Translate

خواطر هائم في عالم البهائم: (04) لماذا انهزم الله الإسلامي للمرة المليون؟ (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(04) لماذا انهزم الله الإسلامي للمرة المليون؟





في سلسلة طويلة من الهزائم التي لا تنتهي، والتي أصبحت أشبه بمسلسل كوميدي يُعرض على أكثر من قناة فضائية، يطل علينا "الله الإسلامي" في نسخته المتعددة والمتنافرة، حاملاً معه وعوداً بالنصر وخرائط للجنة ووعيداً للكافرين، لكنه في كل مرة ينتهي به المطاف مهزوماً من قبل أعدائه الذين لا يملكون لا شعارات رنانة ولا لحىً كثيفة ولا أصابع مرفوعة نحو السماء. هذه الظاهرة الغريبة التي تتكرر وكأنها حدث سنوي، تجعل المرء يتساءل بجدية: هل هذا "الله" الذي يستدعيه حزب الله وأنصار الله وآية الله وروح الله هو نفسه الإله الذي هزم في كل معركة خاضها أتباعه باسمه؟ أم أنهم يستدعون إلهاً بديلاً متخصصاً في الخسائر فقط؟

لقد تعودنا على مشهد المهزلة المتجدد، حيث يخرج علينا قائد من هؤلاء القادة المدججين بالشعارات، ليعلن أن "النصر قريب" وأن "جيش الله لا يُقهر"، وبعد أيام قليلة نجد أن جيشه قد تبخر كما يتبخر الندى تحت أشعة شمس الصحراء، وأن أعداءه قد دخلوا إلى عقر داره وقلبوا موازين القوى دون أن يكلفوا أنفسهم عناء الاستعانة بقوى خارقة أو معجزات إلهية. إنها معادلة بسيطة: كلما زادت الشعارات الدينية في خطاباتهم، كلما زادت خسائرهم على الأرض. وكأن هناك علاقة عكسية طردية بين التكفير والتدمير، وبين الوعيد والهزيمة. لو كان هناك إله حقاً يحارب مع هؤلاء، لكان قد غيّر استراتيجيته منذ زمن بعيد، أو على الأقل لكان غيّر فريقه الذي يخسر دوماً بالنتيجة نفسها.

المضحك في الأمر أن هؤلاء لا يتعلمون من دروس الماضي أبداً، وكأنهم يعيشون في حلقة مفرغة من النسيان الجماعي. كلما انهزم حزب الله في مواجهة مع إسرائيل، يخرج علينا أنصار الله في اليمن ليعلنوا أنهم سيهزمون أمريكا والتحالف العربي، ثم يخرج آية الله في إيران ليؤكد أن النصر حليفهم الدائم، وفي النهاية يكتشف الجميع أن هذا "الله" الذي يستدعونه في كل خطاب هو مجرد كلمة براقة تصلح لتزيين الجدران لا أكثر. ثم يأتي دور "روح الله" في بعض التراتيل الروحية، ليؤكد أن المعركة مع الشيطان الأكبر مستمرة، وأن النصر سيكون حليفهم في الجولة القادمة، وهي جولة لا تأتي أبداً.

السؤال الفلسفي الذي يطرح نفسه بقوة الآن: لماذا يصر هؤلاء على نسب هزائمهم إلى هذا الإله الذي يتخلى عنهم في كل مرة؟ أليس من الأجدر بهم أن يعترفوا بأنهم يخسرون لأنهم يخوضون حروبا لا يملكون لها أدوات النصر الأساسية، لأنهم يتبنون عقائد لا تقوم على أساس علمي أو عقلاني، لأنهم يرفضون الاعتراف بأن العدو قد يكون أقوى منهم بفضل تكنولوجيته وليس بفضل إله آخر؟ لكنهم يستمرون في لعبة "لوم الله" التي أصبحت مملة ومكررة إلى درجة أن الجمهور بدأ يغادر القاعة قبل انتهاء العرض المسرحي.

الأكثر إثارة للضحك هو أن كل هؤلاء القادة الذين يرفعون أصواتهم باسم الله، هم أنفسهم أول من يختبئون في المجاري والأنفاق عندما تشتد المعركة، وهم أول من يبحثون عن ممرات آمنة للهروب بينما يتركون أتباعهم المساكين يواجهون القصف والموت. هؤلاء الأتباع الذين صدقوا الشعارات وضحوا بأرواحهم وأموالهم، يكتشفون في النهاية أنهم كانوا مجرد وقود لحروب خاسرة، وأن "الله" الذي وعدهم بالنصر كان مجرد كلمة جميلة اختارها قادتهم لتحفيزهم على الموت من أجل مشاريع لا تعنيهم في شيء.

لقد آن الأوان لنقول بصوت عالٍ وواضح: هذه الشعارات التافهة والسرديات الحمقاء التي تكرر على مسامعنا منذ عقود، لم تعد تنطلي على أحد. فالإله الذي يتخلى عن أتباعه في كل معركة، والذي يتركهم ينهزمون أمام عدوهم في كل مرة، إما أنه غير موجود أصلا، وإما أنه يعمل بالفعل مع العدو الذي يهزمهم، وهو ما يفسر انتصارات أمريكا وإسرائيل المستمرة على من يزعمون أنهم الجنود المخلصون لهذا الإله. لقد حان الوقت لأن يرمي هؤلاء شعاراتهم الفارغة وأن يدركوا أن العالم لا يُحكم بالتكفير والتخويف، بل بالعلم والتكنولوجيا والإرادة الصادقة، وليس بإله يختار دائماً الوقوف في الجانب الخاسر.




.

خواطر هائم في عالم البهائم: (03) سنضرط في القدس قريبا (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(03) سنضرط في القدس قريبا




في زمنٍ يزخرُ بالاختراعاتِ التكنولوجيةِ التي تختزلُ المسافاتِ وتجعلُ منَ الأرضِ قريةً صغيرةً، لا يزالُ بعضُ العربِ والمسلمينَ يعيشونَ في كهوفِ الماضي السحيق، يرددونَ شعاراتٍ خلقتْ قبلَ أربعةَ عشرَ قرناً، وكأنَّ الزمنَ توقفَ عندَ لحظةِ نزولِ الوحيِ أو عندَ معركةِ بدرٍ وأحدٍ. "سنصلي في القدس قريباً"، "القدس عروسُ عروبتنا"، "فلسطينُ قضيتنا المركزية".. هذهِ العباراتُ الرنانةُ التي تملأُ الفضاءَ الإعلاميَّ، لا تعدو أنْ تكونَ سوى فقاعاتٍ صابونيةٍ تتبخرُ بمجردِ أنْ يلمسها منطقُ العصرِ أو حتى أدنى حسِّ واقعيةٍ. إنها شعاراتٌ جوفاءُ، بل سافلةٌ في تضليلِها للعقولِ التي باتتْ ترددُها كالببغاواتِ دونَ أنْ تسألَ نفسَها سؤالاً واحداً: بماذا ينفعني القدسُ في حياتي اليوميةِ التعيسةِ التي تعجُّ بالفقرِ والجهلِ والتخلفِ؟ بماذا يغنيَني حجرٌ في بلادٍ بعيدةٍ عنِّي عنْ وجبةِ طعامٍ أو فرصةِ عملٍ أو حتى كرامةٍ آدميةٍ أساسيةٍ؟

إذا توقفنا لحظةً وتجرأنا على خلعِ نظارةِ العاطفةِ المريضةِ التي يرتدينها منذُ الطفولةِ، سنكتشفُ أنَّ كلَّ هذهِ السردياتِ الكبرى ما هيَ إلا غطاءٌ كثيفٌ منَ الدخانِ يخفي فشلاً ذريعاً في إدارةِ الذاتِ والمجتمعِ. الشخصُ الذي يهتفُ بـ"القدسِ عروسٍ" هوَ نفسُهُ الذي قدْ يعيشُ في عشوائيةٍ بلا ماءٍ ولا كهرباءٍ، وقدْ لا يجدُ دواءً لمرضٍ عضالٍ، وقدْ يدفعُ آخرَ قرشٍ في جيبِه لشراءِ خبزٍ لا يشبعُ. لكنَّه يجدُ في التغني بالقدسِ نوعاً منَ التخديرِ الجماعيِّ، وكأنَّ التفكيرَ بحجرٍ في فلسطينَ سيعوضُ عنْ فشلِه الذريعِ في بناءِ دولةٍ عصريةٍ قادرةٍ على منافسةِ الأممِ لا على استجداءِ عطفِها. العقلُ العربيُّ الذي يلهثُ وراءَ القدسِ وهوَ غارقٌ في القملِ والأوساخِ، هوَ نفسُ العقلِ الذي كانَ يعيشُ قبلَ أربعةَ عشرَ قرناً على هامشِ الحضاراتِ، عاقداً العزمَ على الغزوِ والنهبِ وسلبِ الآخرينَ كحلٍ وحيدٍ للخروجِ منْ عنقِ الزجاجةِ التاريخيةِ الضيقةِ التي خنقتْ إبداعَه وأفكارَه.

والأغربُ منْ ذلكَ كلِّه أنَّ الفلسطينيَّ نفسَهُ، الذي يُفترضُ أنَّه محورُ هذهِ القضيةِ المقدسةِ، لا يجدُ منَ العربِ والمسلمينَ إلا خطباً رنانةً وتصريحاتٍ ناريةً في المؤتمراتِ، بينما يتسكعُ في أزقةِ المخيماتِ بحثاً عنْ لقمةِ عيشٍ أو عنْ دواءٍ لطفلٍ مريضٍ. حتى لو افترضنا جدلاً أنَّ القدسَ قدْ تحررتْ وقامتْ دولةٌ فلسطينيةٌ غداً، فإنَّ هذهِ الدولةَ ستكونُ مجردَ نسخةٍ جديدةٍ منَ الدولِ العربيةِ الفاشلةِ التي تنتجُ إرهاباً وتصدّرُه للعالم، دولةً تعيشُ على المساعداتِ وتتصارعُ فصائلها على السلطةِ، وسرعانَ ما ستطلبُ مني تأشيرةً لأزورَ حجرَ القدسِ الذي كنتُ قدْ هرقتُ دمي منْ أجلهِ. فأيُّ ربحٍ سأجني منْ هذهِ المهزلةِ؟ أيُّ نفعٍ سيعودُ عليَّ منْ صلاةٍ في المسجدِ الأقصى وهيَ نفسُ الصلاةِ التي يمكنني أنْ أؤديها في أيِّ زاويةٍ منْ زوايا الأرضِ، دونَ أنْ تغيرَ منْ حقيقةِ عقمِ عقلي وتخلفِ مجتمعي شيئاً؟

إنَّ الانشغالَ بالقدسِ ليسَ أكثرَ منْ أداةٍ تخديريةٍ ناجحةٍ يستخدمها العقلُ العربيُّ ليُخفيَ عوراتِه، ليُبررَ فشلَه في مواكبةِ العصرِ، ليُضللَ شعوبَهُ عنْ مطالبِها الحقيقيةِ في التعليمِ والصحةِ والكرامةِ. إنها شعاراتُ العاجزينَ الذينَ يبحثونَ عنْ عداوةٍ وهميةٍ ينصبونَ لها أعلاماً، بينما همْ في حقيقةِ أمرِهم لا يستطيعونَ حتى نزعَ القملِ عنْ رؤوسِهم، أو تفليتَ بعضِهم بعضاً دونَ أنْ يطلبوا منَ الآخرينَ أنْ يفعلوا ذلكَ بينما همْ يرتشفونَ الشايَ. حجرُ القدسِ الذي يثيرُ كلَّ هذهِ الضجةِ، لا يختلفُ في قيمتِه الحقيقيةِ عنْ أيِّ حجرٍ عاديٍ تجدُه على قارعةِ الطريقِ، لا يضيفُ لروحي طمأنينةً، ولا يملأُ جوفي خبزاً، ولا يفتحُ أمامي أبوابَ الحضارةِ. إنه مجردُ رمزٍ استهلكتهُ عقولٌ جامدةٌ، تحولَ إلى أداةٍ للتلاعبِ بمشاعرِ الغوغاءِ، وصارَ سبباً مباشراً للخرابِ الذي يلتهمُ أوطانَنا منَ الداخلِ بينما نصرخُ في الخارجِ: اللهُ أكبرُ، القدسُ عروسُنا.





.

خواطر هائم في عالم البهائم: (02) أفيخاي أدرعي أمينا عاما لحزب الله (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(02) أفيخاي أدرعي أمينا عاما لحزب الله




في عالمٍ من التناقضاتِ التي تصلحُ لأنْ تكونَ مادةً دسمةً لأفلامِ الكوميديا السوداء، يطلُ علينا "حزبُ الخراء" ومعهُ بيئتهُ المساندةُ التي توصفُ بأنها الأكثرُ "التزاماً" و"انضباطاً" في تاريخِ الجماعاتِ التي مارستْ سياسةَ البطولةِ الوهمية. هذهِ الجماعةُ التي استهلكتْ عقوداً في التلويحِ بأصابعَ مرفوعةٍ وتلاوةِ خطاباتٍ ناريةٍ عنِ المقاومةِ والموتِ في سبيلِ القدس، باتتْ في السنواتِ الأخيرةِ أشبهَ بمسرحيةٍ هزليةٍ لا تتقنُ إلا إتقانَ فنِّ التحولِ السريعِ منْ أسودِ الغابِ إلى قطيعِ أغنامٍ تتبعُ أيَّ منشورٍ يُكتبُ بالعبريةِ على "تويتر". والأعجبُ منْ ذلكَ كلهِ أنَّ "جيشَ الدفاعِ الإسرائيلي" أوْ ما باتَ يُعرفُ اختصاراً لدى هذهِ الجماعةِ بـ"الإلهِ الأزرق"، أصبحَ هوَ المرجعيةَ الأولى والأخيرةَ لـ"حزبِ الخراء" في توجيهِ تحركاتهِ ونزوحهِ وهروبهِ، وكأنَّ "أفيخاي أدرعي" هوَ الأمينُ العامُّ الفعليُّ لهذا الحزبِ دونَ منازع.

فلنستعرضِ المشهدَ العجيبَ الذي تتجلى فيهِ سخافةُ الموقفِ بأبهى حُلّة. كانَ "حزبُ الخراء" وما زالَ يتباهى بأنهُمْ لا يعترفونَ بالدولةِ اللبنانيةِ ولا يخضعونَ لقوانينها، ويؤكدونَ أنَّ مرجعيتَهُمْ هيَ "وليُّ الفقيهِ" في إيران، وأنَّ أوامرَهُ هيَ النافذةُ في دمائهم. ولكنْ حينَ تُطلقُ سهامُ الحربِ وتشتعلُ النيرانُ، نجدُ أنَّ هذهِ الجماعةَ قدْ تخلَّتْ عنْ "وليِّ الفقيه" واستبدلتْه بـ"أفيخاي أدرعي"، المتحدثِ باسمِ جيشِ العدوِّ الذي كانوا يتوعدونَ بإبادتِهِ صباحَ مساءَ. فما أنْ ينشرَ أفيخاي تغريدةً واحدةً يقولُ فيها "أخلوا مدينةَ كذا" أو "أخرجوا منْ منطقةِ كذا"، حتى ترى آلافاً منْ "المقاومينَ" وأتباعِهِمْ يهرولونَ إلى الشوارعِ كالفئرانِ التي ركضتْ منْ جحرٍ إلى جحر، تاركينَ خلفهم بيوتاً وممتلكاتٍ وأحلاماً مزعومةً في "النصرِ الكبير". إنها ليستْ مجردَ استجابةٍ عاجلةٍ، بلْ هيَ استجابةٌ تامةٌ وحذافيرُها لا يُغادرُ حرفٌ واحدٌ منها، وكأنَّ هؤلاءِ ليسوا إلا مرتزقةً يعملونَ في خدمةِ منشوراتِ "أدرعي" وليسوا أتباعاً لـ"حسن زميرة" أو "نعيق قاسم".

ولأنَّ المفارقاتِ لا تنتهي عندَ هذا الحدِّ، بلْ تتوالى كسلسلةٍ منْ المواقفِ الكوميديةِ التي تفوقُ خيالَ أيِّ كاتبِ ساخر، نقترحُ بجديةٍ هزليةٍ أنْ يتمَّ تعيينُ "أفيخاي أدرعي" نفسه أو منْ تليهِ منْ المتحدثينَ الرسميينَ لجيشِ الدفاعِ الإسرائيلي، كـ"ألا واوية" مثلاً، في منصبِ الأمينِ العامِّ لـ"حزبِ الخراء"، لأنهم في الواقعِ أصدقُ منْ يطبقُ أوامرَهُ وينفذُ توصياتِهِ في زمنِ السلمِ والحربِ دونَ أيِّ ترددٍ أوْ مراجعةٍ أوْ استشارةِ "وليِّ الفقيه". فحينَ كانَ "السيدُ حسن" يرفعُ إصبعهُ ويعدُ بـ"النصرِ المبين"، كانَ أتباعهُ ينظرونَ إليهِ وكأنهُ وحيٌ منَ السماءِ يُنزلُ عليهم. ولكنْ حينَ نطقَ "أفيخاي" كلمةً واحدةً عنْ النزوحِ، تحولَ الوحيُ الإلهيُّ إلى مجرّدِ كلامٍ فارغٍ، وأصبحَ "أفيخاي" هوَ المرجعَ الأسمى، والنبيَّ الجديدَ الذي تُتلى أقوالُهُ في البيوتِ والمساجدِ والحسينياتِ كأوامرَ عسكريةٍ لا تحتملُ النقاشَ. لقدْ أصبحَ أتباعُ "حزبِ الخراء" أكثرَ انضباطاً معَ منشوراتِ "أدرعي" منْ أيِّ جيشٍ نظاميٍّ معَ أوامرِ قيادتِهِ، وباتوا أشبهَ بقطيعٍ منَ الحميرِ المدجَّنةِ التي لا تسمعُ إلا صوتَ سائقِهَا الإسرائيليِّ، الذي يديرُ دفتها كيفما يشاءُ.

وهنا تبرزُ قمةُ السخريةِ عندما نراهم يهرولونَ إلى مواقعِ التواصلِ الاجتماعيِّ ليتأكدوا منْ آخرِ منشوراتِ "أدرعي" قبلَ أنْ يتخذوا أيَّ خطوةٍ، وكأنهم يتلقونَ الوحيَ الإلهيَّ الجديدَ عبرَ حسابه على "تويتر". لمْ يعدْ هناكَ حاجةٌ لـ"السيدِ نصرالله" أو "نعيق قاسم" أو أيِّ أمينٍ عامٍّ سواهما، لأنَّ القيادةَ الفعليةَ أصبحتْ بيدِ المتحدثِ العسكريِّ الإسرائيليِّ، الذي يديرُ هروبَ "المقاومة" كما يديرُ أيَّ ملفٍّ عسكريٍّ. البيئةُ المساندةُ لـ"حزبِ الخراء"، وهيَ نفسُ البيئةِ التي كانتْ ترددُ أنَّها ستهبُّ كالرعدِ حينَ يُطلبُ منها الدفاعُ عنْ لبنانَ ومقاومةِ الاحتلالِ، ها هيَ اليومَ تتحولُ إلى مجموعاتٍ فوضويةٍ تلهثُ وراءَ منشوراتِ العدوِّ، تاركةً وراءَها كلَّ ادعاءاتِها عنِ البطولةِ والتفاني.

في النهاية، لا يسعنا سوى التصفيقُ بحرارةٍ لهذهِ المهزلةِ الفريدةِ منْ نوعِها، التي جعلتْ منْ "أفيخاي أدرعي" أشهرَ وأكثرَ الشخصياتِ تأثيراً في "حزبِ الخراء"، دونَ أنْ يتكبدَ أيَّ عناءٍ في الترشحِ أوِ الكسبِ الشعبيِّ، بلْ فقطْ منْ خلالِ تغريداتٍ يكتبُها بحروفٍ عبريةٍ قليلة. لقدْ نجحَ أفيخاي حيثُ فشلَ جميعُ أمناءِ الحزبِ السابقين، وأصبحَ هوَ القائدَ الفعليَّ الذي لا يُعصى لهُ أمرٌ، والذي يتبعهُ الجميعُ كالخرافِ العمياءِ التي لا تعرفُ إلا صوتَ راعيها الجديدِ القادمِ منْ تل أبيب.





.

خواطر هائم في عالم البهائم: (01) حزب الخراء أكل الخراء (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(01) حزب الخراء أكل الخراء




في روايةٍ كانتْ تُباعُ على أنها "ملحمةُ المقاومةِ الأبدية"، كانَ "حزبُ الخراء" يتصدّرُ المشهدَ بلغةِ التحدي وعروضِ الأصابعِ المرفوعةِ نحوَ السماء، كأنّهُ يملكُ مفاتيحَ الغيبِ ونواصيَ القدر. لكنَ القدرَ، كما يبدو، كانَ يخططُ لضربةٍ تكنولوجيةٍ هزليةٍ حملتْ في طيّاتها سخريةً كونيةً لمْ يسبقْ لها مثيل. حينَ انفجرتْ أجهزةُ "البيجر" في جيوبِ أتباعِ الحزبِ وفي أيديهم، لمْ يكنْ المشهدُ مشهدَ معركةٍ ولا انتصارٍ، بل كانَ كوميدياً سوداءَ على مستوىً إقليميٍّ ودوليٍّ، حيثُ تحولَ "أسدُ العرين" إلى مجرّدِ "حسن زميرة" يبحثُ عنْ مجراهُ في مجاري الصرفِ الصحي، هارباً منْ حقيقةٍ أنهُ لمْ يعدْ سوى شخصيةٍ كاريكاتوريةٍ في فيلمٍ فاشلٍ لمْ يُنتجْ سوى الفضيحةِ والعار.

لطالما عاشَ "حزبُ الخراء" في عالمٍ موازٍ منَ السردياتِ الكاذبةِ والعنترياتِ الجوفاء. كانَ يملأُ الفضاءَ بخطاباتٍ ناريةٍ وبوعودٍ زائفةٍ عنْ نصرٍ قادمٍ وإسرائيلَ على وشكِ الانهيار. لكنَ الحقيقةَ كانتْ أكثرَ قسوةً وسخريةً منْ أيِّ خيال. بكبسةِ زرٍّ واحدةٍ، لمْ يقتصرِ الأمرُ على فضحِ هذهِ السردياتِ فحسب، بلْ تجاوزَ ذلكَ إلى نسفِ أجسادِ منْ آمنوا بها. البيجرُ الذي كانَ يُفترضُ أنْ يكونَ رمزاً للتواصلِ الآمنِ والتنظيمِ السري، تحولَ فجأةً إلى أداةِ عقابٍ جماعيٍّ، حيثُ خسرَ بعضُ الأتباعِ أطرافَهُمْ، وفقدَ آخرونَ أعضاءهُمْ التناسليةَ في مشهدٍ سورياليٍّ لا يختلفُ عنْ نكتةٍ ساخرةٍ قالها "أبو دلامة" في زمنٍ بعيد.

لمْ يقتصرْ الأمرُ على الفضائحِ الجسديةِ والصورِ المُذِلةِ التي طافتْ مواقعَ التواصل، بلْ تعداها إلى كشفِ هشاشةِ كيانٍ بكامله. ذلكَ الكيانُ الذي ادّعى طويلاً أنهُ "الدولةُ العميقةُ" في لبنان، والذي صادرَ قرارَ الحربِ والسلمِ باسمِ "المقاومة"، تحولَ بينَ ليلةٍ وضحاها إلى "حزبِ الخراءِ" الذي لمْ يعدْ قادراً حتى على حمايةِ أتباعِه منْ هجومٍ سيبرانيٍّ سخيف، ناهيكَ عنْ مواجهةِ عدوٍّ يملكُ أحدثَ ما توصلتْ إليهِ التكنولوجيا. إنها مفارقةٌ عجيبةٌ أنْ يتحولَ "المقاومُ" إلى ضحيةِ جهازِ اتصالٍ صغيرٍ، وأنْ يُفقدَ مكانتَهُ كـ"محاربٍ" ليصبحَ مجردَ "مشهدٍ هزليٍّ" يتداولهُ الناسُ بسخريةٍ في مجالسِهمْ.

المضحكُ في الأمرِ أنَّ "حزبَ الخراء" ظلَّ لسنواتٍ يمارسُ تكتيكَ "الانتصارِ الوهمي"، حيثُ كانَ يرفعُ أصابعَهُ المقطوعةِ والملطّخةِ بالدماءِ كدليلٍ على التضحيةِ والصمود، ليأتيَ الردُّ الإلهيُّ التكنولوجيُّ على شكلِ أجهزةِ "بيجر" تفجرُ كلَّ ما ادعاهُ منْ قوةٍ. إنهُ درسٌ تاريخيٌّ في التواضعِ، أو في عدمِ المبالغةِ في التقديراتِ العسكريةِ والاعتمادِ على سردياتٍ لا تخضعُ للمنطقِ ولا لمعطياتِ الواقعِ المرير. هلْ كانَ يُمكنُ أنْ يتخيلَ "السيدُ حسن" وهوَ يلوذُ بالفرارِ عبرَ المجاري، أنَّ مشروعَهُ الذي بناهُ على مدى عقودٍ سينتهي بهذهِ الطريقةِ المهزلةِ التي تشبهُ نهاياتَ أفلامِ الكوميديا السوداء؟

وإذا كانَ قدْ تمَّ تعيينُ أمينٍ عامٍ جديدٍ لهذا الحزبِ الذي باتَ أشبهَ بجثةٍ نابضةٍ بالخراب، فإنَّ هذا التعيينَ في حدِّ ذاتهِ هوَ مسرحيةٌ هزليةٌ أخرى، حيثُ يلوحُ في الأفقِ شخصٌ آخرُ سيحاولُ إعادةَ تدويرِ نفسِ الخراءِ تحتَ عناوينَ جديدةٍ مثلَ "الردعِ المفقود" أو "إعادةِ بناءِ الثقة". لكنَّ الحقيقةَ أنَّ ثقةَ العالمِ بهذهِ الجماعةِ قدْ تلاشتْ تماماً بعدَ أنْ أثبتتْ أنها لا تملكُ منَ القدرةِ إلا على استهلاكِ خطابِ المقاومةِ واستهلاكِ أجسادِ أتباعِها في مغامراتٍ لا طائلَ منْ ورائها.

في النهاية، يبقى هذا الحزبُ صورةً طبقَ الأصلِ عنْ روايةِ "الإنسانِ الذي باعَ ظهرَهُ"، لكنَ الفرقَ هنا أنَّ الظهرَ كانَ وطناً بأكملهِ، والثمنَ كانَ خراباً يُضافُ إلى خراب. لقدْ أكلَ "حزبُ الخراء" الخراءَ الذي زرعَهُ، وها هوَ اليومَ يجني ثمارَ كذبهِ أمامَ العالم، بينما اللبنانيونَ يتفرجونَ على هذهِ المهزلةِ وهمْ يمسحونَ دموعَهمْ بينَ ضحكةٍ مريرةٍ وحسرةٍ لا توصف.





.

نسب محمد إلى إسماعيل بين التقرّب لليهود ورفضهم له (مقال)

.

.
نسب محمد إلى إسماعيل بين التقرّب لليهود ورفضهم له




إذا كان نسب يسوع إلى داود قد سقط بسبب غياب الأب البيولوجي، وإذا كان نسب محمد إلى إسماعيل قد سقط بسبب ضعف الروايات التاريخية، فإن هناك إشكالية ثالثة أكثر عمقاً، وهي إشكالية الهوية العرقية والدينية. فحتى لو افترضنا جدلاً أن السلسلة النسبية بين عدنان وإسماعيل صحيحة، وأن محمداً هو حقاً من نسل إسماعيل، فإن هذا لا يحل المشكلة الأساسية، بل يفتح باباً من الإشكاليات الأكبر: كيف يمكن لإسماعيل، وهو ابن إبراهيم من هاجر المصرية، أن يكون أباً للعرب؟ وإذا كان العرب من نسل إسماعيل، فلماذا لا يعترف بهم اليهود كجزء من العهد الإبراهيمي؟ ولماذا رفض اليهود محمداً رغم أنه ادعى أنه من نسل إسماعيل، وتقرّب إليهم بكل الطرق الممكنة؟

لنبدأ من البداية: إبراهيم، بحسب النص التوراتي والقرآني، هو من أور الكلدانيين، وهي مدينة في بلاد الرافدين، ولم يكن عربياً بأي معنى من المعاني، بل هو آرامي أو كلداني، أي من سلالة سامية ولكنها ليست عربية. هاجر، أم إسماعيل، كانت جارية مصرية، أي أنها من أصول أفريقية، وليست عربية أيضاً. إذن، إسماعيل هو نصف آرامي ونصف مصري، وليس عربياً، لأنه لم يكن له أي صلة بالعرب إلا بعد أن استقر في مكة وتزوج من قبيلة جرهم العربية، وهذا الزواج جعل ذريته عرباً، لكن بالانتماء القبلي، وليس بالدم الإبراهيمي الخالص. فالعرب الذين ينتمون إلى إسماعيل هم في الواقع من نسل إسماعيل من زوجته الجرهمية، وليس من إسماعيل وحده، لأن إسماعيل نفسه لم يكن عربياً، بل هو ابن إبراهيم الهاجر المصري.

وهنا تظهر المفارقة الأولى: اليهود يعتبرون أنفسهم وحدهم ورثة إبراهيم، لأنهم من نسل إسحاق الابن البكر لسارة، وليس من نسل إسماعيل ابن الجارية. في التوراة، يتم طرد إسماعيل مع أمه بعد أن رأت سارة أنه يلهو مع إسحاق، ويتم التأكيد على أن العهد الإلهي سيكون مع إسحاق ونسله، وليس مع إسماعيل. وهذا النص واضح في سفر التكوين: "وقال الله لإبراهيم: لا يَسُؤْ في عينيك من أجل الغلام ومن أجل أمتك. كل ما تقول لك سارة فاسمع لقولها، لأنه بإسحاق يُدعى لك نسل". وهذا يعني أن اليهود لا يعترفون بإسماعيل كأب شرعي للنسل الإبراهيمي، ولا يعترفون بأي نبوة تنبثق من نسله، مهما كانت سلسلة النسب التي يقدمها المسلمون.

فلماذا إذن أصر محمد والمسلمون على ربط نسبهم بإسماعيل، وهم يعرفون أن اليهود لا يعترفون بهذا النسب؟ الجواب يكمن في أن محمداً كان يسعى إلى كسب ود اليهود والاعتراف به كنبي، لأنه كان يعتقد أن اليهود سيكونون أول من يؤمن به، باعتبارهم أهل الكتاب الذين ينتظرون نبياً آخر. وقد ورد في السيرة أن محمداً كان يتقرب إلى اليهود في المدينة، ويغيّر القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، ويصوم عاشوراء، ويأمر باتباع شريعة التوراة في بعض الأحكام، كل ذلك أملاً في أن يعترفوا به. ولكنه صدم برفضهم القاطع، لأنهم رأوا فيه نبياً أعجمياً لا ينتمي إلى بني إسرائيل، ولا يحمل أي صفة من صفات المسيح المنتظر، ولا يأتي بمعجزات تثبت نبوته، بل إنهم سخروا منه لأنهم رأوا أنه لا يفقه التوراة ولا يعرف العبرانية.

والأكثر إحراجاً أن اليهود لم يكتفوا برفض محمد، بل اتهموه بأنه ليس من نسل إسماعيل أصلاً، لأن العرب في نظرهم هم من نسل إسماعيل، ولكنهم ليسوا أمة مختارة، ولا يحملون أي صفة نبوية، بل هم مجرد وثنيين يعبدون الأصنام، ولا علاقة لهم بعهد إبراهيم. وقد ورد في التلمود أن إسماعيل ذريته ستصبح أمة كبيرة ولكنها ستعبد الأصنام وتقاتل بني إسرائيل، وهذا النص جعل اليهود ينظرون إلى العرب نظرة دونية، ويعتبرون أنفسهم وحدهم أصحاب الحق في النبوة والعهد مع الله.

وحين جاء محمد بقرآنه، الذي يقدّم إسماعيل كنبي وشريك في العهد الإبراهيمي، كان اليهود يرون ذلك تحريفاً للتاريخ، وتزويراً للنصوص التوراتية، ومحاولة لسرقة إرثهم الروحي. ففي التوراة، إسماعيل ليس نبياً، ولا يُذكر عنه أي وحي، بل هو مجرد رجل صيّاد قوس، تزوج من امرأة مصرية، وذريته سكنت في برية فاران، ولا يوجد أي نص يذكر أن الله أوحى إليه أو اختاره ليكون رسولاً. فكيف يمكن لمحمد أن يدعي أنه من نسل إسماعيل، وأن إسماعيل كان نبياً، وأن العرب هم ورثة العهد الإبراهيمي، بينما التوراة لا تذكر أي شيء من هذا؟ هذا هو السبب الأساسي لرفض اليهود لمحمد، ليس فقط لأنه نبي جديد، بل لأنه غير معترف به في كتابهم المقدس، ولا ينتمي إلى سلالتهم النبوية، ولا يحقق أي نبوءة من نبوءاتهم.

ولكن لماذا لم يذهب محمد إلى الادعاء بأنه من نسل إسحاق، لكي يسهّل على اليهود قبوله، خاصة أنه ادعى في القرآن أنه على ملة إبراهيم؟ الإجابة تكمن في أنه كان عربياً، وكان يعرف أن العرب لا يقبلون نبياً ليس من أصولهم، وأن القبيلة العربية تفتخر بنسبها، وأن أي نبي عربي لا بد أن يكون من نسل إسماعيل ليكون مقبولاً عند العرب. ولو ادعى أنه من نسل إسحاق، لكان قد فقد دعم قبيلته قريش، التي كانت تفتخر بأنها من نسل إسماعيل، ولما استطاع أن يؤسس دولة عربية جديدة. لذا فضّل محمد أن يخسر اعتراف اليهود على أن يخسر اعتراف العرب، لأنه كان يعلم أن مشروعه النبوي يعتمد على القوة العربية أولاً، وليس على الشرعية اليهودية.

ولكن هذا الخيار جعله في موقف صعب، فهو بين مطرقة اليهود الذين رفضوه، وسندان العرب الذين قبلوه ولكنهم لم يكونوا بحاجة إلى إثبات نسبه إلى إسماعيل، لأنهم كانوا يعرفون أنفسهم كعرب بغض النظر عن هذا النسب. فالعرب لم يكونوا يعرفون عن نسبهم شيئاً قبل الإسلام، لأنهم كانوا قبائل متفرقة، ليس لديهم كتاب مقدس يسجل أنسابهم، ولا كانوا يعرفون إسماعيل إلا من روايات قليلة عن اليهود والمسيحيين. فكان السهل على محمد أن يقول للعرب: أنتم من نسل إسماعيل، وهذا يمنحكم مكانة دينية، ولكن هذا لا يغير حقيقة أن العرب كانوا وثنيين قبل الإسلام، ولم يكن لهم أي دور في التاريخ المقدس كما يصوره اليهود.

والآن، إذا أردنا أن ننظر إلى الأمر بموضوعية، سنجد أن نسب محمد إلى إسماعيل هو أشبه بقصة خيالية اختلقها المسلمون لإعطاء أنفسهم مكانة في التاريخ الديني، وإثبات أنهم ليسوا مجرد أمة من الوثنيين، بل هم من نسل نبي. ولكن هذه القصة تتعارض مع النص التوراتي الذي لا يعترف بإسماعيل كأب شرعي لنسل إبراهيم، وتتعارض مع التاريخ المعروف للعرب، الذين كانوا يعيشون في الجزيرة العربية منذ آلاف السنين، ولم يكن لهم أي صلة بإبراهيم أو إسماعيل قبل ظهور الإسلام. ولا توجد أي وثيقة تاريخية أو أثرية تثبت أن إسماعيل سكن مكة أو أن ذريته هي التي أسست الكعبة، فكل هذه الروايات مأخوذة من المصادر الإسلامية وحدها، وهي غير قابلة للتحقق بأي دليل خارجي.

والأغرب من ذلك، أن القرآن نفسه لا يذكر أي شيء عن نسب محمد إلى إسماعيل، بل يكتفي بالقول إن إبراهيم كان حنيفاً مسلماً، وأن إسماعيل كان نبياً، ولكن لا يربط بين محمد وإسماعيل بعلاقة نسب محددة. فلو كان هذا النسب مهماً لأمر به الله في القرآن، ولكان آية واضحة، ولكن القرآن صمت، تاركاً الباب مفتوحاً للنسّابين ليختلقوا ما شاءوا، وهذا الصمت هو الدليل الأكبر على أن النسب ليس من الوحي، بل هو من صنع البشر، الذين حاولوا أن يملأوا فراغاً تاريخياً بإضافات غير موثوقة.

في النهاية، نجد أن محاولة محمد للتقرب إلى اليهود بنسب إسماعيل باءت بالفشل، لأن اليهود كانوا يعرفون أن إسماعيل ليس نبياً، وأن العهد مع إسحاق فقط، وأن أي نبي من خارج بني إسرائيل هو نبي كذاب بحسب معاييرهم. ولهذا السبب، لم يؤمن اليهود بمحمد، بل ناصبوه العداء، واتهموه بالجهل والتزوير. وهذا يثبت أن مشروعية محمد النبوية كانت قائمة على أساس وهمي من البداية، لأنه احتاج إلى نسب لا يملكه، وإلى اعتراف لم ينله، وإلى كتاب يخالف كتابهم، وإلى شريعة تتعارض مع شريعتهم. فكان المصير الطبيعي لهذا المشروع أن يرفضه اليهود، وأن ينقسم المسلمون عنه بعد وفاته، وأن تبقى قضية النسب معلقة بين روايات متضاربة لا تسمن ولا تغني من جوع، ولكنها تكفي لإثبات أن كل هذه الأنساب ليست أكثر من خرافات صنعها البشر لتبرير سلطتهم الروحية، وأن الله الحقيقي لو أراد أن يرسل نبياً لما احتاج إلى نسب مزوّر يصل إلى آدم، بل كان سيكتفي بحجة العقل والإيمان، دون الحاجة إلى هذه السلسلة الطويلة من الأسماء التي لا يصدقها إلا من غلبه الهوى على العقل.




.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...