قسرية. كلا المشروعين ينظر إلى الدولة كأداة للهيمنة الأيديولوجية وليس كعقد اجتماعي بين مواطنين متساويين. وعندما قام ناصر بتأميم الأزهر وجعله جزءاً من جهاز الدولة الأمني، فإنه لم يحارب الفكر الإخواني، بل قام بـ "أخونة الدولة" من الداخل، حيث أصبح الحاكم هو المرشد الأعلى الذي يقرر ماهية الدين الصحيح، وهو النموذج الذي نراه اليوم بوضوح في النظام الإيراني الذي يمزج بين القبضة العسكرية والغطاء الديني الشمولي.
إن المشاريع الثلاثة تشترك في عدائها الجذري للعلمانية الليبرالية. فالعلمانية التي تفصل بين الدين والدولة وتضمن حرية الاعتقاد والضمير، تُعتبر في نظر القومي والشيوعي والإسلامي "مؤامرة غربية" تهدف لتفتيت وحدة الأمة أو الطبقة. هذا العداء المشترك أدى إلى تجريف الحياة السياسية في المنطقة، حيث تم قمع الأحزاب الليبرالية، وإغلاق الصحف المستقلة، وتحويل الجامعات من مراكز للبحث والنقد إلى ثكنات للتلقين الأيديولوجي. وفي ظل هذا المناخ، تحول "المواطن" إلى "رعية" في دولة ناصر، و"رفيق" في الدولة الشيوعية، و"تابع" في المشروع الإسلامي، بينما غاب مفهوم الإنسان الحر الذي يمتلك الحق في معارضة السلطة أو التمسك بملكيته وفكره الخاص. إن "تدمير العقل" الذي مارسه ناصر عبر أجهزة البروباغندا مثل "صوت العرب"، هو ذاته المنهج الذي تتبعه التنظيمات الإسلامية في غسل أدمغة الأتباع بأوهام الانتصارات الإلهية والوعود الميتافيزيقية.
وعند النظر إلى مآلات هذه المشاريع، نجد أن المشروع القومي الناصري انتهى بكارثة عسكرية واقتصادية في عام ألف وتسعمئة وسبعة وستين، وهي الهزيمة التي كشفت زيف الوعود القومية بـ "رمي اليهود في البحر" وتحرير فلسطين. هذه الصدمة لم تقد الناس نحو الليبرالية، بل دفعتهم نحو "المشروع الإسلامي" الذي قدم نفسه كبديل "للهزيمة التي سببتها العلمانية المزعومة لنظام ناصر". والحقيقة أن نظام ناصر لم يكن علمانياً قط، بل كان نظاماً "ثيوقراطياً عسكرياً" استخدم الدين لشرعنة الاستبداد. ومن هنا، فإن الفشل الناصري كان هو الوقود الذي أحيا طموحات الجماعات الإرهابية، حيث وجد الشباب الذين تربوا على أدبيات "البطل المنقذ" والسمع والطاعة في التنظيم الإخواني ملاذاً جديداً يعوضهم عن انكسار الحلم القومي.
المشروع الشيوعي بدوره، الذي حاول التغلغل في المنطقة عبر بوابة العداء للاستعمار، سقط عالمياً بسقوط جدار برلين، لكن إرثه في الإدارة المركزية القمعية لا يزال حياً في بنية الأنظمة التي استلهمت نموذج "الحزب الواحد" والسيطرة الكاملة للدولة على مصادر الرزق. إن التشابه بين ستالين وناصر وصدام حسين يكمن في تأليه الشخصية وتحويل الدولة إلى غاية في حد ذاتها، حيث يتم التضحية بملايين البشر من أجل أهداف أيديولوجية وهمية. هؤلاء المستبدون الحمقى دمروا البنى التحتية والمجتمعية لبلادهم تحت شعارات الصمود والتصدي، بينما كان الواقع هو الفقر والقمع والتبعية للدول الكبرى. إن المشروع القومي، تماماً مثل الشيوعي والإسلامي، هو مشروع "ضد التاريخ" لأنه يتجاهل أهم حقيقة في الوجود البشري وهي "التنوع" وضرورة التنافس الحر في الأفكار والاقتصاد.
لقد قامت هذه المشاريع الثلاثة على فكرة "الإقصاء"؛ فالقومي أقصى كل من ليس عربياً (بما في ذلك الأقليات التاريخية واليهود والأجانب الذين كانوا جزءاً من نسيج المنطقة)، والإسلامي يقصي كل من ليس مسلماً أو من يخالف فهمه للدين، والشيوعي يقصي كل من يمتلك رأساً للمال أو فكراً مستقلاً. هذا الإقصاء أدى إلى هجرة العقول والأموال، وتحولت المدن الكوزموبوليتانية مثل القاهرة والإسكندرية وبغداد من مراكز حضارية عالمية إلى مدن منغلقة ومتهالكة. إن عملية السرقة التي تمت باسم القومية وتأميم الممتلكات كانت الضربة القاضية للاقتصاد الحر، حيث تم تسليم إدارة الشركات لضباط جيش أو بيروقراطيين لا يفقهون في لغة السوق، مما أنتج فساداً مؤسسياً لا تزال المنطقة تعاني منه حتى اليوم.
إن البديل الحقيقي والوحيد الذي تم محاربته بضراوة من قبل هذه التيارات الثلاثة هو "الدولة العلمانية الديمقراطية الليبرالية". إنها الدولة التي لا تتبنى ديناً ولا أيديولوجيا، بل تحمي حق الجميع في ممارسة قناعاتهم. هي الدولة التي تقدس الملكية الخاصة وتعتبرها امتداداً لحرية الفرد وكرامته. إن الفرق بين مشروع ناصر والمشروع الليبرالي هو الفرق بين "القطيع" و"المواطن". ففي المشروع الليبرالي، الدولة هي خادم للمجتمع ومدير للعقد الاجتماعي، بينما في المشاريع القومية والإسلامية والشيوعية، المجتمع هو خادم للدولة والأيديولوجيا. إن الفشل الذريع الذي نراه اليوم في الدول التي تبنت هذه الشعارات هو أكبر دليل على أن العقل العربي قد تم تضليله لعقود عبر سلسلة من الأكاذيب الأيديولوجية التي كانت تهدف فقط لتمكين طبقة معينة من السلطة.
في الختام، يظهر جمال عبد الناصر في هذا التحليل ليس كبطل للتحرر الوطني، بل كقنطرة عبرت عليها الشمولية الإخوانية والستالينية لتستقر في قلب الدولة. إن ناصر الذي بايع الإخوان واعتمد أساليبهم في التنظيم، هو الذي مهد الطريق لكل الكوارث اللاحقة عبر تحطيم العقل النقدي وتأميم الدين والممتلكات. إن المقارنة بين المشروع القومي والشيوعي والإسلامي تكشف أنها وجوه لعملة واحدة هي "الاستبداد المطلق". إن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب اعترافاً شجاعاً بأن هذه المشاريع قد سقطت ولن تعود، وأن الطريق الوحيد لبناء حضارة حقيقية يمر عبر احترام الفرد، وفصل الدين عن السياسة فصلاً تاماً، وإقامة ديمقراطية ليبرالية تضمن تداول السلطة وسيادة القانون فوق الجميع، بعيداً عن أوهام القومية وسراب الخلافة وجحيم الشمولية. إن "تأميم العقل" كان الخطيئة الناصرية الكبرى، وتحرير هذا العقل هو الخطوة الأولى نحو المستقبل.




.

جمال عبد الناصر الإخوانجي: تحليل بنيوي في ضوء أدبيات التنظيم الإرهابي (مقال)

.


.
جمال عبد الناصر الإخوانجي: تحليل بنيوي في ضوء أدبيات التنظيم الإرهابي




يظل التاريخ الرسمي في المنطقة العربية، وخاصة المصري منه، أسيراً لسردية عاطفية رسمتها أجهزة الدعاية الناصرية لعقود، وهي سردية حاولت بشتى الطرق تصوير جمال عبد الناصر كالنقيض الوجودي لجماعة الإخوان المسلمين. غير أن القراءة العميقة والمجردة للمسار السياسي لعبد الناصر، بعيداً عن صخب الأناشيد القومية، تكشف عن حقيقة أكثر تعقيداً وخطورة، وهي أن ناصر لم يكن مجرد عسكري استهواه العمل السياسي، بل كان ابناً باراً لأدبيات تنظيم الإخوان المسلمين، ومنفذاً أميناً لمنهجهم الشمولي، حتى وإن اصطدم برؤوس التنظيم لاحقاً في صراع محموم على السلطة المطلقة. إن تحليل شخصية ناصر من خلال أدبيات التنظيم الإرهابي يكشف لنا أننا لم نكن أمام مشروعين متناقضين، بل أمام "إخوانية عسكرية" نجحت في تأميم الدولة والمجتمع والدين، محققةً ما عجز عن تحقيقه حسن البنا وسيد قطب عبر العمل التنظيمي الصرف.
بدأت العلاقة بين جمال عبد الناصر وتنظيم الإخوان المسلمين في أربعينيات القرن الماضي، وهي فترة التكوين التي صاغت وعيه السياسي. لم يكن ناصر غريباً عن أروقة التنظيم، بل كان عضواً فاعلاً ومبايعاً في "النظام الخاص"، وهو الجناح العسكري السري الذي أسسه حسن البنا للقيام بأعمال الاغتيال والإرهاب. إن يمين الولاء الذي أداه ناصر في تلك الغرف المظلمة لم يكن مجرد طقس عابر، بل كان انصهاراً في فلسفة "السمع والطاعة" و"الحاكمية" التي تقوم عليها أدبيات الإخوان. هذه الخلفية تفسر بوضوح لماذا اعتمد ناصر، بعد استيلائه على السلطة في عام ألف وتسعمئة واثنين وخمسين، على منهجية "الخلية السرية" في إدارة الدولة، حيث تحولت مصر من مملكة ذات تعددية سياسية وحزبية وجالية دولية متنوعة، إلى ضيعة مغلقة تخضع لرقابة الأجهزة الأمنية التي استنسخت أساليب "النظام الخاص" في القمع والتصفية.
إن الجريمة الكبرى التي ارتكبها ناصر، والتي تتسق تماماً مع أدبيات الإخوان، هي عملية تدمير "العقل المصري" عبر القضاء على التعددية تحت ستار القومية. لقد كان المشروع الإخواني يطمح دوماً لصبغ المجتمع بصبغة واحدة وإلغاء "الآخر"، وهو ما نفذه ناصر ببراعة فائقة حين أقدم على تأميم المؤسسات والممتلكات. هذه العملية لم تكن مجرد إجراءات اقتصادية اشتراكية كما رُوّج لها، بل كانت عملية "سرقة مقننة" استهدفت انتزاع ممتلكات الأجانب واليهود والمصريين الليبراليين، وتفكيك الطبقة الوسطى التي كانت تشكل صمام الأمان ضد التطرف. إن طرد الجاليات الأجنبية وتصفية الوجود اليهودي في مصر لم يكن فعلاً وطنياً، بل كان تجسيداً للفكر الإخواني الإقصائي الذي يرى في "الآخر" عدواً يجب استئصاله لتستقيم "جماعة المؤمنين" أو في حالة ناصر "جماعة القوميين". بهذه الخطوة، حوّل ناصر مصر من مركز كوزموبوليتاني منفتح على العالم إلى ثكنة عسكرية منغلقة، تسودها لغة الكراهية والتحريض ضد كل ما هو غير "عربي مسلم" وفق تعريفه الضيق.
وفيما يخص "تأميم الدين"، فإن ما قام به ناصر تجاه الجامع الأزهر في عام ألف وتسعمئة وواحد وستين يعتبر التطبيق الأكمل لفكرة "المرشد" ولكن بزي عسكري. إن أدبيات الإخوان المسلمين تقوم على فكرة شمولية الإسلام ليكون هو الدولة والدولة هي هو، وناصر بتذويبه للأزهر وجعله مجرد إدارة حكومية تابعة لرئاسة الجمهورية، حقق جوهر هذا المطلب. لقد أراد ناصر أن يكون هو "الإمام" الذي يحدد للناس ما هو الحلال وما هو الحرام سياسياً، تماماً كما تفعل ولاية الفقيه في النموذج الإيراني لاحقاً أو كما يطمح مرشد الإخوان. هذا الإلحاق القسري للمؤسسة الدينية بجهاز الدولة أدى إلى "تغول الأزهر" بمرور الوقت، حيث منحته الدولة سلطة معنوية وسياسية هائلة في مقابل ولائه للزعيم، مما خلق وعياً مشوهاً لدى الجماهير يمزج بين القداسة الدينية والديكتاتورية العسكرية. إن هذا التشويه هو الذي غرس بذور التطرف التي حصدناها لاحقاً، فالعقل الذي اعتاد على السمع والطاعة لـ "القائد الملهم" هو نفس العقل الذي استسلم بسهولة لـ "الداعية المتطرف".
أما خطاب "رمي اليهود في البحر" وتغذية أوهام الجماهير، فهو صدى مباشر للخطابة الإخوانية الحماسية التي تستبدل الواقع بالعواطف الجياشة. لقد دمر ناصر ملكة النقد لدى المصريين عبر آلة إعلامية ضخمة كانت تبث الأكاذيب والوعود الزائفة بالانتصار والتحرر، بينما كان الواقع يشير إلى تآكل بنية الدولة واقتصادها. إن التماهي بين ناصر وصدام حسين في هذا السياق يوضح أننا أمام مدرسة واحدة في "الديكتاتورية الحمقاء" التي تستخدم الشعارات القومية والدينية لتغطية الفشل العسكري والسياسي. فالمشروع القومي العربي، كما صاغه ناصر، لم يكن إلا "أيديولوجيا احتلال" بديلة، حاولت فرض هوية قسرية على شعوب المنطقة وتجاهلت التنوع الثقافي والتاريخي، تماماً كما تحاول المشاريع الإسلاموية فرض خلافة متخيلة لا تعترف بالحدود أو الخصوصيات الوطنية. إن الاعتماد على اللغة أو الدين كأدوات وحيدة للانتماء، مع إهمال قيم المواطنة والليبرالية، جعل من هذه المشاريع مجرد أوهام ساقطة أدت في النهاية إلى كوارث كبرى، كان أكبرها نكسة يونيو عام ألف وتسعمئة وسبعة وستين.
إن الصراع الذي نشب بين ناصر والإخوان لم يكن صراعاً بين مشروع حداثي ومشروع ظلامي، بل كان صراعاً على "حق الامتياز" في قيادة القطيع. لقد أدرك ناصر أن وجود تنظيم الإخوان كقوة مستقلة سيزاحمه في سلطته المطلقة، فقرر تصفيتهم جسدياً وتنظيمياً، ليس حباً في العلمانية، بل حمايةً لعرشه. وفي الوقت الذي كان يسجن فيه قيادات الإخوان، كان يطبق برامجهم التعليمية والاجتماعية التي تزرع في الأطفال روح الاستشهاد والعداء للغرب والديمقراطية. إن تدمير العقول بدأ من المدرسة التي أصبحت تخرج أجيالاً تؤمن بأن القائد لا يخطئ وأن المؤامرات الخارجية هي السبب الوحيد لكل فشل محلي. هذه "الإخوانية المستترة" في نظام ناصر هي التي جعلت المجتمع المصري، بعد وفاته، يميل بشدة نحو التيارات الإسلامية، لأن ناصر كان قد أفرغ الساحة من أي بديل ليبرالي أو علماني حقيقي، وترك الناس بعقول مهيأة تماماً لتقبل خطاب "الإسلام هو الحل" بعد أن فشل خطاب "القومية هي الحل".
لقد كانت الدولة في العصر الملكي، رغم عيوبها، تمتلك بذور "دولة القانون" والتعددية، وكانت الملكية الفردية مصانة، والجامعات مراكز للتنوير الحقيقي. جاء ناصر ليقتلع هذه البذور باسم "الثورة"، فكان ما فعله هو عملية "نهب منظم" لمقدرات البلاد تحت شعارات براقة. إن تأميم الممتلكات والشركات لم يذهب لصالح "الفقراء" كما ادعى، بل ذهب لصالح طبقة جديدة من "البيروقراطية العسكرية" التي أدارت هذه المؤسسات بعقلية التنظيم السري، مما أدى إلى انهيار الإنتاج وهرب الكفاءات. إن رحيل الجاليات اليونانية والإيطالية واليهودية والمصرية الليبرالية لم يكن مجرد خسارة اقتصادية، بل كان "إخصاءً ثقافياً" لمصر، حيث جُففت منابع التنوع والجمال والإبداع، وحل محلها القبح المعماري والفكري الذي نراه اليوم. إن هذا التدمير الممنهج هو الذي مهد الطريق للدولة الأمنية الشمولية التي نراها في نماذج صدام حسين وغيره، حيث يصبح الوطن مجرد سجن كبير، والمواطنون مجرد رهائن لأوهام الحاكم.
ختاماً، لا يمكن فهم كارثة جمال عبد الناصر إلا باعتبارها قمة التجلّي للفكر الإخواني في ثوب عسكري. إن "الديكتاتور الأحمق" الذي دمر اقتصاد مصر ومزق نسيجها الاجتماعي، لم يكن إلا منفذاً لأدبيات التنظيم الإرهابي في إقصاء الآخر وتأمين السلطة بالقوة وتزييف الوعي الجماهيري. إن المشاريع الشمولية، سواء كانت قومية أو شيوعية أو إسلامية، قد أثبتت فشلها الذريع لأنها تقوم على نفي الفرد وإلغاء العقل وتدمير الملكية الخاصة. إن المخرج الوحيد من هذه الدوامة التاريخية الكارثية ليس بالعودة إلى أوهام ناصر أو الشعارات الدينية، بل في التبني الصريح والشجاع للدولة العلمانية الديمقراطية الليبرالية؛ تلك الدولة التي تفصل الدين عن الدولة فصلاً كاملاً، وتحمي حقوق الأفراد وممتلكاتهم بقوة القانون، وتؤسس لمواطنة حقيقية لا تفرق بين البشر على أساس العرق أو اللغة أو المعتقد. إن استمرار تقديس ناصر أو محاولة تصويره كبطل قومي هو استمرار في ذات التيه الذي أضاع عقول الأمة لعقود، وحان الوقت لتسمية الأشياء بمسمياتها: ناصر كان "إخوانجياً" في المنهج والأدوات، وما حصدناه من خرابة كان النتيجة الحتمية لهذه الخلطة السامة بين العسكرة والأيديولوجيا الإقصائية.





.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...