Translate

خواطر هائم في عالم البهائم: (09) شعوب تحلم بالعسل من مؤخرة المهدي (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(09) شعوب تحلم بالعسل من مؤخرة المهدي




في زمنٍ باتتْ فيهِ الأحلامُ الجماعيةُ أشبهَ بنكاتٍ ثقيلةٍ يفهمُ مغزاها الجميعُ عدا منْ يرددونها، تبرزُ ظاهرةٌ غريبةٌ في العالمينِ العربي والإسلامي، وهيَ الانتظارُ المقدسُ لشخصيةٍ غيبيةٍ اسمها "المهدي المنتظر"، الذي سيأتي ليملأَ الأرضَ قسطاً وعدلاً بعدما مُلئتْ ظلماً وجوراً. لكنْ لوْ تأملنا هذا الانتظارَ بعينٍ ساخرةٍ قليلاً، لوجدنا أنَّ الأمرَ لا يختلفُ عنْ تلكَ الأمثالِ الشعبيةِ الساخرةِ التي ترددها الجداتُ في الحكايا، كمنْ ينتظرُ العسلَ منْ مؤخرةِ النملةِ أو الدبسَ منْ مؤخرةِ النمسِ أو السمنة من ورك النملة. الفرقُ الوحيدُ أنَّ الأولادَ يكبرونَ ويفهمونَ أنَّ النملَ لا يُنتجُ عسلاًولا سمنا وأنَّ النمسَ لا يُدرُّ دبساً، بينما يظلُّ بعضُ الكبارِ معلقينَ في سرابِ المهديِّ الذي لمْ يظهرْ منذْ قرونٍ، ولنْ يظهرَ أبداً لأنَّه مجردُ وهمٍ جميلٍ اخترعتهُ العقولُ لتبريرِ الفشلِ الذريعِ في إدارةِ الواقعِ.

المهديُ المنتظرُ في ثقافتنا أشبهُ ببطلِ مسرحيةِ "في انتظارِ غودو" لصامويل بيكيت، حيثُ يجلسُ شخصانِ على حافةِ طريقٍ ينتظرانِ قدومَ غودو الذي لا يأتي أبداً. لكنَّ الفرقَ الوحيدَ بينَ المسرحيةِ الأوروبيةِ العبثيةِ وبينَ واقعنا العبثيِّ أضعافاً هوَ أنَّ شخصياتِ بيكيت كانتْ تنتظرُ بلا هدفٍ ولا رسالةٍ ولا شعارات، بينما نحنُ ننتظرُ مهدياً يحملُ رايةَ الإسلامِ ويعدُنا بالعدلِ، لكنَّه يظلُّ متوارياً في سراديبِ المجاري الغيبيةِ منذُ أكثرَ منْ ألفِ عامٍ، تاركاً إيانا نتخبطُ في الظلمِ والفسادِ والدماءِ باسمِ انتظارهِ المقدسِ الذي تحولَ إلى مشروعِ تدميرٍ للحاضرِ باسمِ مستقبلٍ لنْ يأتي.

المضحكُ المبكي في هذهِ القصةِ هوَ أنَّ الشعوبَ التي تنتظرُ المهديَ هيَ نفسُها الشعوبُ التي ترفضُ أنْ تبنيَ دولةَ مؤسساتٍ أوْ أنْ تطورَ مجتمعاتها أوْ أنْ تجتهدَ في حلِّ مشاكلها الراهنة، مفضلةً أنْ ترميَ كلَّ أملها على كائنٍ خرافيٍّ سيحلُّ كلَّ شيءٍ بكبسةِ زرٍّ غيبيةٍ. وكأنَّ العالمَ سيتوقفُ عنِ الدورانِ حتى يحضرَ هذا المخلوقُ الأسطوريُّ ليوزعَ العدلَ كما يُوزعُ الحلوى في الأفراح. وكلما تعمقَ الفشلُ واشتدَّ الخرابُ، ازدادَ التمسكُ بهذا الوهمِ وكأنَّه شريانُ حياةٍ أخير، بدلاً منْ أنْ يكونَ عبئاً ثقيلاً يمنعُ أيَّ محاولةٍ للنهوضِ الفعليِّ.

الغريبُ في الأمرِ أنَّ الذينَ يستعدونَ للمهديِ يبنونَ لهُ الدولةَ في مخيلتهمْ قبلَ أنْ يبنوها لأبنائهم، ويجهزونَ لهُ الجيوشَ في أحلامهمْ بينما جيوشهمْ الحقيقيةُ تنهارُ أمامَ أولِ اختبارٍ جادٍ. إنهُ مثلُ منْ ينتظرُ أنْ تأتيهُ عربةُ الآيس كريمِ وهيَ تمرُّ منْ أمامِ بيتهِ دونَ أنْ يُخرجَ نقوداً منْ جيبهِ، ثمَّ يلومَ البائعَ لأنه لمْ يتوقفْ عندَ بابِه. وفي النهاية، لا المهديُ يأتي ولا العسلُ يخرجُ منْ مؤخرةِ النملِ، وتبقى الشعوبُ تترنحُ بينَ أملٍ زائفٍ ويأسٍ حقيقيٍّ، دونَ أنْ تدركَ أنَّ الخلاصَ الحقيقيَّ لا يأتي منْ سراديبِ الغيبِ بلْ منْ عقولِ البشرِ وأيديهم التي تزرعُ وتحصدُ وتُصلحُ وتدمرُ بإرادتِها لا بإرادةِ منتظرٍ لا يجيءُ.

إنَّها مسرحيةٌ عبثيةٌ بامتياز، نعيشُ أدوارنا فيها بحماسٍ زائدٍ ووعيٍ ناقص، نموتُ فيها أجيالٌ بعدَ أجيال، ويُخرَّبُ العالمُ بأكملهِ بسببِ تفاهةٍ اسمها "انتظارُ المخلصِ الغيبي"، بينما الحقيقةُ التي لا يقبلُها العقلُ الهشُّ هيَ أنَّ المخلصينَ الحقيقيينَ ليسوا أنبياءً ولا مهديينَ ولا أوصياءَ، بلْ همْ أولئكَ الذينَ يقررونَ أنْ يصنعوا عدلَهم بأيديهم وأنْ يبنوا وطنهم بسواعدهم، بعيداً عنْ خرافةِ "العسلِ منْ مؤخرةِ المهدي" التي لمْ تزدْ شعوبنا إلا إدماناً على كبتاغون الوهمِ وهروباً منَ المواجهةِ الحقيقيةِ معَ ذاتها ومعَ تاريخِها المليءِ بالإحباطاتِ التي ألبستْها عباءةَ الانتظارِ لتبريرِ كسلِها وعجزِها وفشلها وانحطاطها.




.

خواطر هائم في عالم البهائم: (08) بهائم الله وسيولة مفهوم العمالة (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(08) بهائم الله وسيولة مفهوم العمالة





في قاموسِ السياسةِ العربيةِ والإسلاميةِ، لا تخلو أيُّ جملةٍ من كلمةِ "عمالة" أو "خيانة" أو "تخوين"، وكأنَّ هذهِ المفرداتِ أصبحتْ جزءاً منَ الحمضِ النوويِّ للمنطقِ السياسيِّ الذي لا يستقيمُ إلا بإلقاءِ التهمِ جزافاً على كلِّ منْ يختلفُ معَكَ في الرأيِ أوِ المصالحِ. وإذا كانَ القرآنُ الكريمُ قدْ أرسى مفهومَ "النفاقِ" كصفةٍ دنيئةٍ لأولئكَ الذينَ يظهرونَ الإيمانَ ويبطنونَ الكفرَ، فإنَّ المسلمينَ لمْ ينتظروا طويلاً حتى حوّلوا هذا المفهومَ إلى سلاحٍ دمويٍّ يصوبونهُ في ظهورِ بعضهمْ بعضاً، فأصبحَ كلُّ منافقٍ يتهمُ الآخرَ بالنفاقِ حتى باتَ الجميعُ في دائرةِ اتهامٍ لا تنتهي، وكأنَّ النفاقَ صارَ أساساً منْ أساسياتِ الانتماءِ الدينيِّ لا استثناءً فيهِ. فالخليفةُ يتهمُ الصحابيَّ، والصحابيُّ يتهمُ التابعيَّ، والتابعيُّ يتهمُ منْ يليهِ، وهكذا دواليكَ في سلسلةِ تخوينٍ لا أولَ لها ولا آخرَ، إلى أنْ وصلَ الحالُ ببعضِ الفرقِ إلى اعتبارِ أنَّ أكثرَ منْ تسعينَ بالمئةِ منَ الأمةِ همْ منافقونَ لا يعرفونَ اللهَ حقَّ معرفتِهِ، وكأنَّ اللهَ قدْ خلقَ هذهِ الأمةَ لتكونَ مختبراً تجريبياً للنفاقِ قبلَ أيِّ شيءٍ آخرَ.

أما اليومَ، فقدْ تطوّرَ مفهومُ العمالةِ بشكلٍ لافتٍ معَ تطورِ وسائلِ الاتصالِ وصعودِ الأنظمةِ الشموليةِ في كثيرٍ منَ البلدانِ العربيةِ والإسلاميةِ. فالحاكمُ يتهمُ المعارضةَ بأنَّها عميلةٌ للغربِ أو لإسرائيلَ أو لأمريكا، والمعارضةُ تردُّ الصاعَ صاعينَ وتتهمُ الحاكمَ بأنَّه عميلٌ أيضاً، وكأنَّ اللعبةَ كلَّها تدورُ حولَ منْ هوَ الأكثرُ عمالةً لا حولَ منْ هوَ الأكثرُ كفاءةً في الحكمِ أو الأكثرَ حرصاً على مصالحِ الشعبِ. كلُّ طرفٍ يحملُ ملفاً منَ التهمِ ضدَّ الآخر، وكلاهما ينسى أنَّ التخوينَ المتبادلَ لا يخدمُ إلا استمرارَ حالةِ الفوضى السياسيةِ التي تجعلُ المواطنَ حائراً بينَ هذا العميلِ وذاك، وكأنَّ الخياراتِ كلَّها تنتهي عندَ بابِ "منْ يعملُ لمين". إنها بذلكَ تصبحُ لعبةً لا منتصرَ فيها سوى أولئكَ الذينَ ينجحونَ في إيهامِ الجماهيرِ بأنَّهم وحدهمَ الأنقياءُ منْ هذهِ اللوثةِ التي تصيبُ كلَّ منْ يتولى منصباً أوْ يملكُ رأياً مخالفاً.

والنموذجُ الأكثرُ عبقريةً في هذا الفضاءِ المليءِ بالتخوينِ هوَ "حزبُ اللهِ اللبنانيُّ" الذي يرفعُ شعاراتِ الولاءِ لإيرانِ ويثبتُ يومياً أنَّ مفهومَ العمالةِ عندهُ لا يختلفُ عنْ مفهومِ النفاقِ عندَ السلفِ، فها هوَ أمينُهُ العامُّ السابقُ يزعمُ أنهُ عميلٌ للخمينيِّ وأنَّ نظامَ الملاليِ الإيرانيَّ هوَ القائدُ المطلقُ لجميعِ قراراتِه، وفي الوقتِ نفسهِ يصفُ كلَّ معارضيهِ بأنَّهم عملاءُ إسرائيلَ وأمريكا، وكأنَّ العمالةَ صفةٌ تنحصرُ في الآخرينَ ولا يجوزُ أنْ تطولَ حزبَ اللهِ نفسه الذي يمارسُ العمالةَ بطريقةٍ فنيةٍ لا مثيلَ لها. لكنَّ الأطرفَ في السخريةِ هوَ أنْ يأتيَ موسادُ إسرائيلَ الذي يعتبرُهُ الحزبُ العدوَّ الأكبرَ، ويفضحَ كلَّ هذهِ الأقنعةِ في عمليةِ البيجرِ الشهيرةِ، حيثُ تبينَ أنَّ جزءاً كبيراً منْ عناصرِ الحزبِ وقادتِهِ كانوا يتعاملونَ معَ إسرائيلَ سراً، وأنَّ كثيراً منَ العملياتِ التي ضربتْ الحزبَ لمْ تكنْ لِتنجحَ لولا وجودُ أيادٍ داخليَّةٍ تعملُ لصالحِ العدوِّ، وهوَ ما جعلَ الحزبَ يسقطُ في فخِّ التهمةِ التي كانَ يرمي بها الآخرينَ دائماً، إذ أصبحَ هوَ نفسه نموذجاً للعمالةِ التي يتقنُها ولا يتقنُ غيرها، وكأنَّ اللهَ أرادَ أنْ يريَ البشرَ أنَّ عمالةَ الآخرينَ ليستْ سوى صورةٍ طبقَ الأصلِ عنْ عمالةِ الذاتِ التي تختبئُ تحتَ عباءةِ الولاءِ المزعوم.

والسؤالُ الذي يفرضُ نفسَهُ بقوةٍ في ظلِّ هذا الكمِّ الهائلِ منَ التخوينِ المتبادلِ، هوَ: هلْ يصحُّ أنْ نستمرَّ في استعمالِ هذهِ العباراتِ الزئبقيةِ التي تتحولُ في لحظةٍ منْ أداةٍ للتحليلِ السياسيِّ إلى سلاحٍ للإبادةِ المعنويةِ والجسديةِ للخصومِ؟ أليسَ منَ الأجدرِ بنا أنْ ندركَ أنَّ الولاءَ والعمولةَ مفهومانِ فضفاضانِ لا ينضبطانِ تحتَ أيِّ تعريفٍ موضوعيٍّ، وأنَّ كلَّ طرفٍ يستعملُهما بحسبِ مصلحتِهِ في لحظةٍ تاريخيةٍ معينةٍ، بحيثُ يصبحُ منَ المستحيلِ التمييزُ بينَ عميلٍ حقيقيٍّ وآخرَ وهميٍّ في هذهِ اللعبةِ التي لا فائزَ فيها سوى منْ ينجحُ في إيهامِ الناسِ بأنَّهُم وحدَهُم فوقَ الشبهاتِ، بينمَا الحقيقةُ أنَّ الجميعَ في مستنقعِ العمالةِ والنفاقِ إلى حدِّ أنَّ عبارةَ "بهائمِ اللهِ" قدْ تكونُ أصدقَ وصفٍ لأولئكَ الذينَ يستعملونَ مفاهيمَ الدينِ والدولةِ كغطاءٍ لحماقاتهم السياسيةِ التي لا تنتهي.






.

خواطر هائم في عالم البهائم: (07) القول الأخير في نهيق الحمير (مقال)

.



.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(07) القول الأخير في نهيق الحمير





في عالمٍ يتسارعُ فيهِ الزمنُ وتتطورُ فيهِ التكنولوجيا بوتيرةٍ تجعلُ الإنسانَ يعجزُ عنْ مواكبتها، نجدُ أنَّ بعضَ الممارساتِ تظلُّ عالقةً في دهاليزِ القرونِ الوسطى، مُصرّةً على البقاءِ رغمَ كلِّ الإنجازاتِ التي حققها العقلُ البشري. ومنْ أبرزِ هذهِ الممارساتِ العتيقةِ التي تثيرُ الدهشةَ والسخريةَ معاً، ذلكَ النهيقُ الجماعيُ الذي يخرجُ منْ مآذنِ المساجدِ خمسَ مراتٍ في اليومِ الواحد، ليخترقَ حياةَ الناسِ في منازلهمْ ومتاجرهمْ ومستشفياتهمْ وحتى في أحلامهمْ. إنهُ "الأذان" في نسختهِ الحمقاءِ التي ترفضُ التغييرَ وتحتقرُ التطورَ وتصرُّ على فرضِ نفسها على الجميعِ وكأنَّ الفضاءَ العامَ والخاصَ هوَ ملكيةٌ خاصةٌ لهؤلاءِ الناهقينَ الذينَ لا يكفونَ عنِ التذكيرِ بوجودهمْ عبرَ مكبراتِ الصوتِ التي لا يكتفونَ بواحدٍ منها، بلْ يضعونَ اثنينِ أوْ ثلاثةً أوْ أكثرَ، ويُشغّلونها بأعلى درجةٍ ممكنةٍ كأنهمْ يخوضونَ حرباً صوتيةً ضروساً ضدَّ كلِّ منْ لا يشاركهمْ شغفهمْ بهذا النهيقِ اليوميِّ المملِّ.

المضحكُ في الأمرِ أنَّ هؤلاءِ الذينَ يدّعونَ التمسكَ بالسنةِ والجماعةِ يمارسونَ التكنولوجيا الحديثةِ بكلِّ براعةٍ حينَ تتعلقُ الأمرُ بتضخيمِ أصواتهمْ وإيصالِ نهيقهمْ إلى أبعدِ المدى، بينما يتجاهلونَ كلَّ هذهِ الإمكانياتِ الرقميةِ التي بينَ أيديهمْ لتطويرِ وسائلِ النداءِ إلى الصلاةِ بما يليقُ بعصرِ الذكاءِ الاصطناعيِّ والهواتفِ الذكيةِ. يمكنُ لأيِّ إنسانٍ أنْ يضبطَ منبهاً في هاتفهِ يذكرهُ بمواعيدِ صلاتهِ دونَ أنْ يُزعجَ جيرانَهُ أوْ يُوقظَ أطفالَهُمْ أوْ يُقلقَ مرضاهُمْ، لكنَّ العقليةَ البدويةَ التي تحكمُ هذهِ المؤسسةَ ترفضُ هذا الحلَّ البسيطَ لأنَّ جوهرَ الأمرِ ليسَ النداءَ للصلاةِ بقدرِ ما هوَ إعلانُ السيطرةِ والهيمنةِ على الفضاءِ العامِّ وتذكيرُ الآخرينَ بأنَّ هناكَ "جماعةَ نهيقٍ" تفرضُ إيقاعَ حياتِها على الجميعِ، حتى ولوْ كانَ الثمنُ هوَ إزعاجَ نصفِ المجتمعِ الذي لا يبالي بهذا النداءِ ولا يجدُ فيهِ أيَّ قيمةٍ روحيةٍ أو دنيويةٍ.

يزعمُ هؤلاءِ الناهقونَ أنَّ أصواتَهمْ جميلةٌ وأنَّها تريحُ النفوسَ وتطمئنُ القلوبَ، لكنَّ الحقيقةَ أنَّ أيَّ صوتٍ، مهما كانتْ درجةُ جمالهِ، يتحولُ إلى إزعاجٍ مقيتٍ حينَ يُفرضُ على الناسِ في ساعاتِ الراحةِ وفي أوقاتِ النومِ وفي لحظاتِ التركيزِ والعملِ. وحتى لوْ افترضنا جدلاً أنَّهمْ استبدلوا أصواتَ مؤذنيهمْ بأصواتِ فيروزَ أوْ أمِّ كلثومَ أوْ جورجِ وسوف، فإنَّ المشكلةَ ليستْ في جودةِ الصوتِ بلْ في فلسفةِ الفرضِ ذاتها، التي تتعاملُ معَ الناسِ كأنَّهمْ قطيعٌ منَ البهائمِ يجبُ أنْ يُساقَ بالصوتِ العالي والناهقِ ليعرفَ متى يحينُ وقتُ العلفِ أوِ الرعيِ أوِ السجودِ لأصنامِهمْ الجديدةِ والقديمةِ على السواء.

المنافقونَ في استعمالهمْ للتكنولوجيا لا يكتفونَ بالعددِ الهائلِ منَ المكبراتِ، بلْ يحرصونَ على أنْ يكونَ صوتُ النهيقِ هوَ أولُ ما يسمعهُ الطفلُ الصغيرُ عندَ ولادتِهِ في المستشفى، وآخرُ ما يسمعهُ المريضُ قبلَ أنْ يلفظَ أنفاسَهُ الأخيرةَ في غرفةِ العنايةِ المركزة. إنهُ احتلالٌ صوتيٌّ يوميٌّ للعقولِ والأجسادِ، وكأنَّ السماءَ لنْ تتسعَ لصلواتِهمْ دونَ أنْ يخطفو مسامعَ منْ لا يريدُ لهذا النهيقِ أنْ يصلَ إليهِ. والأغربُ أنَّهمْ يتهمونَ الآخرينَ بالتعصبِ وبالعداءِ للإسلامِ لمجردِ أنَّ هؤلاءِ يطالبونَ بضبطِ شدةِ الصوتِ أوِ الاقتصارِ على نداءٍ واحدٍ في اليومِ بدلاً منْ خمسِ مراتٍ، دونَ أنْ يدركوا أنَّ انتهاكَ حرمةِ الناسِ في منازلهمْ هوَ أصلُ المشكلةِ وليسَ الاعتراضَ على دينٍ أوْ مذهبٍ أوْ هويةٍ.

في الحقيقةِ، وبعيداً عنِ التبريراتِ الدينيةِ والروحيةِ التي تخلو منْ أيِّ منطقٍ أو عقلانيةٍ، فإنَّ الأذانَ بصورتِهِ الحاليةِ هوَ أداةٌ منْ أدواتِ العصاباتِ التي تريدُ أنْ تُذكّرَ الناسَ بوجودِها وبسطِ سيطرتِها على حياتِهمْ اليوميةِ، تماماً كما ترفعُ عصاباتُ الشوارعِ أعلامَها وترسمُ شعاراتِها على الجدرانِ لتقولَ للمارةِ: "هذهِ منطقتُنا ونحنُ منْ يقررُ متى تنامونَ ومتى تستيقظونَ". إنهُ نداءُ النفيرِ لبدايةِ غزوةٍ يوميةٍ جديدةٍ، ليسَ لنهبِ الأموالِ أوِ السلبِ والقتلِ، بلْ لنهبِ حقِّ الناسِ في السلامِ وفي الخصوصيةِ وفي اختيارِ نمطِ حياتِهمْ دونَ وصايةٍ منْ عصابةِ النهيقِ التي تتجرأُ باسمِ السماءِ على انتهاكِ أبسطِ حقوقِ البشرِ على الأرضِ، وتصرُّ على أنَّ صوتَ حمارِها المقدسِ يجبُ أنْ يعلوَ على كلِّ صوتٍ آخرَ، لأنَّ الحمارَ، كما يعتقدونَ، هوَ صاحبُ الحقِّ الأوحدِ في نهيقِهِ المزعجِ الذي لا يحتملُ أيَّ منافسٍ ولا يقبلُ أيَّ نقاشٍ.





.

خواطر هائم في عالم البهائم: (06) شدو الربابة في معرفة الصحابة (مقال)

.




.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(06) شدو الربابة في معرفة الصحابة





إذا أردنا أن ننظر إلى التاريخ الإسلامي بعينٍ ساخرةٍ خاليةٍ من القداسة، فسنكتشفُ أنَّ ما يُروى عن "الصحابةِ الكرام" هو في حقيقتهِ أقربُ إلى سيناريو فيلمٍ عصاباتٍ منخفضِ التكلفة، تدورُ أحداثُه حولَ صراعٍ محمومٍ على كرسيِّ السلطةِ وسرقةِ المالِ واستغلالِ البسطاءِ باسمِ الدين. القصةُ تبدأُ فورَ وفاةِ النبيِّ الذي لمْ يُدفنْ إلا بعدَ ثلاثةِ أيامٍ كاملةٍ، حينَ انتفخَ جسدُه وأنتنَ، لأنَّ أتباعَه انشغلوا بتقسيمِ الغنيمةِ الأكبرِ وهيَ الخلافة، في مشهدٍ كاريكاتيريِّ يُذكّرُ بلحظةِ انشغالِ اللصوصِ بتوزيعِ المسروقاتِ بينما الضحيةُ مازالتْ دافئةً على الأرض. سقيفةُ بني ساعدةَ لمْ تكنْ مجلسَ شورى، بلْ كانتْ سوقاً للمزايداتِ السياسيةِ والوعودِ الكاذبةِ والتهديداتِ المبطنةِ، حيثُ باعَ الحاضرونَ ضمائرهم بأبخسِ الأثمانِ مقابلَ منصبٍ لا يدومُ طويلاً، وكأنَّ الخلافةَ كانتْ جائزةً في لعبةٍ صبيانيةٍ لا تعرفُ إلا الصراخَ واللكمَ تحتَ الحزام.

ولمْ تقتصرِ المهازلُ على مشهدِ السقيفةِ وحدها، بلْ تعدتها إلى كلِّ تفاصيلِ حياةِ هذهِ العصابةِ التي حوّلتِ الدينَ إلى غطاءٍ لممارساتِ الإرهابِ والقتلِ والنهبِ المنظمِ تحتَ مسمّى "الجهادِ في سبيلِ الله". فالغنائمُ كانتْ هيَ البوصلةَ الوحيدةَ التي تتحركُ على إيقاعِها السيوفُ، والسبيُ كانَ تجارةً رابحةً تنتقلُ فيها النساءُ والأطفالُ منْ ملكٍ إلى ملكٍ باسمِ "مِلْكِ اليمين"، وكأنَّ السماءَ قدْ شرّعتْ لهم هذا العبثَ الإنسانيَ في رسالةٍ جلّتْ عنْ هذهِ التفاهاتِ. أما بيتُ مالِ المسلمينَ، فكانَ أشبهَ بصندوقِ نقودٍ في عرينِ اللصوص، يتسابقُ عليهِ الصحابةُ والتابعونَ وكأنهم في سوقِ مزادٍ علنيٍّ، حتى أصبحَ منْ يسرقُ أكثرَ هوَ الأكثرُ قداسةً في نظرِ الجماهيرِ المخدوعةِ التي ظلتْ ترددُ "رضيَ اللهُ عنهم" دونَ أنْ تسألَ نفسَها مرةً واحدةً عنْ جدوى كلِّ هذهِ الدماءِ التي سُفكتْ باسمِ صحابةٍ لا يُعرفُ عنهم سوى أنَّهم كانوا بارعينَ في فنِّ التكالبِ على الدنيا.

والمدهشُ في هذهِ الروايةِ التي لا تُشبهُ الرواياتِ، أنها لمْ تتوقفْ عندَ حدودِ الزمنِ القديمِ، بلْ تسربتْ إلى جيناتِ المسلمِ المعاصرِ وكأنَّها حمضٌ نوويٌّ لا يُمكنُ التخلصُ منه. فكلُّ منْ يقرأُ التاريخَ بتجردٍ يجدُ أنَّ الصراعَ على السلطةِ والمالِ مازالَ يُدارُ بالطرقِ نفسِها، وأنَّ استغلالَ الحمقى كوقودٍ للحروبِ مازالَ هوَ الأسلوبَ الأنجعَ لإشعالِ المعاركِ في كلِّ زاويةٍ منْ زوايا العالمِ الإسلاميِّ. الأسماءُ تغيرتْ، لكنَّ اللعبةَ بقيتْ نفسَها: شيخٌ يلوحُ بيديهِ ويملأُ الدنيا شعاراتٍ، وآخرُ يسرقُ بيتَ المالِ تحتَ غطاءِ "الجهادِ المقدسِ"، ومغفلونَ يهرولونَ وراءَ السرابِ وكأنهم لمْ يقرأوا تاريخاً ولمْ يعرفوا أنَّ آباءهم كانوا يهرولونَ وراءَ نفسِ السرابِ منذُ أربعةَ عشرَ قرناً.

في الختام، إذا كنا سنشدو بالربابةِ في معرفةِ الصحابة، فعلينا أنْ نعترفَ بأنَّ الربابةَ التي نعزفُ عليها هيَ أداةٌ قديمةٌ مهترئةٌ لا تُنتجُ إلا نغماتٍ حزينةً متكررةً، وأنَّ الصحابةَ في كتبِ التاريخِ ليسوا سوى نماذجَ بشريةٍ لا تختلفُ كثيراً عنْ عصاباتِ اليوم، كلُّ همِّها كانَ السلطةَ والتسلطَ والمالَ والنساءَ باسمِ دينٍ بريءٍ منْ هذهِ الشوائبِ. وإنْ بقيَ شيءٌ منَ العبرةِ، فهوَ أنَّ هذهِ العصابةَ التي أسستْ لمشروعِ السطوِ التاريخيِّ لمْ تتركْ لنا إرثاً يذكرُ سوى إدمانِ العنفِ، وتقديسِ السذجِ، وتزويقِ الكذبِ، وكلُّها أمراضٌ مازالتْ تعصفُ بنا حتى اليومَ وكأنَّ الزمنَ لمْ يتقدمْ خطوةً واحدةً منذُ تلكَ السقيفةِ التي جمعتْ رجالاً يظنونَ أنَّ اللهَ ينظرُ إليهم منْ ثقبِ البابِ بينما همْ يصفقونَ على سلطةٍ لا تساوي فلساً واحداً أمامَ تاريخٍ مليءٍ بالخرابِ الذي صنعوه بأيديهم.





.

خواطر هائم في عالم البهائم: (05) قاع الهامور والخراب المصري (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(05) قاع الهامور والخراب المصري




في زمنٍ أصبحت فيهِ أزماتُ المصريينَ تتكدسُ كالملحِ على جروحٍ لا تندمل، وإذْ بالوطنِ يئنُّ تحتَ ثقلِ غلاءٍ معيشةٍ يكدحُ فيهِ المواطنُ ليُوفيَ نهارَهُ بطعامه، نكتشفُ فجأةً أنَّ "قاعَ الهامور" هوَ ما يشغلُ بالَ الجميع. مدينةُ سبونج بوب الخيالية التي كانَ أبطالُها يُسلّونَ أطفالَنا في التسعينيات، تحولتْ بينَ عشيةٍ وضحاها إلى ترندٍ مصريٍّ شامل، وكأنَّ السخريةَ منَ الواقعِ باتتْ هيَ السبيلَ الوحيدَ لتجنبِ البكاءِ على خرابٍ حقيقيٍّ يُحاصرُ الناسَ منْ كلِّ جانب. على فيسبوك، تأسستْ مجموعةٌ باسمِ "شكاوى أهالي قاعِ الهامور" لتجمعَ أكثرَ منْ مليونٍ ونصفِ مئةِ ألفِ عضوٍ في أيامٍ معدودة، وكأنَّ الجميعَ هجروا همومَهمُ اليوميةَ ليسكنوا في قاعِ المحيطِ معَ الإسفنجةِ الصفراءِ وأصدقائها، ليشتكوا هناكَ كما لوْ أنَّ "بسيط" و"شفيق" يعيشونَ معاناتَنا ذاتَها معَ غلاءِ الأسعارِ وانقطاعِ الكهرباءِ وتكدسِ المواصلاتِ .

المضحكُ حقاً أنَّ "قاعَ الهامور" تحولتْ بينَ ليلةٍ وضحاها منْ مدينةٍ كرتونيةٍ إلى كيانٍ افتراضيٍّ لهُ شوارعُ ومحلاتُ وعياداتٌ ومدارسُ، بلْ وتجدهُ يطرحُ إعلاناتٍ عنْ حفلاتٍ غنائيةٍ وإصداراتٍ فنيةٍ مستوحاةٍ منْ شخصياتِ المسلسل، وكأنَّ المصريينَ يبنونَ وطناً بديلاً في الأعماقِ لأنَّ الوطنَ الحقيقيَّ أصبحَ لا يُحتملُ . لقدْ صارتِ السخريةُ هيَ اللغةَ المشتركةَ التي تجمعُ المصريينَ على اختلافِ مشاربهم، فالجميعُ يبحثُ عنْ متنفّسٍ يهربُ بهِ منْ واقعٍ يئنُّ بالهموم، حتى باتَ التهكمُ على "قاعِ الهامور" وسيلةً للتنفيسِ عنْ غضبٍ مكتومٍ تجاهِ انهيارِ العملةِ وتآكلِ قيمةِ الجنيهِ أمامَ الدولارِ، وكأنَّ السباحةَ في قاعِ المحيطِ أسهلُ منَ السباحةِ في بحرِ أزماتِ القاهرةِ .

لكنَّ الأمورَ لمْ تمضِ على هذا النحوِ طويلاً، فسرعانَ ما استفاقَ "الواقعُ" منْ غفوتهِ وأدركَ أنَّ هذهِ المدينةَ الخياليةَ قدْ تشكلُ خطراً على أمنِ الدولةِ ذاتِها، فما إنْ بدأتِ المجموعةُ تنتشرُ وتجذبُ الملايينَ حتى ظهرتْ تحذيراتٌ أمنيةٌ عنْ وجودِ "أبعادٍ سياسيةٍ" خلفَ هذهِ الدعابةِ الجماعيةِ . فإذا كانَ المصريونَ يضحكونَ ويسخرونَ في مجموعةٍ على فيسبوك، فإنَّ هذا يعنيَ أنهمْ غيرُ راضينَ عنْ واقعهم، وإذا كانوا غيرَ راضينَ، فإنَّ السخريةَ قدْ تكونُ تمهيداً للثورةِ. ولذلك، لمْ يتأخرِ الأمرُ كثيراً حتى قيل أن  القائمينَ على المجموعةِ وهمْ مراهقونَ دونَ الثامنةِ عشرةَ، قرروا تعليقَ نشاطِها مؤقتاً "لتقييمِ الموقفِ وطردِ العناصرِ غيرِ المرغوبِ فيها"، وكأنَّ المدينةَ العائمةَ في قاعِ المحيطِ أصبحتْ خاضعةً لقوانينِ الطوارئِ المصريةِ التي لا تتوانى عنْ ملاحقةِ أيِّ تجمعٍ ولوْ كانَ بينَ كائناتٍ بحريةٍ خياليةٍ .

إنَّ قصةَ "قاعِ الهامور" ليستْ مجردَ نكتةٍ عابرةٍ، بلْ هيَ مرآةٌ صادقةٌ لحالِ مجتمعٍ يبحثُ عنْ مفرٍّ في عوالمَ افتراضيةٍ لأنَّ عوالمَهُ الحقيقيةَ أضحتْ بلا طعمٍ، حيثُ يتحولُ المواطنُ في النهايةِ إلى مجردِ ممثلٍ في مسرحيةٍ عبثيةٍ لا يعرفُ متى يسقطُ الستارُ، ولا يعرفُ إنْ كانَ الضحكُ على "قاعِ الهامور" سيعيدُ لهُ قيمتَه المفقودةَ في عالمٍ أصبحَ فيهِ كلُّ شيءٍ أغلى منْ الحياةِ ذاتها.






.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...