Translate

المهدي المحتضر وجيش الخصيان في حرب آخر الزمان (مقال)

.


.
المهدي المحتضر وجيش الخصيان في حرب آخر الزمان




منذ أكثر من ألف ومئتي سنة والمهدي المنتظر أو المحتضر يقبع في سردابه أو مجاريه أو أي حفرة رطبة مظلمة اختارها لنفسه، يمارس هوايته السرية المفضلة بلا انقطاع حتى اضمحل عضوه الذكري وصار أثراً بعد عين. هذه هي الحقيقة العارية التي يرفض أتباعه الاعتراف بها وهم ينتظرون خروجه بسيفه ولوائه وجيشه الجرار. الرجل الذي يفترض أن يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً قد استغرقته العادة السرية قروناً طويلة حتى فقد القدرة على الوقوف أصلاً، فضلاً عن قيادة أي جيش أو مواجهة أي عدو. والمحزن والمضحك في آن واحد أن دولة الملالي بأكملها، دولة البغال والحمير، ما زالت تعلق آمالها على هذا الرجل المضمحل، وتنتظر خروجه كما ينتظر المدمن جرعته التالية، بينما العالم من حولها يتطور بالصواريخ الدقيقة والقنابل النووية والذكاء الاصطناعي الذي يدير المعارك في أجزاء من الثانية.

تخيل معي المشهد الكوميدي الأسطوري: المهدي يخرج أخيراً من سردابه بعد قرون من الانعزال والاستمناء المتواصل، يمسك بسيفه الصدئ الذي علاه الغبار والعفن، ويركب حصاناً أعرج ربما مات منذ مئات السنين وتحول إلى هيكل عظمي، ثم ينظر حوله ليجد أن جيشه المنتظر يتكون من آلاف أعضاء حزب الله الذين انفجرت فيهم أجهزة البيجر ونزعت أعضاءهم التناسلية في لحظة واحدة. جيش من منزوعي الخصيتين والقضبان، يركضون خلف مهدي فقد عضوه أيضاً من كثرة الاستخدام الفردي. أي معركة هذه التي سيخوضونها؟ وأي نصر ينتظرونه؟ سيواجهون جيوشاً حديثة تستخدم صواريخ فرط صوتية وطائرات مسيرة تتحكم بها خوارزميات الذكاء الاصطناعي وقنابل نووية قادرة على محو مدن بأكملها في ثوانٍ. والنتيجة معروفة مسبقاً كما عُرفت نهاية حسن زميرة وقادة حماس وآية الله الخامنئي: نسف فوري منذ اللحظة الأولى للخروج. ضربة واحدة دقيقة تنهي الأسطورة كلها قبل أن يتمكن المهدي من رفع سيفه أو ينطق بكلمة واحدة عن العدل الموعود.

هذه المعتقدات مثيرة للسخرية إلى درجة تجعل أي عاقل يشك في سلامة عقول من يؤمنون بها. حروب آخر الزمان بالسيوف والخيول والرماح في عصر الأقمار الصناعية والروبوتات القاتلة؟ مهدي هارب ومختفي منذ قرون يقضي وقته في ممارسة العادة السرية حتى ذبل ما تبقى منه؟ جيش من الخصيان الذين نزعت أعضاؤهم في عملية البيجر الشهيرة؟ لا بد أن من يؤمنون بهذه الخرافات لديهم أدمغة بغال وحمير حقيقية، لا مجازية. والدليل الأوضح هو دولة الملالي نفسها، تلك الدولة التي بنت وجودها كله على انتظار هذا الرجل المضمحل، وصرفت المليارات على ميليشيات وأنفاق وصواريخ وهي تردد أن الفرج قريب مع خروج المهدي. أين الفرج؟ أين الخروج؟ أين السيف الذي يملأ الأرض عدلاً؟ الجواب بسيط: المهدي مشغول في سردابه يكمل جلسته التي بدأت في القرن الثالث الهجري ولم تنتهِ بعد، وأتباعه في الخارج يبنون محاور مقاومة تنهار واحدة تلو الأخرى تحت ضربات الخصم الذي لا يؤمن بالخرافات بل يؤمن بالتفوق التكنولوجي.

لنعد قليلاً إلى تفاصيل هذه الخرافة العجيبة. الرواية الرسمية تقول إن المهدي دخل في غيبة كبرى، وإنه حي يرزق ينتظر اللحظة المناسبة. لكن المنطق البسيط يسأل: ماذا يفعل رجل حي طوال هذه القرون في مكان مغلق؟ هل يقرأ الكتب؟ هل يتمشى؟ هل يخطط للاستراتيجية العسكرية المستقبلية؟ أم أنه، كما يبدو من طول المدة وفشل كل الوعود، قد استغرقته هواية واحدة متكررة حتى فقد عضوه الذكري بالكامل؟ هذه الفرضية تفسر كل شيء. تفسر لماذا تأخر الخروج كل هذا التأخير. تفسر لماذا لم يظهر في أي من الحروب الكبرى التي مرت على المنطقة. تفسر لماذا بقي صامتاً بينما حسن زميرة يزمر بالدقائق السبع ثم ينفق في نفقه، وبينما قادة حماس يفرون كالفئران، وبينما الخامنئي يتبخر تحت الضربات. المهدي ببساطة لم يعد صالحاً للخدمة. العضو الذي كان رمزاً للرجولة والقوة في المخيلة الشعبية قد اضمحل من الإفراط، والجسد الذي يفترض أن يقود الجيوش قد أنهكه الجلوس الطويل في الظلام الرطب.

والجيش الذي سيقوده؟ هنا تصل الكوميديا إلى ذروتها. بعد عملية البيجر التي حولت آلاف عناصر حزب الله إلى منزوعي أعضاء تناسلية في ثوانٍ معدودة، أصبح المحور كله جاهزاً ليكون جيش المهدي المثالي. خصيان يركضون خلف خصي أكبر منهم. سيخرج المهدي بسيفه، وينظر إلى جنوده الذين فقدوا ما فقدوه في الانفجارات المتزامنة، ثم يحاول أن يلهمهم للقتال ضد جيوش تمتلك أقماراً صناعية ترى كل حركة وتطلق صواريخ دقيقة من مسافات آلاف الكيلومترات. النتيجة لن تكون معركة، بل مشهد كوميدي سريع ينتهي بنسف جماعي. تماماً كما نُسف حسن زميرة في مخبأه، وكما طار قادة حماس من جراء حماقة السنوار، وكما تبخرت قيادات الملالي واحداً تلو الآخر. الخرافة لا تصمد أمام الواقع، والسيف لا يصمد أمام الصاروخ، والحصان لا يصمد أمام الطائرة المسيرة، والمهدي المضمحل لا يصمد أمام أي شيء.

دولة الملالي هي التجسيد الحي لهذه الحماقة الجماعية. دولة بغال وحمير بكل معنى الكلمة. حكامها يصرفون ثروات الشعب على تمويل ميليشيات تنهار، وعلى بناء أنفاق تتحول إلى قبور، وعلى إطلاق تهديدات بالدقائق المعدودة ثم يكتشفون أن الخصم لا ينتظر الدقائق بل يضرب أولاً. وكل ذلك تحت شعار انتظار المهدي. كأن المهدي سيخرج يوماً ليصحح أخطاءهم كلها، ويعيد لهم الأعضاء التي نزعت، ويعيد لهم الزعماء الذين نُسفوا، ويعيد لهم الهيبة التي تبخرت. لكن المهدي مشغول. ربما يحاول في هذه اللحظة بالذات أن يستعيد شيئاً مما فقده من كثرة الإفراط، أو ربما استسلم تماماً للأمر الواقع وقرر أن الغيبة أفضل من مواجهة عالم لم يعد يؤمن بالسيوف والخيول.

الأكثر إثارة للسخرية هو الإصرار على أن حروب آخر الزمان ستكون بالطريقة القديمة. سيوف ورماح وخيول ودروع. في وقت يمتلك فيه العالم أسلحة تدمر مدناً بأكملها من مسافة آلاف الكيلومترات دون أن يرى الجندي وجه عدوه. الذكاء الاصطناعي يدير المعارك الآن، يحلل البيانات في أجزاء من الثانية، يوجه الصواريخ بدقة متناهية، ويقرر من يعيش ومن يموت دون عاطفة أو تردد. أين مكان المهدي وسيفه في هذا العالم؟ أين مكان جيش الخصيان؟ الجواب: لا مكان. سيكونون مجرد هدف سهل في شاشة رادار، مجرد إحداثيات تُضغط عليها زر فيطلق الصاروخ وينتهي كل شيء قبل أن يتمكن أحدهم من الصهيل أو التلويح بالسيف.

هذا هو جوهر الخرافة كلها: اعتقاد بأن الزمن توقف عند القرون الوسطى، وأن التكنولوجيا الحديثة مجرد وهم سيزول عند خروج الرجل المضمحل من سردابه. لكن الزمن لم يتوقف. العالم تغير، والأسلحة تغيرت، والحروب تغيرت، بينما المهدي لا يزال في مكانه يكمل هوايته التي أفقدته رجولته. وأتباعه لا يزالون ينتظرون، يبنون دولاً على الرمال، ويطلقون زمّارات تنفجر في وجوههم، ويحفرون أنفاقاً تتحول إلى قبور جماعية. كل ذلك لأن أدمغتهم، كما يبدو، مصنوعة من المادة نفسها التي تُصنع منها أدمغة البغال والحمير: مادة صلبة تقاوم المنطق، وتفضل الخرافة على الواقع، وتختار الانتظار الطويل على مواجهة الحقيقة المرة.

والحقيقة المرة واضحة كالشمس: المهدي إن خرج فسيخرج ضعيفاً متهالكاً فاقداً لأهم أدواته، يقود جيشاً من منزوعي الأعضاء، ويواجه عالماً يمتلك أسلحة تجعله يبدو كطفل يحمل عصا خشبية أمام دبابة. والنتيجة لن تكون ملء الأرض عدلاً، بل نسف سريع ونهاية كوميدية تليق بكل الخرافات التي سبقته. حسن زميرة نُسف، وقادة حماس طاروا، والخامنئي تبخر، والمحور انهار، والمهدي لا يزال في سردابه مشغولاً بما تبقى له من وقت. هذه هي بركات الانتظار الطويل: عضو مضمحل، وجيش خصيان، ودولة بغال، وخرافة لا تموت لأنها ترفض أن تواجه المرآة.

في النهاية يبقى المشهد معلقاً إلى الأبد. السرداب مغلق، والمهدي داخله يواصل ما بدأه منذ قرون، والخارج مليء بأنقاض المحاور المنهارة وبقايا الأجهزة المنفجرة وأصوات الناس الذين اكتشفوا متأخرين أن الانتظار كان عبثاً. والبغال والحمير لا يزالون يهتفون باسمه، ويعدون أنفسهم لجيشه، ويحلمون بيوم يخرج فيه ليقودهم إلى النصر الموعود. لكن النصر لن يأتي. لأن الرجل الذي ينتظرونه قد فقد ما يجعله رجلاً، والجيش الذي سيجدونه قد فقد ما يجعله جيشاً، والعالم الذي سيواجهونه قد تجاوز مرحلة السيوف والخيول منذ زمن بعيد. وهذه هي أكبر نكتة في تاريخ الخرافات كلها: انتظار طويل ينتهي بلا شيء، سوى المزيد من الضحك المر على من صدقوا الحكاية حتى النهاية.





.

زمّارة المقاومة لا تساوي صرماية (مقال)

.

.
زمّارة المقاومة لا تساوي صرماية





في زمن كان فيه الكلام أرخص من الهواء في بيروت وغزة وطهران، ظهر حسن زميرة على الشاشات كأنه نبيّ جديد للمقاومة، يزفّ البشائر كل بضعة أشهر، ويعدّ الدقائق السبع أو الثماني التي سيمحو فيها إسرائيل من الخريطة. كان الصوت جهورياً، واليد ترتفع، واللحية تهتزّ، والجمهور يصفق كأنه يشاهد فيلماً هندياً قديماً. لكن الزمّارة، كما يعرف كل طفل سوري أو لبناني، تصدر صوتاً مزعجاً فقط، ثم تنفجر أو تنقطع خيوطها. وهذا بالضبط ما حدث لمحور المقاولة والمتعة، ذلك الاسم الذي كان يُقدَّم للعالم على أنه محور المقاومة والممانعة، فإذا به يتحول إلى سلسلة من المهازل المتتالية التي لا تصلح إلا لمسرح كوميدي رديء الإنتاج.

بدأ المشهد الأول مع حماقة يحيى السنوار، ذلك الرجل الذي ظنّ أن السابع من أكتوبر سيكون بداية النهاية لإسرائيل، فإذا به يصبح بداية النهاية لحماس نفسها. خطط السنوار في الأنفاق كأنه يخطط لحفل زفاف كبير، ودعا الضيوف من كل مكان، ثم اكتشف أن الضيوف لم يأتوا، وأن العريس الوحيد الذي حضر هو الجيش الإسرائيلي. فرّ قادة حماس الإرهابية كأنهم فئران خرجت من مخبز محترق. بعضهم طار إلى قطر، وبعضهم اختبأ في أنفاق أعمق، وبعضهم اختفى كأن الأرض ابتلعته. كان السنوار يتحدث عن تحرير فلسطين في خطب طويلة، بينما كان داعموه في طهران يرسلون له التهاني عبر الرسائل المشفرة، ثم أدرك الجميع أن الحماقة كانت مشتركة. حمير إيران الذين موّلوا ودربوا وصفقوا، وجدوا أنفسهم أمام حقيقة مرّة: الزمّارة لا تحارب، والتهديدات لا تبني دولاً، والأنفاق لا تحمي من الطائرات التي ترى في الظلام. تحولت حماقة السنوار إلى نكتة عالمية، حيث يسأل الناس الآن: أين هم أولئك الذين كانوا يعدون بسحق إسرائيل في دقائق؟ الجواب بسيط: بعضهم مات تحت الأنقاض، وبعضهم يختبئ خلف ستائر الفنادق الفاخرة في الدوحة، يتذكرون أيام المجد الزائف ويأكلون الكافيار وهم يلعنون الحظ.

ثم جاء المشهد الثاني، مشهد الحمار بشار الأسد، أبو كلسون، الذي حكم سوريا عقوداً بالحديد والنار والكيمياوي. كان الأسد جزءاً أصيلاً من محور المقاولة والمتعة، يرسل رسائل التضامن إلى زميرة، ويستقبل وفود الحرس الثوري، ويستخدم شعارات الممانعة ليبرر قتل شعبه. لكن الحمار سقط، وسقط معه كل الأوهام. هرب أو اختفى أو انتهى أمره كما تنتهي الحكايات القديمة عن الطغاة. وبعده أتت بهائم الجماعات الإرهابية السنية، تلك التي كانت تتنافس على من يرفع الراية السوداء أعلى، ومن يقطع الرؤوس أسرع، ومن يعلن الخلافة في أصغر قرية. تحولت سوريا من مسرح لممانعة مزعومة إلى سوق مفتوح للفوضى، حيث يتقاتل الجميع على الأنقاض، ويبحثون عن مهديّ جديد في كل سرداب. كان الأسد يظن نفسه أسداً، فإذا به حمار يحمل على ظهره أثقال المحور كله، ثم ينهار تحتها. والمفارقة الكوميدية أن الذين جاؤوا بعده لم يكونوا أفضل حالاً؛ بهائم جديدة تتحدث بلغة قديمة، وتعد بالجنة وهي تغرق في الوحل.

أما حزب الله، ذلك الحزب الذي بنى إمبراطوريته على دماء اللبنانيين والسوريين، فقد تعرض لأجمل فصل كوميدي في تاريخ الحروب الحديثة. عملية البيجر كانت تحفة فنية نادرة. آلاف الأجهزة التي كان يحملها حمير الحزب في جيوبهم وعلى أحزمتهم، انفجرت فجأة كأنها ألعاب نارية في عيد ميلاد فاشل. انفجرت في الأيدي، وفي الوجوه، وفي الشوارع، وفي الاجتماعات السرية. تحولت الضاحية الجنوبية إلى مسرح صامت مليء بالصراخ المكتوم. ثم جاءت عملية «تولكي ولكي»، تلك الضربة التي أعادت الكرّة بأسلوب أكثر أناقة، فمسحت ما تبقى من القيادات والكوادر كأن شخصاً يضغط زراً في جهاز تحكم عن بعد. آلاف الحمير الذين كانوا يتدربون على اقتحام الجليل ويحفظون خطب زميرة عن ظهر قلب، وجدوا أنفسهم فجأة بلا أجهزة اتصال، بلا قادة، بلا خطط. كان المشهد يشبه فيلماً صامتاً قديماً: رجال يركضون في الشوارع وهم يمسكون آذانهم، وآخرون يبحثون عن هواتف جديدة كأن الهاتف سيعيد لهم المجد. والمحور كله كان يراقب من بعيد، يرسل بيانات التنديد والاستنكار، بينما الزمّارة نفسها صامتة في مخبئها.

ثم جاء الدور على حسن زميرة نفسه. الرجل الذي قضى عقوداً يهدد ويزمر ويعد بالدقائق السبع، نفق في النفق. ليس نفقاً بطولياً كما كانت الدعاية تقول، بل نفقاً أو سرداباً أو مبنى تحت الأرض تحول إلى قبر جماعي. الضربة الإسرائيلية جاءت كأنها نهاية فصل طويل من المسرحية الرديئة. اختفى الصوت الجهوري، واختفت اليد المرفوعة، واختفت اللحية المهتزة. تحول زميرة من أسطورة حية إلى ذكرى ساخرة يتداولها الناس على وسائل التواصل مع صور الزمّارة البلاستيكية. كان يظن أن الأنفاق ستحميه كما حمت السنوار مؤقتاً، فإذا بالنفق يصبح فخاً أخيراً. والمحور الذي كان يرتعد لخطبه، اكتشف فجأة أن الزعيم مات، وأن الزمّارة انقطعت، وأن المسرح أصبح فارغاً. لم يعد هناك من يزمر، ولم يعد هناك من يصفق.

أما نظام الملالي في طهران، ذلك النظام الذي بنى شرعيته على تصدير الثورة وتفخيذ الرضيعة والبيدوفيليا المقنعة بغطاء ديني، فقد تعرض لمسح شامل. القيادات التي كانت تتحدث عن محو إسرائيل في ثماني دقائق، تبخرت واحدة تلو الأخرى. الضربات جاءت متتالية، دقيقة، صامتة أحياناً، مدوية أحياناً أخرى. حمار الملالي، الخامنئي نفسه، تبخر. الرجل الذي كان يجلس في مكتبه يصدر الفتاوى ويعد باليوم الموعود، اختفى كأن ريحاً قوية حملته بعيداً. وقيل إن بركات الخميني البيدوفيل، ذلك المؤسس الذي بدأت معه الحكاية كلها، عادت لتطارد أحفاده الروحيين. النظام الذي كان يفاخر بصواريخه وأنفاقه وميليشياته، وجد نفسه أمام حقيقة بسيطة: التهديدات لا تصمد أمام الطائرات، والدعاية لا تحمي من الصواريخ، والسرداب الذي ينتظر فيه المهدي المحتضر قد يكون في الحقيقة مجرىً للصرف الصحي.

وهكذا انهار محور المقاولة والمتعة قطعة قطعة. بدأ بحماقة السنوار التي أرسلت قادة حماس يطيرون كالطيور المذعورة، مروراً بسقوط الحمار الأسد وصعود البهائم الجديدة، ثم نسفت إسرائيل آلاف حمير حزب الله في ضربات متتالية، ثم نفق زميرة في نفقه، ثم مسحت قيادات الملالي مسحاً، وتبخر الخامنئي. كل ذلك حدث بينما كان المحور يكرر الشعارات القديمة عن المقاومة والممانعة، كأن التكرار سيعيد الموتى إلى الحياة. كانت المسرحية طويلة، مليئة بالمشاهد المضحكة والمبكية في آن واحد. جمهور كبير صفق سنوات طويلة، ثم اكتشف أن الممثلين كانوا مهرجين، وأن النص كان مكتوباً بحبر رديء، وأن النهاية كانت معروفة مسبقاً لمن يملك عيناً ترى.

اليوم، بعد كل هذه الفصول، يبقى السؤال معلقاً في الهواء: أين المهدي الذي كانوا ينتظرونه في السرداب أو في المجاري؟ هل سيخرج ليصحح الأخطاء، أم أنه اكتفى بالمشاهدة من بعيد وهو يضحك على بهائم كانوا يظنون أنفسهم أبطالاً؟ الجواب، كما يبدو، ليس مهماً. المهم أن الزمّارة صمتت، وأن المحور تحول إلى ذكرى ساخرة، وأن الدقائق السبع أو الثماني أو الخمس التي كانوا يعدون بها أصبحت نكتة يتداولها الناس في المقاهي. كانت مسرحية طويلة، لكنها انتهت أخيراً، وتركت وراءها أنقاضاً وضحكاً مريراً ودرساً واحداً واضحاً: من يعيش على الزمّارة يموت بصوتها.





.

تفكيك خرافة ذي القرنين القرآنية وسقوطها في ضوء العقل والمنطق والتاريخ (مقال)

.


.
تفكيك خرافة ذي القرنين القرآنية وسقوطها في ضوء العقل والمنطق والتاريخ





مقدمة

تعد قصة ذي القرنين من أكثر النصوص القرآنية إثارة للجدل، ليس فقط لأنها تحمل طابعاً أسطورياً واضحاً، بل لأنها تطرح إشكاليات معرفية وأخلاقية وتاريخية لا يمكن التوفيق بينها وبين أي تصور عقلاني للكون والإنسان. ففي زمن تسود فيه العلوم الدقيقة والمناهج النقدية، يصبح من العسير على أي عقل متحرر أن يتقبل فكرة ملك قديم سار إلى مشارق الأرض ومغاربها، وبنى سداً من حديد ونحاس بين جبلين لحماية البشرية من قوم همجيين سيُطلق سراحهم في نهاية الزمان. هذه القصة، التي تكرسها المؤسسات الدينية كحقيقة مقدسة، تنهار تحت وطأة المنطق والتاريخ والنقد النصي، لتكشف عن نفسها كإحدى الأساطير التي استعارها النص القرآني من التراث السرياني واليهودي، ثم أعاد صياغتها بما يتلاءم مع السياق الثقافي والديني للجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي. ولكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة: هل يمكن لنص ادعى العصمة الإلهية أن يحتوي على مثل هذه الخرافات؟ الجواب، من منظور العقل والمنطق، هو نفي قاطع، لأن القصة ليست فقط غير قابلة للإثبات التاريخي، بل إنها تتعارض مع كل ما نعرفه عن الجغرافيا والفيزياء وعلم الإنسان، والأكثر إشكالية أنها تحمل رؤية أخلاقية مشوهة عن الإله الذي يخلق شراً ثم يحبسه ثم يطلقه في وقت لاحق ليعم الفساد في الأرض، وكأنه مهندس دراما عبثية لا معنى لها سوى إثبات هيمنته المطلقة على مصير البشر.




الهوية الغامضة لذي القرنين بين التاريخ والأسطورة

تبدأ الإشكالية الأولى مع شخصية ذي القرنين نفسها، ذلك أن النص القرآني يقدمه كملك صالح آتاه الله من كل شيء سبباً، لكنه يمتنع عن تسميته أو تحديد هويته بدقة، تاركاً الباب مفتوحاً أمام مئات التخمينات التي تملأ كتب التفسير والتاريخ الإسلامي. بعض المفسرين قالوا إنه الإسكندر الأكبر، استناداً إلى الأساطير السريانية التي صورت الإسكندر كملك مؤمن بنى سداً ردماً، بينما ذهب آخرون إلى أنه كورش الفارسي، أو أحد ملوك اليمن الحميريين، أو حتى ملك من ملوك الصين. هذا التضارب في تحديد الهوية ليس مجرد خلاف ثانوي عابر، بل هو دليل جوهري على أن القصة لم تكن مبنية على معرفة تاريخية يقينية، بل على روايات شفهية متناقلة من ثقافات مختلفة، مزجت بين الإسكندر الفاتح وبطل ملحمة جلجامش وبعض الملوك الأسطوريين في الشرق الأدنى القديم. والأمر الأكثر إثارة للريبة هو أن الإسكندر الأكبر، الذي يجمع معظم الباحثين على أنه النموذج الأقرب لقصة ذي القرنين، كان وثنياً يونانياً لم يؤمن بالله الواحد، وهذا يتناقض تماماً مع صورة الملك الموحد المؤمن التي يرسمها القرآن. فكيف يمكن لنبي أو ملك أوحى إليه الله أن يكون نفس الشخص الذي كان يعبد الآلهة اليونانية ويتخذ من الكهنة الوثنيين مستشارين له؟ هذا التناقض يكشف أن النص القرآني لم يكن مهتماً بالحقيقة التاريخية بقدر ما كان مهتماً باستعارة قصة جاهزة ثم إعادة صياغتها لتناسب الخطاب الدعوي الجديد، وهو ما يؤكد أن القصة ليست وحياً إلهياً بل نتاج تفاعل بشري مع الأساطير السائدة في بيئة الحجاز التي كانت تعج بالروايات التوراتية والإنجيلية والسريانية.

أما الذين حاولوا إرجاع ذي القرنين إلى كورش الكبير فإن حجتهم تنهار أيضاً أمام نصوص التوراة والتاريخ الفارسي، ذلك أن كورش لم يوصف قط في أي مصدر قديم بلقب "ذي القرنين"، ولم تذكر المصادر أنه بنى سداً من حديد في أقصى الشرق، بل كان مشغولاً بتحرير اليهود من السبي البابلي وتوسيع إمبراطوريته غرباً لا شرقاً. وإذا انتقلنا إلى الفرضية اليمنية، فإنها تبدو أكثر ضعفاً لأن ملوك اليمن المعروفين لم يبلغوا من القوة والسلطان ما يجعلهم يصلون إلى أطراف الأرض ويواجهون أقواماً أسطورية مثل يأجوج ومأجوج. هذا الغموض المتعمد، أو الناتج عن عدم معرفة المصدر الأصلي، يدفع العقل الناقد إلى التساؤل: لماذا يصمت النص القرآني بهذا الشكل عن اسم الشخصية المحورية في القصة، بينما يذكر أسماء أنبياء آخرين بتفاصيل أكثر وضوحاً؟ الإجابة المنطقية هي أن النص لم يكن يعرف الاسم الحقيقي لأنه كان ينقل رواية شفهية مبتورة، أو أنه تعمد إبقاء الأمر غامضاً لتجنب مواجهة الأسئلة التاريخية المحرجة التي كان سيثيرها تحديد هوية الملك على وجه الدقة. وفي كل الأحوال، فإن هذا الغموض لا يخدم قدسية النص، بل يكشف عن طبيعته البشرية التي تأثرت بالروايات المتضاربة التي كانت تتردد في أسواق مكة والمدينة.




يأجوج ومأجوج بين الأسطورة السريانية والواقع الجغرافي

أما الفصل الأكثر غرابة في هذه القصة فهو الحديث عن يأجوج ومأجوج، ذلك القوم المفسدين الذين حاصرهم ذو القرنين خلف سد عظيم، في انتظار أن يأذن الله لهم بالخروج في آخر الزمان ليعيثوا فساداً في الأرض. من الناحية التاريخية، فإن مصطلح يأجوج ومأجوج ليس إلا تحريفاً للكلمتين العبريتين "غوغ وماغوغ" اللتين وردتا في سفر حزقيال التوراتي، حيث يظهر غوغ كزعيم شرير يقود جيوشاً من أرض ماغوغ لمحاربة شعب الله، ثم في رؤيا يوحنا حيث تتحول ماغوغ إلى رمز للشعوب الوثنية التي ستحارب المسيح في نهاية الأزمنة. هذا المصطلح انتقل إلى التراث السرياني المسيحي بصيغته المحرفة "ياجوج وماجوج"، ومن هناك تسرب إلى الثقافة العربية عبر القصص الشعبية التي كان يروح بها اليهود والنصارى في مناطق الشام والعراق، فاستعاره القرآن واستعمله كأداة ترهيبية لإثارة الخوف من الآخر المجهول. لكن المشكلة التاريخية تنشأ عندما نبحث عن هذه الأقوام في أي خريطة جغرافية قديمة أو حديثة، فلا نجد أثراً لهم لا في أرمينيا ولا في القوقاز ولا في الصين ولا في أي بقعة من العالم، رغم أن المفسرين حاولوا إسقاطهم على شعوب مثل التتار والمغول والترك، لكن كل هذه المحاولات فشلت لأنها لا تتطابق مع الوصف القرآني الذي يتحدث عن قوم خلف سد حديدي لا يمكن اختراقه، وهذا السد غير موجود على الأرض ولا توجد أي بقايا له ولا أي أثر مادي، بل ولا أي ذكر له في أي مصدر تاريخي غير إسلامي.

والأكثر من ذلك، أن الوصف الجغرافي للقصة يبدو ساذجاً من الناحية العلمية، فالقرآن يصور ذا القرنين وهو يسير حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة، وهذا التعبير يفهم منه ظاهرياً أن الشمس تغرب في ماء أو وحل، وهو ما يتناقض تماماً مع الحقائق الفلكية الثابتة التي تقول إن الشمس لا تغرب في مكان محدد على الأرض، بل إن غروب الشمس هو ظاهرة بصرية ناتجة عن دوران الأرض حول نفسها، والشمس أكبر من الأرض بمليون مرة ولا يمكن أن تغرب في عين حمئة على الإطلاق. لقد حاول المفسرون المعاصرون التملص من هذا الإشكال بتأويل "عين حمئة" إلى أنه تعبير مجازي يعني أن الشمس بدت في الأفق وكأنها تغرب في البحر، لكن هذا التأويل يتعارض مع النص الذي يتحدث عن بلوغ مكان محدد ورؤية مشهد مادي، وليس مجرد إدراك بصري عابر. فلو كان ذو القرنين قد سار إلى أقصى الغرب، فأين هو هذا المكان اليوم؟ هل يوجد على شواطئ المحيط الأطلسي أي مكان يبدو فيه غروب الشمس كأنه في عين حمئة؟ الإجابة هي لا، لأن هذا الوصف ينتمي إلى الأساطير القديمة التي كانت تعتقد أن الأرض مسطحة ولها نهايات تصل إليها الشمس عند المغيب والمشرق، لكن العلم الحديث أثبت كروية الأرض وأن الشمس لا تشرق ولا تغرب على إنسان بعينه، بل هي ثابتة نسبياً والحركة هي حركة الأرض. هذا التناقض العلمي الفادح يؤكد أن النص ليس من عند خالق الكون الذي يعرف حقائق الفيزياء والفلك، بل هو من نتاج ثقافة بشرية كانت تعيش في إطار النموذج الأرضي المسطح للكون، وهو النموذج السائد في الشرق الأدنى القديم.

أما مسألة السد المصنوع من حديد ونحاس الذي بناه ذو القرنين بين الجبلين، فهي تبدو أقرب إلى حكايات ألف ليلة وليلة منها إلى الوقائع التاريخية الممكنة، لأن بناء سد بهذه المواد وبذلك الحجم الضخم لاحتجاز شعوب بأكملها يتطلب تكنولوجيا متطورة جداً لا تتوفر في العصور القديمة، ولا يقتصر الأمر على التكنولوجيا بل إن المنطق الفيزيائي نفسه يرفض إمكانية احتجاز بشر خلف سد من الجبال، إذ كيف يمكن لجماعة بشرية أن تبقى خلف جبلين دون أن تتسلق الجبال أو تحفر تحتها أو تهاجم السد من الخارج أو تموت جوعاً وعطشاً بسبب الحصار؟ إن وصف يأجوج ومأجوج وكأنهم سجناء في زنزانة جغرافية ضخمة هو وصف طفولي لا يقارن مع أي حالة تاريخية أو أنثروبولوجية لشعوب عاشت في العزلة الجغرافية، فحتى أكثر الشعوب انعزالاً مثل قبائل الأمازون أو سكان جزر أندامان لم يكونوا مسجونين خلف سدود من حديد، بل كانوا يعيشون في مناطق نائية بسبب الظروف الطبيعية وليس بسبب بناء بشري خارق. وإذا كان القرآن يصف هؤلاء القوم بأنهم "لا يكادون يفقهون قولاً"، فكيف استطاعوا أن يتواصلوا مع ذي القرنين؟ وكيف استطاعوا هم أن يطلبوا منه بناء السد إذا كانوا لا يفهمون الكلام؟ هذا تناقض لغوي ومنطقي آخر يضاف إلى سلسلة التناقضات التي تعج بها القصة.




الإشكالية الأخلاقية في خلق الشر وتأجيله

لكن المعضلة الأعمق في قصة ذي القرنين ليست تاريخية ولا جغرافية ولا علمية، بل هي معضلة أخلاقية فلسفية، تتعلق بفكرة الإله الذي يخلق أقواماً مفسدين في الأرض، ويعلم أنهم سيكونون كذلك، ثم يبعث ملكاً صالحاً ليحبسهم خلف سد، ثم ينتظر قيام الساعة ليطلق سراحهم مرة أخرى فيعيثوا فساداً كبيراً في الأرض، وكأنه يستمتع بخلق دراما العنف والشر التي تتكرر على مر العصور. إن أي عقل منطقي سيسأل مباشرة: إذا كان الله عالماً بكل شيء وقادراً على كل شيء، فلماذا خلق يأجوج ومأجوج أصلاً وهو يعلم أنهم سيكونون مصدر فساد وشر للبشرية؟ ولماذا لم يعدهم بمحوهم من الوجود بدلاً من حبسهم مؤقتاً؟ ولماذا يؤجل عقابهم أو إفنائهم إلى آخر الزمان ليفتكوا بمن سيعيشون في ذلك الوقت، بينما يعفو عن البشر الذين يعيشون اليوم؟ هذه الأسئلة ليست مجرد تشكيك عقيم، بل هي أسئلة مشروعة تفضح الفوضى الأخلاقية في هذا التصور الإلهي، فالرحمة الإلهية التي يزعمها القرآن تفترض أن تكون شاملة لكل زمان ومكان، لكن ما نجده في قصة يأجوج ومأجوج هو عكس ذلك تماماً، حيث يتوقف مصير البشر على التوقيت الزمني الذي يختاره الله، وكأن حياة الناس اليوم ليست بقيمة حياة الناس غداً. هذا النوع من "الرحمة المؤجلة" هو أشبه برحمة طاغية يحبس سجيناً ثم يطلقه بعد حين ليفتك بالآخرين، ثم يدعي أنه رحيم لأنه أجل التنفيذ، لكن الحقيقة أن الإرجاء لا يغير من طبيعة الفعل شيئاً، فمن يخلق الشر ويتيح له الفرصة لينتشر ليس رحيماً بل هو شريك في ذلك الشر، سواء بفاعلية مباشرة أو بإرادة صامتة.

يحاول بعض اللاهوتيين الدفاع عن هذا التناقض بالقول إن الشر ضروري لظهور الخير، وأن الله يخلق الشر ليختبر الإنسان أو ليعلمه الصبر أو ليعزز إرادته الحرة. لكن هذه المبررات تنهار بسرعة أمام قصة يأجوج ومأجوج، لأن هؤلاء القوم لا يوصفون بأنهم بشر يخضعون لامتحان أو يمتلكون إرادة حرة، بل هم أشبه بقوى طبيعية عمياء، "لا يكادون يفقهون قولاً"، أي أنهم غير عاقلين ولا يتحملون مسؤولية أخلاقية عن أفعالهم، بل خلقوا مفسدين بطبعتهم وليس باختيارهم، وبالتالي فإن معاقبتهم أو السماح لهم بالإفساد يكون غير مبرر أخلاقياً، لأن العقاب يفترض وعياً وإرادة، وهما مفقودان في حالتهم. وإذا كان الله هو من خلقهم على هذه الصفة دون خيار منهم، فلماذا لا يعدل عن خلقتهم أو يغير طبيعتهم؟ لماذا يحتاج إلى سد حديدي ليحفظ البشر من شرهم، بدلاً من أن يحول دون خلقهم من الأساس؟ إن الإجابة الوحيدة المنطقية على هذه الأسئلة هي أن القصة هي نتاج بشر يعيشون في بيئة تعج بالصراعات القبلية والأساطير الفارسية والرومانية، فاستعاروا نموذج "العدو الهمجي الخارق" كأداة لتوحيد جماعتهم حول الخوف من الآخر، ولتبرير سلطة الملك أو القائد الذي يحمي المجتمع من ذلك العدو الخرافي. وما يعزز هذه القراءة هو أن يأجوج ومأجوج يظهران في آخر الزمان في سياق إسكاتولوجي يهدف إلى إثارة الرهبة والخوف، وكأن الدين لا يستطيع أن يقوم على الحب والرحمة وحدها، بل يحتاج إلى التهديد بالفساد الشامل لإبقاء الناس في حالة من الانقياد والخضوع.




النقد النصي والتاريخي وأزمة المصدر

عندما ننتقل إلى مستوى النقد النصي، نجد أن قصة ذي القرنين تعاني من مشكلة أكثر جوهرية، وهي أنها ليست جزءاً من النص القرآني الأولي الثابت، بل هي جزء من الطبقة السردية التي تشكلت عبر عقود من التدوين والتحريف، وهو ما تؤكده الدراسات الأكاديمية الحديثة التي تعامل القرآن كوثيقة تاريخية وليس كنص مقدس معصوم. تبين المخطوطات القديمة للقرآن، مثل مخطوطات صنعاء التي تم اكتشافها في السبعينيات، وجود اختلافات واضحة في النصوص والترتيب، مما يدل على أن القرآن لم يكن كتاباً موحداً ومضبوطاً خلال القرن الأول الهجري، بل كان مجموعة نصوص متحركة قابلة للتغيير والحذف والإضافة. قصة ذي القرنين نفسها، رغم أنها وردت في سورة الكهف التي تعتبر مكية، إلا أن سياقها التاريخي يوحي بأنها أضيفت أو تم توسيعها في فترة لاحقة، لأنها تتناغم مع الصراعات السياسية في العصر الأموي والعباسي، حيث كان الخلفاء يبحثون عن شرعية تاريخية لسلطانهم الواسع من خلال ربط أنفسهم بملوك الفاتحين مثل الإسكندر. ومن الملاحظ أن القصة لا تحتوي على أي إشارة إلى العرب أو الجزيرة العربية، ولا تتناسب مع واقع مجتمع مكة الذي كان يعاني من الفقر والصراعات القبلية الضيقة، وهذا يجعلها تبدو وكأنها دخيلة على النص المكي، وكأنها مستعارة من بيئة ثقافية مختلفة تماماً، ربما من الأدب السرياني المسيحي الذي كان منتشراً في المناطق الشمالية من الجزيرة العربية.

أما مسألة أسباب النزول، تلك القصص التي يزعم المفسرون أنها تشرح السياق الذي نزلت فيه الآيات، فإنها لا تقدم أي حل للإشكالات التاريخية، بل تضيف طبقة أخرى من الخرافة فوق الخرافة الأصلية، لأن أسباب النزول نفسها متضاربة ومتناقضة، وتحمل توقيع رواة عاشوا في عصور متأخرة ولم يكونوا شهوداً على أي من الأحداث المذكورة. ففي قصة ذي القرنين، نجد روايات مختلفة تذكر أن النبي محمد سُئل عن ذي القرنين من قبل يهود المدينة، أو من قبل مشركي قريش الذين ذهبوا ليسألوا أحبار يهود، وتقدم كل رواية تفاصيل مختلفة ومتعارضة، مما يعني أن هذه الروايات أُلفت بعد وفاة النبي بفترة طويلة لتفسير آيات كانت غامضة أصلاً، ولم تكن لتحمل أي سياق تاريخي معروف. وهذا التضارب يطرح سؤالاً مهماً: لماذا يحتاج القرآن إلى أسباب نزول متعددة ومتعارضة لآية واحدة؟ لماذا لم يذكر القرآن نفسه السياق التاريخي لقصته إذا كان مهتماً بالواقعية والموعظة؟ الإجابة التي يقدمها المنهج النقدي هي أن أسباب النزول هي اجتهادات لاحقة خلفها المفسرون لملء الفراغات التي تركها النص الغامض، وأن هذه الاجتهادات ليست ملزمة ولا تمتلك أي قيمة معرفية، بل هي جزء من تراث تأويلي يهدف إلى إضفاء الشرعية على النص وليس إلى فهمه فهماً موضوعياً.

وإذا أضفنا إلى ذلك الشكوك القوية حول زمن كتابة النص القرآني نفسه، حيث يذهب العديد من الباحثين الغربيين إلى أن القرآن لم يُكتب بالشكل النهائي المعروف اليوم إلا في العصر العباسي، أي بعد حوالي مائتي عام من وفاة النبي المزعومة، فإن كل الجدال حول تفسير قصة ذي القرنين يصبح نقاشاً في الفراغ، لأننا لا نتعامل مع نص محدد المصدر بل مع تراكب من الروايات والقراءات والتفسيرات التي تداخلت عبر الزمن. ففي ظل هذه المعطيات، يصبح من السذاجة الاعتقاد بأننا أمام كلمة الله المنزلة على نبيه، بل ما أمامنا هو نسيج معقد من الثقافات المختلفة، حيك على مراحل متعددة ليخدم أغراضاً سياسية ودينية متنوعة، وقصة ذي القرنين ليست سوى خيط واحد في هذا النسيج. وبالتالي، فإن أي محاولة لتقديم تأويل معاصر لهذه القصة، مثل تأويل محمد عبده ورشيد رضا الذي يرى فيها رمزاً للصراع بين قوى الخير والشر، أو تأويل الجماعات الإسلامية الذي يراها نبوءة عن صراع الحضارات، هي مجرد إسقاطات أيديولوجية لا تمت إلى النص الأصلي بصلة، لأن النص الأصلي نفسه غائب عنا ولا نملك وسيلة للتحقق منه.




انهيار التأويلات الرمزية وفشلها المعرفي

يحاول بعض المحدثين من المشايخ والمفكرين إنقاذ قصة ذي القرنين من التناقضات العلمية والتاريخية عن طريق إعادة تفسيرها تفسيراً رمزياً، فيقولون إن يأجوج ومأجوج يرمزون إلى قوى الفساد الاجتماعي كالإمبريالية والاستعمار والظلم، وأن السد الحديدي يرمز إلى المؤسسات الأخلاقية والدولية التي تحبس هذه القوى، وأن آخر الزمان هو إشارة إلى لحظة انهيار القيم الأخلاقية في العالم. ولكن هذا التأويل، على جاذبيته الخطابية، ينهار تحت وطأة معايير المنهج العلمي والنقد النصي، لأن النص القرآني لا يقدم أي دليل على أنه يقصد الرمز، بل يصر على التفاصيل المادية التي تحيل إلى واقع جغرافي وتاريخي ملموس، كالحديد والنحاس والجبلين والشمس التي تغرب في عين حمئة. ولو كان الله يريد أن يرمز بقصة ذي القرنين إلى صراع الخير والشر بشكل مجرد، لما احتاج إلى ذكر كل هذه التفاصيل الحسية، وكان بإمكانه أن يطرح الموعظة بشكل مباشر بدون هذه الزخارف الأسطورية التي لا تخدم الرسالة الأخلاقية بل تشوشها وتضيف إلى القرآن عبئاً تفسيرياً هائلاً.

والأكثر خطورة في هذا المنحى الرمزي أنه يفتح الباب أمام تأويلات لا حصر لها، فكما يمكن أن نقول إن يأجوج ومأجوج يرمزان إلى الاستعمار الغربي، يمكن أيضاً أن نقول إنهما يرمزان إلى الإسلام نفسه، كما يمكن أن نقول إن ذا القرنين يرمز إلى العقل العلماني أو إلى الزعيم السياسي الفلاني، وهذا التعدد اللانهائي للتأويلات يدمر أي معنى ثابت للنص، ويجعله مجرد مرآة تعكس ما يريد المفسر أن يراه، لا ما يقوله النص بالفعل. وإذا كان المسلمون يرفضون تأويل النص بما يخدم أغراضاً معادية للإسلام، فليس لديهم مبرر منطقي لرفض ذلك، لأن المنهج نفسه الذي يستخدمونه لتأويل القصة بما يخدم مصالحهم هو نفسه يمكن لأعدائهم أن يستخدموه لتأويلها ضدهم. هذه المعضلة المنهجية تثبت أن التأويل الرمزي ليس حلاً علمياً، بل هو هروب من مواجهة الحقائق، وهو اعتراف ضمني بأن القصة لا تحتمل المعنى الحرفي، وأن المفسرين يحاولون جاهدين إيجاد مخرج لها من التناقضات التي لا يمكن حلها.

إن الخرافة، تعريفاً، هي الاعتقاد بقصة أو حدث لا يستند إلى دليل مادي أو منطقي، ويتناقض مع المعرفة العلمية الراسخة. وبموجب هذا التعريف، فإن قصة ذي القرنين تأجوج ومأجوج هي خرافة بكل المقاييس، لأنها تفترض وجود سد حديدي ضخم غير موجود على الأرض، وتفترض وجود قوم أسطوريين محبوسين خلف ذلك السد، وتفترض أن الشمس تغرب في عين حمئة، وتفترض أن ملكاً قديماً وصل إلى نهايات الأرض كلها في رحلة واحدة، وهذا كله لا يمكن إثباته بأي دليل مادي ولا تاريخي، بل يتناقض مع ما نعرفه من الجغرافيا والفيزياء والأنثروبولوجيا. وإذا كان النص القرآني يحوي مثل هذه الخرافات في ثناياه، فكيف يمكن الإبقاء على ادعاء العصمة الإلهية والإعجاز العلمي؟ لقد انكشفت هذه الحيلة الدفاعية منذ زمن طويل، عندما حاول بعض الدعاة التوفيق بين القرآن والعلوم الحديثة، وقالوا إن كل آية في القرآن تحمل إعجازاً علمياً، ثم تفاجأوا بأن القرآن يصف الشمس والقمر والسماء والجبال بوصف بدائي يعكس تصورات أهل الصحراء في القرن السابع، وليس تصورات خالق الكون المطلق العلم. وقصة ذي القرنين هي واحدة من أبرز الأدلة على هذا الفشل الإعجازي، لأنها تطرح نموذجاً للكون يتناقض تماماً مع النموذج العلمي الحديث، ولا يمكن تأويله تأويلاً مقبولاً إلا بتحريف اللغة والابتعاد عن السياق.




الخلاصة في سقوط الأسطورة

في النهاية، تبقى قصة ذي القرنين شاهداً حياً على طبيعة النص القرآني كنتاج بشري، امتص العناصر الأسطورية من البيئات المجاورة وأعاد صياغتها في قالب ديني ليناسب الجماعة المسلمة الناشئة. إنها ليست آية من آيات الله، بل هي صفحة من تاريخ الأفكار البشرية التي شكلتها الخرافات والصراعات السياسية والأحلام بالسلطة الكونية. والعقل الذي يرفض هذه الخرافة، ويمضي نحو التنوير والمعرفة، ليس عاقاً أو مكابراً، بل هو عقل يؤمن بأن الحقيقة لا تحتاج إلى أساطير، وأن الأخلاق لا تحتاج إلى تهديدات أخروية، وأن الله الحقيقي، إن وجد، لا يحتاج إلى سد من حديد ليحمي خلقه من شر خلقه الآخرين، بل يخلقهم جميعاً على الفطرة والحكمة، ولا يميز بين جيل وجيل في رحمته وعدله. إن قصة ذي القرنين، في ضوء العقل والمنطق، ليست مجرد خطأ تاريخي أو علمي، بل هي أزمة أخلاقية ومعرفية، تعكس عجز الإنسان القديم عن تفسير العالم بعيداً عن الأسطورة، وتعكس أيضاً استغلال الدين لجهل الناس وخوفهم من المجهول، من أجل تثبيت سلطة النخب المفسرة والحكام المتوجين باسم السماء. ومع تقدم العلم واتساع دائرة المعرفة، تتهاوى هذه الأساطير واحدة تلو الأخرى، وتصبح مجرد شواهد على مراحل تطور الوعي الإنساني، لا على حقائق مطلقة يجب الإيمان بها، وعلينا أن نتعامل معها كما نتعامل مع أساطير الإغريق والفرس، بوصفها تراثاً ثقافياً يستحق الدراسة والنقد، لا بوصفها كلمات إلهية يجب الخضوع لها دون سؤال أو تمحيص. ومن هنا، فإن سقوط خرافة ذي القرنين هو انتصار للعقل البشري على الخرافة، وانتصار للعلم على التخاريف، وانتصار للحرية الفكرية على الإكراه الديني، وهي انتصارات تدفع البشرية قدماً نحو مستقبل أكثر وعياً وإنسانية.





.

خرافة فلسطين وخراب الشرق الأوسط: كيف تحوّل الشعار إلى أداة لدمار الدولة الوطنية (مقال)

.


.
خرافة فلسطين وخراب الشرق الأوسط: كيف تحوّل الشعار إلى أداة لدمار الدولة الوطنية




على مدى أكثر من سبعة عقود، تعاطت المنطقة العربية والشرق أوسطية مع القضية الفلسطينية باعتبارها مركز المجرة السياسية والأخلاقية، والمحرك الأساسي لكافة التحولات والتطورات الجيوسياسية. غير أن القراءة النقدية المتجردة لتاريخ الشرق الأوسط الحديث تكشف عن وجه آخر ومغايِر تماماً لهذه الرواية الشائعة؛ إذ يتجلى كيف تحولت هذه القضية في كثير من أبعادها ووظائفها السياسية إلى ما يشبه "الخرافة" أو الأسطورة التعبوية التي استُخدمت كذريعة كبرى لتعطيل التنمية، وتقويض سيادة الدول، وتبرير الاستبداد، وإغراق المنطقة في دوامات متتالية من الحروب والخراب الشامل. إن الوقوف عند تفاصيل هذا المسار التاريخي يوضح كيف استُغل هذا الشعار من قبل الأنظمة القومية، والجماعات الأيديولوجية الراديكالية، والدول الإقليمية التوسعية، ليكون البوابة الرئيسية التي عبرت منها مشاريع الفوضى وتفتيت المكونات الوطنية للشرق الأوسط.
بدأت أولى فصول هذه المأساة مع نشوء الدولة الوطنية الحديثة في العالم العربي عقب مرحلة الاستعمار التقليدي. فبدلاً من التركيز على بناء القواعد المؤسسية للدولة الوطنية، وترسيخ مفاهيم المواطنة، وبناء اقتصاد مستدام وتوفير التعليم والخدمات للمجتمعات الناشئة، اندفعت النخب العسكرية والقومية المتطلعة للسلطة نحو استثمار شعار "تحرير فلسطين" كأداة للشرعية السياسية. أُعلنت حالة الطوارئ الدائمة تحت شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، وهو الشعار الذي تحول عملياً إلى مقصلة أُعدمت عليها كل المحاولات المبكرة لبناء أنظمة ديمقراطية أو ممارسة المساءلة والمحاسبة. لقد تسببت هذه المراهنة الشعارية في جر الشعوب العربية إلى حروب غير متكافئة ومغامرات عسكرية غير محسوبة، أدت في النهاية إلى هزائم متكررة وضياع أجزاء واسعة من الأراضي، مترافقة مع خسائر اقتصادية وبشرية فادحة تكبدتها الدول المجاورة قبل غيرها.
ولم يتوقف تأثير هذه الأسطورة السياسية عند حدود الهزائم العسكرية الخارجية، بل امتد ليعصف بالمفهوم الجوهري لسيادة الدولة الوطنية وحكم القانون في البلدان التي استضافت التنظيمات والفصائل. وشهدت العقود التالية ظهور ظاهرة "الدولة داخل الدولة"، حيث اعتبرت الفصائل العسكرية المسلحة نفسها فوق القوانين والأنظمة المحلية للبلدان المضيفة بحجة متطلبات النضال. وتتجلى هذه المأساة بوضوح في تجربة المملكة الأردنية الهاشمية في أواخر ستينيات القرن الماضي، عندما أدى تغول التنظيمات المسلحة ومحاولاتها فرض سيطرتها الأمنية والسياسية على الأراضي الأردنية إلى صدام دموي واسع النطاق في أحداث أيلول عام 1970، وهو الصدام الذي كاد أن يطيح بالبنية الأساسية للدولة الاستقرار الأردني لولا حسم السلطات الوطنية للأمر ومواجهة هذا الخطر الاستثنائي.
ولم تكن التجربة اللبنانية أقل إيلاماً أو دماراً؛ بل كانت النموذج الأوضح لكيفية تحول هذا الشعار إلى محرك لتدمير المجتمعات المتعددة. فبعد انتقال قيادة الفصائل المسلحة إلى بيروت وتأسيس ما عُرف بـ "جمهورية الفاكهاني"، تحول لبنان من مركز ثقافي واقتصادي متألق في الشرق الأوسط إلى ساحة صراع مفتوحة ومستباحة. أسهم هذا الوجود المسلح والتصرفات المستقلة عن الدولة اللبنانية في شل مؤسسات الحكم، وتأجيج الاحتقان الطائفي والمذهبي، مما شكل الشرارة الكبرى التي فجرت الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975. لقد استُخدمت الأراضي اللبنانية كمطية لمصالح فصائلية وإقليمية، ودُفعت البلاد إلى آتون حرب دامت خمسة عشر عاماً، أكلت الأخضر واليابس ودمرت البنية التحتية والنسيج الاجتماعي للبلد، ودللت بوضوح على أن الحفاظ على الشعارات الفصائلية كان يُقدَّم دائماً على حساب سلامة وأمن واستقرار الشعوب المضيفة.
وفي الوقت ذاته، كانت الأنظمة الاستبدادية والتوتاليتارية في المنطقة تجد في هذه الخرافة السياسية المنجم الأكبر لشرعنة وجودها وقمع شعوبها. ويُعتبر نظام الأسد في سوريا النموذج الأكثر صارخية لاستغلال هذا الشعار؛ إذ أقام النظام شموليت المطلقة، وصادر الحريات العامة والسياسية، ومارس أقسى أنواع القمع الداخلي ضد أي صوت يطالب بالإصلاح أو التغيير، تحت دعوى أنه "قلعة المقاومة والممانعة". وعلى مدى عقود، تُجرِّم السلطة السورية أي حراك مدني أو نقد سياسي باعتباره "خدمة للعدو" أو "خيانة للقضية". والنتيجة الكارثية لهذا النهج تمثلت في تحويل سوريا نفسها إلى ركام عندما طالب الشعب بسوريته وحريته، حيث لم يتردد النظام الممانع في استخدام أقصى درجات العنف والدمار ضد مدنه وشعبه، مبرهناً على أن شعار الممانعة لم يكن سوى ستار أيديولوجي لحماية الكرسي والسلطة الفردية.
وعلى صعيد التيار الإسلامي والراديكالي، شكلت هذه القضية الوقود الأهم لنشوء وتمدد تنظيم الإخوان المسلمين والجماعات المنبثقة عنه. استغلت هذه الجماعات العاطفة الدينية والوجدانية للشعوب لبناء إمبراطوريات مالية وتنظيمية عابرة للحدود تحت غطاء جمع التبرعات والإغاثة. وتحولت مؤسسات العمل الخيري في كثير من الأحيان إلى شبكات غامضة لتبييض الأموال وتهريبها وتغذية النشاطات الحزبية والعسكرية، مما أسهم في خلق بيئة مالية مظلمة غذت الإرهاب والتطرف في الشرق الأوسط والعالم. لقد اقتنصت هذه الجماعات الشعارات العاطفية لتغييب العقل المالي وتطلعات الشعوب نحو الحوكمة والشفافية، معتبرة أن التشكيك في مصادر وأوجه صرف هذه التبرعات هو تشكيك في العقيدة والمقدسات.
وفي هذا الامتداد الأيديولوجي، ظهرت حركة حماس كفرع ميداني وعسكري للتيار الإخواني في قطاع غزة. وعلى مدار سنوات استحواذها على القطاع، أثبتت الحركة أن الولاء للتنظيم والأجندات الخارجية يقدم دائماً على سلامة وسعادة السكان المحليين. أدارت الحركة غزة كمنصة مواجهة عسكرية متصلة بعواصم خارجية، وجرت القطاع إلى حروب ومواجهات متكررة أدت إلى تدمير العمران وضياع مقومات الحياة الاقتصادية والاجتماعية لمليوني إنسان. وبدلاً من استثمار الموارد الهائلة والمساعدات الدولية المتدفقة لبناء نموذج حداثي أو تنموي في غزة، تم توجيه هذه الإمكانيات نحو بناء الأنفاق والتسليح والمغامرات العسكرية التي كانت نتائجها دائماً كارثية على المدنيين العزل الذين دفعوا الثمن الأفدح من أرواحهم ومستقبل أبنائهم، بينما بقيت القيادات في مأمن بعيد عن ويلات الدمار.
ولعل الخطر الأكبر الذي انبثق عن استغلال هذه الأسطورة في العقود الأخيرة يتمثل في توظيفها السافر من قبل النظام الإيراني وأذرعه الطائفية في المنطقة. فمنذ قيام ثورة الملالي عام 1979، اتخذت طهران من شعار "المقاومة" وفلسطين حجر الزاوية في مشروعها التوسعي العابر للحدود. وتحت رداء هذا الشعار والادعاء بالعداء لـ "الشيطان الأكبر" و"الشيطان الأصغر"، تمكنت إيران من اختراق واختطاف أربع عواصم عربية، عبر إنشاء وتغنيص ميليشيات طائفية مسلحة في العراق وسوريا ولبنان واليمن. لقد دمر هذا التمدد مفهوم الدولة الوطنية المتماسكة في هذه البلدان، وحولها إلى دول فاشلة أو شبه فاشلة تعاني من الفقر والانقسام الطائفي والانهيار الاقتصادي، كل ذلك في سبيل خدمة المشروع الجيوسياسي الإيراني وبناء أوراق ضغط تفاوضية للوصول إلى مكاسب نفوذ وإقليمية.
إن حصيلة عقود من الارتهان لخرافة الأسطورة السياسية الشاملة تتجلى اليوم في الشرق الأوسط على هيئة دول مهددة بالانهيار، واقتصادات متهالكة، وشعوب أُنهكتها الحروب والشعارات البلاغية الفارغة. لقد تسببت هذه المراهنة الأيديولوجية في تغييب بوصلة التنمية الحقيقية، وحرمت أجيالاً متعاقبة من أبناء المنطقة من حقهم الطبيعي في التعليم العالي، والتعليم الحديث، والرعاية الصحية المتطورة، والفرص الاقتصادية الواعدة، تماماً كما يتمتع بها أقرانهم في الدول التي اختارت الانحياز لبناء منطق الدولة الوطنية وتقديم مصلحة المواطن والاستقرار على حساب الشعارات الراديكالية.
في النهاية، أثبتت التحولات السياسية الحديثة في المنطقة أن الخروج من حلقة الفقر والخراب والاستبداد المفرغة يمر عبر الشجاعة في تفكيك هذه الخرافة السياسية ونزع القداسة عن الشعارات العاطفية التي تُستغل للتربح وإدامة الصراعات. إن المستقبل المستدام للشرق الأوسط يكمن في تغليب مفهوم الدولة الوطنية المستقلة، وترسيخ وسيادة القانون، والتركيز على التنمية البشرية والاقتصادية، وإقامة العلاقات الاستراتيجية والسياسية القائمة على المصالح المتبادلة والسلام والواقعية السياسية، بعيداً عن أوهام الأيديولوجيات وشعارات التجارة بالدم التي لم تنتج سوى الدمار والفقر والهوان.






.

سرطان الإخوان المسلمين: شبكات التمويل العابرة للحدود وتحالفات الإرهاب من غزة إلى طهران (مقال)

.


.
سرطان الإخوان المسلمين: شبكات التمويل العابرة للحدود وتحالفات الإرهاب من غزة إلى طهران





تُمثّل حركة الإخوان المسلمين منذ نشأتها في ثلاثينيات القرن الماضي نموذجًا معقدًا للهيكلية التنظيمية العابرة للحدود، حيث امتزج الفكر الديني بالأهداف السياسية في صيغة أنتجت صراعات ممتدة في الشرق الأوسط والعالم. ولم تكن هذه الجماعة مجرد حركة دعوية أو حزبيّة تقليدية، بل تحوّلت على مدار العقود الماضية إلى شبكة ممتدة تتشابك فيها المصالح الأيديولوجية والمالية والسياسية، مما جعل العديد من المراقبين والمؤسسات الأمنية الدولية ينظرون إليها باعتبارها البنية التحتية والفكرية لعديد من التنظيمات المتطرفة. إن خطورة هذا التنظيم لا تتوقف عند حدود الخطاب الفكري أو التنافس السياسي الشكلي، بل تمتد لتشمل تقاطعات خطيرة مع التنظيمات المسلحة وشبكات تبييض الأموال، وتحالفات براغماتية مع أطراف إقليمية تسعى لتوظيف هذه الشبكات لخلق حالة من عدم الاستقرار الدائم في المنطقة.
إن البناء التنظيمي للإخوان المسلمين يعتمد في جوهره على مفهوم السرية والازدواجية الهيكلية، حيث توجد الواجهة المعلنة التي تخاطب المجتمعات والأوساط الغربية بلغات المظلومية والديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما تعمل في الخفاء أجهزة تنظيمية مالية ولوجستية تتولى توجيه الموارد ودعم الأذرع الميدانية. هذه الأيديولوجيا، التي تقوم على فرضية تمثيل الإرادة الإلهية وتكفير الآخر السياسي، أسست لمفهوم استغلال الأزمات الإنسانية والقضايا العادلة وتحويلها إلى أدوات لاستدرار العواطف وتوليد الأموال. ومن هذا المنقلب الفكري، لم تكن القضية الفلسطينية بالنسبة للتنظيم سوى الرافعة الأهم والأكثر كفاءة لتجنيد الأفراد، وتجميع الموارد المادية، وبناء شرعية شعبية تُحصّن التنظيم من المساءلة والنقد في الشارع العربي والإسلامي.
في هذا السياق، تبرز حركة حماس باعتبارها الامتداد العضوي والفكر الميداني لجماعة الإخوان المسلمين في فلسطين، حيث نص ميثاقها التأسيسي صراحة على هذه المرجعية التنظيمية. لقد مثّل تحول حماس نحو العمل المسلح والاستحواذ على السلطة في قطاع غزة مرحلة مفصلية في تاريخ المنطقة. ولم يفضِ هذا التحول إلى بناء مؤسسات دولة أو تحقيق تنمية وازدهار للشعب الفلسطيني، بل آل إلى تحويل القطاع إلى ساحة للمواجهة الدائمة والحروب المتكررة التي دفعت الساكنة المدنية ثمنها الفادح. إن القرارات السياسية والعسكرية التي اتخذتها قيادة حماس، المعزولة عن الواقع الإقليمي والدولي والديناميكيات الاقتصادية، أدت إلى تدمير البنية التحتية لغزة وتفكيك مقومات الحياة الأساسية، مما كشف عن الفجوة العميقة بين الشعارات الثورية المرفوعة وبين واقع المعاناة الإنسانية التي يعيشها السكان.
إن النقد الموجه لقيادات حركة حماس والداعمين لها من شبكات الإخوان المسلمين يتركز حول نهج اتخاذ القرارات المصيرية دون مراعاة لتوازنات القوة أو حماية السكان المدنيين. فقد تسببت المغامرات السياسية والعسكرية غير المحسوبة في إدخال قطاع غزة في حلقة مفرغة من الدمار والنزوح والفقر، بينما استمرت القيادات التنظيمية في إدارة هذه الأزمات من خارج القطاع أو من داخل الملاجئ والأنفاق. إن هذا السلوك يجسد حالة من اللامبالاة الكلية بالكلفة الإنسانية، حيث يُنظر إلى الضحايا والدمار الشامل باعتبارهما مجرد الوقود اللازم لاستمرار تدفق المساعدات الإنسانية والتبرعات المالية الدولية، وهي المساعدات التي تحول الجزء الأكبر منها، عبر آليات معقدة، لخدمة أجندة البقاء التنظيمي والتسليح بدلًا من الإعادة الحقيقية للإعمار والتنمية.
لا تكتمل صورة هذا المشهد دون التطرق إلى التحالف البراغماتي المعقد بين جماعة الإخوان المسلمين وأذرعها من جهة، والنظام الإيراني من جهة أخرى. ورغم الاختلافات المذهبية والأيديولوجية العميقة التي يفترض أنها تفصل بين الجانبين، إلا أن المصلحة السياسية المشتركة في زعزعة استقرار الدول الوطنية في الشرق الأوسط أنتجت تقاربًا استراتيجيًا وثيقًا. تُقدم إيران الدعم المالي والعسكري والتكنولوجي لحركة حماس والشبكات المحيطة بها، لاستخدامها كأوراق ضغط إقليمية ومنصات متقدمة في مواجهاتها الجيوسياسية. وفي المقابل، وفرت شبكات الإخوان الغطاء السياسي والإعلامي للهيمنة الإيرانية، متجاوزة كافة التناقضات الفكرية في سبيل ضمان استمرار التمويل والتسليح، وهو ما أسهم في تعميق الانقسامات المذهبية والسياسية وتفكيك النسيج الاجتماعي لدول المنطقة.
إن الآلة المالية التي تحرك هذا التحالف تعتمد بالأساس على جبال من الأموال التي تم جمعها وتحويلها عبر شبكات تبييض أموال عابرة للحدود. لقد طوّر التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، على مدار عقود، منظومة مالية معقدة تضم جمعيات خيرية وهمية، وشركات تجارية صورية، وشبكات للتحويلات المالية غير الرسمية كالحوالة، فضلاً عن الاستغلال الحديث للعملات المشفرة. تُجمع الأموال تحت غطاء الإغاثة الإنسانية ودعم الفقراء وكفالة الأيتام في قطاع غزة والمناطق المتضررة، ولكن بمجرد دخول هذه الأموال إلى القنوات الحسابية المظلمة، يتم اقتطاع نسب كبيرة منها لتمويل الأنشطة السياسية والعسكرية، وشراء الأسلحة، ودفع مرتبات القيادات والمؤسسات الإعلامية التابعة للتنظيم في العواصم المختلفة.
هذه الجرائم المالية لا تقتصر آثارها على التمويل المباشر للعمليات المسلحة، بل تمتد لتشكل تهديدًا مباشرًا للسلامة المالية الدولية وللاقتصاد العالمي. إن عمليات تبييض الأموال التي تديرها شبكات الإخوان تتداخل في كثير من الأحيان مع الجريمة المنظمة، وتستغل الثغرات الرقابية في بعض الدول ذات الأنظمة المصرفية الضعيفة أو الملاذات الضريبية. ومن خلال نقل مئات الملايين من الدولارات سنوياً بعيداً عن أجهزة التدقيق والجمارك، تتمكن هذه الشبكات من اختراق قطاعات اقتصادية حيوية كالعقارات والتجارة العامة، مما يمنحها نفوذاً مالياً يُستخدم لاحقاً للضغط على القرار السياسي والتأثير على المؤسسات الإعلامية والأكاديمية في الغرب والشرق على حد سواء.
لقد كشفت تقارير صادرة عن أجهزة استخباراتية وهيئات تدقيق مالية دولية، مثل مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية ومؤسسات الرقابة المالية الأوروبية، عن عشرات الجمعيات والشركات التي تبدو في ظاهرها مؤسسات مدنية أو تجارية ناصعة الصفحة، بينما هي في حقيقتها قنوات لتمرير الأموال لصالح حماس والتنظيمات المتطرفة. وتتنوع هذه الكيانات بين مؤسسات إغاثية مسجلة في دول أوروبية وآسيوية، وشركات استيراد وتصدير ومقاولات تعمل كواجهات لغسيل الأموال الصادرة من القاع المظلم للتبرعات. هذه المنظومة تضمن استمرارية التدفق المالي حتى في أوقات التضييق الأمني، حيث يتم تدوير الأرباح الناجمة عن الاستثمارات العقارية والتجارية لتمويل البنية التحتية للإرهاب بشكل مستدام.
إن خطورة هذا السرطان التنظيمي تكمن في قدرته على التكيف وتجديد أدواته، واستغلال مناخ الحرية والديمقراطية في الدول الغربية لتأسيس مراكز نفوذ وضغط تدافع عن وجوده وتمنع تصنيفه ككيان إرهابي شامل. ويستخدم التنظيم أدبيات حقوق الإنسان بحرفية عالية للتغطية على جرائمه المالية والعسكرية، معتبرًا أي محاولة لملاحقة شبكاته المالية أو حظر جمعياته الخيرية بمثابة هجوم على الإسلام والعمل الإنساني. هذا التضليل الممنهج ساعد التنظيم لعقود على بناء شبكات أمان سياسية وقانونية في العواصم الغربية، مما يصعب من مهمة الأجهزة الأمنية والقضائية في تجفيف منابع تمويله وتفكيك بنيته التحتية.
تترتب على هذه الممارسات نتائج كارثية تعود بالوبال أولاً وأخيراً على الشعوب التي يدّعي التنظيم الدفاع عنها. فبسبب استخدام الجمعيات الخيرية والمؤسسات الإغاثية كواجهات لتبييض الأموال وتهريبها، أصبحت المساعدات الإنسانية المشروعة والمستحقة للملايين من الفقراء واللاجئين محط شكوك دولية وصارمة أمنية معقدة. إن تجفيف خزان التبرعات الشعبية العالمية وفرض القيود الصارمة على حركة الأموال الإغاثية هما نتيجة مباشرة للفساد المالي والانتفاع التنظيمي الذي مارسه الإخوان المسلمون بحق القضية الفلسطينية، حيث تحول عمل الخير من وسيلة لإنقاذ الأرواح إلى أداة لتمويل حروب الأجندات وتضخيم الأرصدة البنكية للقيادات التنظيمية.
وفي الختام، يتضح أن مواجهة هذا الخطر لا يمكن أن تتوقف عند حدود المعالجة العسكرية أو الأمنية السطحية، بل تتطلب استراتيجية الشاملة تستهدف البنية الفكرية والمالية لهذا التنظيم. يجب على المجتمع الدولي والدول العربية تعزيز آليات الشفافية المالية، وتكريس الرقابة الصارمة على الجمعيات الأهلية والأنشطة العابرة للحدود، وتفكيك الشبكات الموازية التي تستغل الثغرات القانونية لنقل الأموال. إن تحرير قطاع غزة والشعوب المتضررة من هذا النفوذ المزدوج، المتمثل في المغامرات العسكرية لحماس والانتفاع المالي للإخوان والتدخل الإيراني، هو المدخل الأساسي لإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية، ولضمان توجيه المساعدات والموارد إلى مستحقيها الفعليين بعيداً عن أطماع النخب التنظيمية وشبكات الإرهاب الدولي.






.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...