Translate

أسطورة الوصي وفلسفة المظلومية: تفكيك الشخصية الورقية لعلي بن أبي طالب في المتخيل العباسي (مقال)

.


.
أسطورة الوصي وفلسفة المظلومية: تفكيك الشخصية الورقية لعلي بن أبي طالب في المتخيل العباسي



تعتبر شخصية علي بن أبي طالب واحدة من أكثر النماذج تعقيداً في التراث الديني العالمي، ليس بسبب وفرة الحقائق التاريخية عنها، بل بسبب الكثافة الدرامية والأسطورية التي أحاطت بها حتى تحولت من مجرد كائن بشري مفترض إلى أيقونة كونية تختزل صراعات السلطة والميتافيزيقا. إن البحث في هذه الشخصية لا يمكن أن يتم بمعزل عن السياق الذي كُتبت فيه المرويات، وهو العصر العباسي الذي شهد ولادة "المصنع" الأيديولوجي الضخم الذي صاغ الإسلام كما نعرفه اليوم. ومن خلال فحص السرديات الإسلامية بشقيها السني والشيعي، يتبدى لنا بوضوح أننا أمام بناء أدبي وسياسي تراكمي، سعى إلى تحويل شخصية علي إلى مساحة لتسوية الحسابات التاريخية وتبرير التطلعات السياسية، مما أنتج شخصية مليئة بالتناقضات المنطقية التي تنهار أمام أدنى محاكمة عقلية محايدة.
إن المدخل الأساسي لنقد هذه الشخصية يبدأ من التشكيك في وجودها المادي أصلاً، نظراً لغياب الأدلة الأركيولوجية أو النقوش المعاصرة التي تثبت وجود خليفة بهذا الاسم خاض كل تلك الحروب الكبرى. فبينما يمتلئ التراث بمئات الآلاف من الصفحات التي تصف أدق تفاصيل حياته، من زهده في الطعام إلى بطولاته في المعارك، تعجز الحفريات والمسكوكات عن تقديم دليل واحد يقطع بوجود هذا الكيان التاريخي. هذا الانفصال بين ضخامة السرد وغياب الأثر يقودنا إلى استنتاج أن "علياً" هو بطل رواية عباسية بامتياز، صُممت ملامحه بعناية لتلبي حاجة الدولة الجديدة إلى "بطل تراجيدي" يمنح الشرعية لآل البيت، وفي الوقت نفسه يكون جسراً لنقل السلطة من الأمويين إلى العباسيين تحت شعار الرضا من آل محمد.
وعندما نتأمل في مفهوم "الحق" الذي يربطه الكاتب صباح الزهيري وغيره بشخصية علي، نجد أننا أمام مصطلح زئبقي لا يحمل أي مضمون مادي. فالحق في الرواية الإسلامية هو مجرد أداة لإقصاء الآخر، حيث يرى الإرهابي نفسه على حق، ويرى المسالم نفسه على حق، وكان علي في المتخيل الإسلامي يرى نفسه على حق وهو يقاتل أصحابه بالأمس في حروب الجمل وصفين والنهروان. هذه الزئبقية جعلت من شخصية علي نموذجاً للمقاتل الذي يسفك دماء "إخوته في الدين" تحت غطاء اليقين المطلق، وهي صفة تتناقض تماماً مع صورة الحكيم والزاهد التي يحاول المقال المذكور ترويجها. إن الصراع على السلطة والنفوذ والمال هو المحرك الفعلي لهذه الشخصيات، تماماً كما كان حال محمد وأتباعه، حيث لم يكن الزهد إلا غلافاً أيديولوجياً لتبرير الفشل في الاستقرار السياسي أو كسب الولاءات المطلقة.
تتجلى التناقضات الصارخة في السيرة المفترضة لعلي عند فحص واقعة "كسر الضلع" الشهيرة في المذهب الشيعي، وما يقابلها من تهديد بالحرق في المصادر السنية. هذه الحادثة تمثل الفخ المنطقي الذي يسقط فيه المروجون لأسطورة البطاقة الخارقة لعلي. فمن جهة، يصوره الخيال الإسلامي كفارس لا يُهزم، يقلع أبواب الحصون بيد واحدة ويقتل العشرات بضربة سيف، ولكن في لحظة "الاختبار الأخلاقي" الأهم، نراه يقف عاجزاً صامتاً بينما تُهان زوجته فاطمة ويُكسر ضلعها ويُسقط جنينها أمام عينيه. هذا التناقض القاتل ينسف صورة الشجاعة المطلقة، ويظهر الشخصية ككيان ورقي تم التلاعب بخصائصه حسب حاجة القصة؛ ففي الحرب هو "سوبرمان"، وفي التبرير السياسي هو "المظلوم الصابر" الملتزم بوصية غيبية لا معنى لها. إن هذا التحول في الشخصية يثبت أننا أمام تأليف أدبي وليس تأريخاً واقعياً، حيث حاول المؤلف العباسي دمج فكرة "المظلومية" لاستدرار العطف مع فكرة "البطولة" لترهيب الخصوم، فخرج بمسخ مشوه لا يقبله العقل السليم.
علاوة على ذلك، فإن الطائفية التي تضرب جذورها في هذه السرديات لم تكن عارضاً طارئاً، بل هي المحرك الأساسي لنشوء فكرة الإسلام والفرق المنبثقة عنها. لقد بُنيت هذه المنظومة على أساس العداء للآخر، بدءاً من اليهودية والمسيحية والوثنية، وصولاً إلى الانشطار الداخلي الذي جعل من كل طائفة "ناجية" ومن الآخرين "ضالين". إن شخصية علي كانت الوقود الأهم لهذا الانشطار؛ فبينما يرفعه الشيعة إلى مقام الألوهية أو العصمة المطلقة، يضعه السنة في إطار الحاكم الذي أخطأ في تقدير الأمور وأدخل الأمة في فتن. وكلا الطرفين يستخدم أكاذيب مختلقة لتعزيز سرديته، حيث تُضاف كرامات ومعجزات وخرافات مثل "كلام الأوز" أو "القدر المحتوم" لتغييب الوعي الجمعي ومنعه من رؤية الحقيقة البسيطة، وهي أن هذه الصراعات كانت محض صراعات بشرية على الغنائم والكراسي، تم تغليفها لاحقاً بقداسة مزيفة.
إن استمرار مفعول هذه الخرافة على العقل المعاصر يعود إلى آليات التلقين والترهيب الفكري التي تمارسها المؤسسات الدينية والتعليمية. فالعقل الذي ينشأ على قداسة هذه الرموز يجد نفسه عاجزاً عن التشكيك في وجودها أو في أخلاقها، لأن ذلك يعني هدم الهوية الشخصية والجمعية. إن التمسك بكلمات مثل "سلطة الحق" و"فلسفة اليقين" ليس إلا محاولة للهرب من الواقع التاريخي المخزي المليء بالدماء والاغتيالات. فالإسلام، كمنظومة خرجت من رحم معتقدات سابقة وتم تشويهها لخدمة الإمبراطورية، لم ينتج إلا طوائف تتحارب من أجل السيادة، مستخدمة شخصيات خرافية كرموز لشرعيتها. وفي ظل غياب المقاييس الثابتة في الأديان، يصبح الادعاء بالحق هو الوسيلة الأسهل لجمع الأتباع وبناء جدران من الحقد تجاه الآخر، مما يجعل من شخصية علي بن أبي طالب ضحية ومحرضاً في آن واحد داخل هذا السيرك الأيديولوجي الكبير.
في النهاية، يظل فحص شخصية علي بن أبي طالب من منظور نقدي راديكالي هو السبيل الوحيد لتحرير العقل من أسر المرويات العباسية. إن مواجهة هذه الشخصية بحقيقتها كبناء لغوي وأسطوري تقتضي الجرأة على هدم الأصنام الفكرية التي دامت لقرون. فالحق لا يمكن أن يكون زئبقياً، والبطولة لا يمكن أن تجتمع مع العجز المطبق أمام حماية الأهل، والزهد لا يمكن أن يكون ستاراً لجمع الأموال والنساء. إن تفكيك هذه الخرافات هو الخطوة الأولى نحو بناء وعي يعتمد على البرهان المادي والمنطق البشري، بعيداً عن "مقامات" التبجيل التي لا تفعل شيئاً سوى تجميل وجه الإرهاب التاريخي وإطالة عمر الطائفية البغيضة التي تمزق المجتمعات باسم رموز لا وجود لها إلا في بطون الكتب الصفراء. إن العالم اليوم لا يحتاج إلى "فرسان" من ورق، بل يحتاج إلى عقول قادرة على نقد المقدس وتجاوز خزعبلات الماضي نحو مستقبل مبني على الحقيقة لا غير.



.

التربية على الولاء والبراء: تدمير العقد الاجتماعي العالمي وصناعة الكراهية العقدية (مقال)

.


.
التربية على الولاء والبراء: تدمير العقد الاجتماعي العالمي وصناعة الكراهية العقدية




تعد عقيدة الولاء والبراء واحدة من أكثر المفاهيم الدينية مركزية وخطورة في المنظومة الفكرية الإسلامية، حيث تمثل العمود الفقري الذي تقوم عليه صياغة علاقة المسلم بذاته وبالعالم من حوله. إن هذه العقيدة ليست مجرد موقف قلبي عابر، بل هي منظومة تربوية شمولية تهدف إلى إعادة هندسة الوجدان البشري ليكون قائماً على ثنائية حادة لا تقبل المساومة: الحب المطلق والتبعية الكاملة لكل ما ينتمي للعقيدة (الولاء)، والبغض المطلق والعداء المستمر لكل ما ومن يختلف عنها (البراء). إن التربية على هذا المفهوم منذ الطفولة المبكرة تمثل عملية تجريف ممنهجة للروابط الإنسانية الشاملة، حيث يتم استبدال فطرة التعاطف البشري والفضول المعرفي تجاه الآخر ببرمجة ذهنية تزرع الكراهية كأصل وجودي. هذا البحث يسعى لتفكيك أثر هذه العقيدة في تدمير مفهوم العقد الاجتماعي العالمي، وكيف أنها تلغي قيم المواطنة والتعايش لصالح روابط ضيقة تؤسس لصراعات أبدية لا تنتهي إلا بمحو الآخر أو إخضاعه.
تبدأ مأساة الولاء والبراء من داخل الأسرة والمؤسسات التعليمية الدينية، حيث يُلقن الطفل أن هويته لا تُعرف بما يقدمه من خير للبشرية، بل بمن يوالي ومن يعادي. يتم تحويل "الحب والبغض" من مشاعر إنسانية تلقائية تخضع للمعايير الأخلاقية والسلوكية إلى "واجبات دينية" مرتبطة بالهوية العقائدية حصراً. الطفل الذي يتعلم أن عليه "بغض الكافر" لله، حتى لو كان هذا الكافر جاراً مسالماً أو طبيباً يداويه أو عالماً يخدم البشرية، ينمو ولديه انفصام أخلاقي حاد. هو يرى الإنسانية في الآخر، لكن العقيدة تأمره بإلغاء هذا الإدراك واستبداله بكراهية "مقدسة". هذه التربية تقتل في مهدها فكرة العقد الاجتماعي الذي يقوم على الاحترام المتبادل والمساواة في الحقوق والواجبات بغض النظر عن المعتقد، وتستبدلها برابطة "الدم والعقيدة" التي ترى في غير المنتمي لها عدواً محتملاً أو كائناً أدنى لا يستحق الولاء.
إن إحدى أخطر نتائج التربية على الولاء والبراء هي تفتيت مفهوم المواطنة الوطنية والعالمية. فالمواطنة الحديثة تقوم على الولاء للدولة وللقانون وللقيم الإنسانية المشتركة التي تجمع بين مختلف الأطياف في حيز جغرافي واحد. أما عقيدة الولاء والبراء، فهي تضع "الرابطة العقدية" فوق كل اعتبار وطني أو إنساني. المسلم المتربّي على هذه العقيدة يجد نفسه مضطراً لموالاة مسلم غريب في أقصى الأرض، حتى لو كان متطرفاً أو مجرماً، والبراءة من مواطنه المخالف له في الدين، حتى لو كان وفياً لوطنه. هذا الانقسام الولائي يخلق "مجتمعات موازية" داخل الدولة الواحدة، حيث يعيش الأفراد بجسدهم في وطن وبولائهم في فضاء أيديولوجي عابر للحدود يزدري قوانين الدولة المدنية ويراها "قوانين وضعية كفرية". هنا يصبح التعايش مجرد "هدنة" أو "تقية" تفرضها موازين القوى، وليس قناعة أخلاقية بالعيش المشترك، مما يجعل السلم الأهلي هشاً وقابلاً للانفجار عند أول صدام أيديولوجي.
علاوة على ذلك، تعمل هذه العقيدة على "تجريد العالم من إنسانيته" عبر تقسيم البشرية إلى معسكرين: فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر. هذا التقسيم يلغي مفهوم "المواطنة العالمية" التي تسعى المنظمات الدولية والقوانين الحديثة لترسيخها. فبدلاً من رؤية التنوع الثقافي والديني كإثراء للجنس البشري، تراه عقيدة الولاء والبراء كتهديد يجب الحذر منه أو محاربته. الكراهية الفطرية التي تُزرع تجاه "المختلف" تمنع الفرد من تقدير الإنجازات الحضارية والعلمية للأمم الأخرى، حيث يُنظر لكل ما ينتجه "الآخر" بريبة وشك، بوصفه محاولة لغزو عقول المسلمين أو صرفهم عن دينهم. هذا الانغلاق الفكري يحرم المجتمعات الإسلامية من الاندماج الحقيقي في المسيرة الحضارية العالمية، ويجعلها تعيش في حالة دفاعية مستمرة وتوجس دائم من كل ما هو "أجنبي"، مما يؤسس لعداء وجودي يتجاوز المصالح السياسية ليصل إلى صراع على الهوية والبقاء.
إن عقيدة الولاء والبراء تمثل أيضاً البنية التحتية النفسية التي يرتكز عليها الإرهاب والتطرف. فلكي يقدم الانتحاري على قتل الأبرياء، يجب أولاً أن يتمكن من "البراءة" منهم تماماً، أي نزع أي رابطة إنسانية تجمعه بهم. التربية المكثفة على بغض الآخر تجعل عملية القتل مجرد نتيجة منطقية لعداء مسبق تم تأصيله شرعياً. عندما يسمع الشاب لسنوات أن "الكفار" هم أعداء الله، وأن موالاتهم مخرج من الملة، وأن بغضهم من أوثق عرى الإيمان، فإنه يصبح مهيأً تماماً لرؤية الدماء المسفوكة كعمل بطولي. إن الإرهاب ليس سوى "التطبيق العملي" لعقيدة البراء في ذروة توحشها. وبدون تفكيك هذه العقيدة في المناهج التعليمية والخطاب الديني، سيظل العالم يواجه موجات متلاحقة من العنف؛ لأن المشكلة ليست في "السلاح" بل في "العقل" الذي تم حشوه بكراهية الآخر قبل أن يتعلم كيف يحب نفسه.
كما تؤدي هذه التربية إلى تدمير الروابط الأسرية والاجتماعية في حالات الاختلاف الفكري. فعقيدة الولاء والبراء تفرض على المرء التبرؤ حتى من أقرب الناس إليه، كالوالدين أو الإخوة، إذا ما اختاروا طريقاً فكرياً مختلفاً أو تركوا الدين. هذا التمزيق للنسيج الاجتماعي الصغير (الأسرة) يعكس مدى توغل هذه العقيدة في تدمير الفطرة البشرية. الإنسان الذي يُطالب بالتضحية بمشاعره الطبيعية نحو أهله في سبيل "الولاء العقدي" هو إنسان يتم تجريده من مشاعره الإنسانية ليصبح آلة أيديولوجية صماء. هذا النوع من "الشمولية العقدية" لا يترك مساحة للحرية الفردية أو للتعددية، ويحول المجتمع إلى ثكنة عسكرية قائمة على الطاعة والولاء الأعمى، حيث يُصنف أي نقد أو اختلاف كخيانة تستوجب البراءة والمقاطعة أو حتى القتل.
من الناحية الجيوسياسية، تساهم عقيدة الولاء والبراء في تأجيج الصراعات الأبدية بين الدول والمجتمعات. فالعلاقات الدولية في ظل هذه العقيدة لا تقوم على المعاهدات والمصالح المتبادلة والاحترام السيادي، بل تقوم على منطق "السيادة للعقيدة". هذا المنطق يرى في الدول غير المسلمة "دار حرب" بالضرورة، وفي المعاهدات مجرد وسيلة مؤقتة للتمكين. هذا الفكر يمنع نشوء استقرار عالمي حقيقي، لأنه يغذي طموحات "أممية" توسعية تزدري الحدود الوطنية وتطمح لفرض نظام واحد على المعمورة. إن الصراع الذي تؤسس له هذه العقيدة هو صراع "صفري" لا يقبل الحلول الوسط؛ فإما الولاء التام أو البراء التام والعداء المستمر. وهذا هو الجذر الحقيقي لفشل الكثير من محاولات الاندماج للمهاجرين في المجتمعات الغربية، حيث تظل عقيدة الولاء والبراء حاجزاً نفسياً يمنع الفرد من الولاء الحقيقي لمجتمعه الجديد وقوانينه، ويجعله يعيش كـ "غريب معادٍ" في الداخل.
إن مواجهة هذا الخطر تتطلب ثورة تعليمية وفكرية تضع "الإنسان" فوق "العقيدة". يجب الاعتراف بأن التربية على كراهية الآخر هي جريمة بحق الطفولة وبحق السلم العالمي. إن البديل الحقيقي لعقيدة الولاء والبراء هو "العقد الاجتماعي العالمي" القائم على المواطنة العالمية، وحقوق الإنسان، وقبول التعددية كقيمة إنسانية عليا. يجب تعليم الأطفال أن الولاء يكون للقيم الأخلاقية العالمية كالحق والعدل والصدق والتعاون، وليس لهوية ضيقة تزدري الآخرين. إن فك الارتباط بين "الدين" وبين "العداء السياسي والاجتماعي" هو السبيل الوحيد لإنقاذ المجتمعات من دوامات العنف والكراهية. بدون ذلك، ستظل عقيدة الولاء والبراء تعمل كـ "لغم موقوت" في قلب الحضارة الإنسانية، يهدد بتفجير كل محاولات التقارب والتعايش، ويبقي البشرية أسيرة لصراعات القرون الوسطى في عصر الذكاء الاصطناعي وغزو الفضاء.
في الختام، يمثل الولاء والبراء المسمار الأخير في نعش التضامن الإنساني إذا ما استمر كمنهج تربوي وعقدي. إنه يلغي "إنسانية الإنسان" ويختزله في تصنيف طائفي ضيق، مما يؤدي إلى تجريف الأخلاق الكونية واستبدالها بأخلاقية "العصابة العقدية". إن العالم اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى تجاوز هذه المفاهيم الإقصائية وبناء وجدان بشري يحتفي بالاختلاف ويرى في كل إنسان شريكاً في الوجود، لا عدواً في العقيدة. إن كسر حلقة الكراهية الموروثة يبدأ من شجاعة نقد النصوص والتقاليد التي تقدس البراء وتزدري الآخر، ومن إعادة الاعتبار للفطرة البشرية التي تميل للحب والتعاون، قبل أن تلوثها أيديولوجيات الموت والعداء الأبدي. إن العقد الاجتماعي العالمي لا يمكن أن يستقيم طالما أن هناك من يربي أجياله على أن "بغض الآخر" هو أقصر الطرق لمرضاة السماء. الحقيقة هي أن السماء لا تُرضى بتدمير الأرض، والولاء الحقيقي يجب أن يكون للحياة وللبشرية جمعاء، بعيداً عن صنم الولاء والبراء الذي لم ينتج سوى الدمار والفرقة والضياع.



.

تسفيه الدنيا كجيفة: أثر الزهد القسري على التخلف الحضاري وفصام ونفاق النخبة الدينية (مقال)

.


.
تسفيه الدنيا كجيفة: أثر الزهد القسري على التخلف الحضاري وفصام ونفاق النخبة الدينية



تبدأ جذور الانحطاط الحضاري في أي أمة من اللحظة التي يتم فيها ضرب العلاقة العضوية بين الإنسان وبين واقعه المادي، حيث يُدفع الفرد دفعاً نحو ازدراء الوجود الذي يعيشه لصالح غيب مجهول لا يمكن إثباته. في المنظومة الإسلامية، مورس هذا النوع من التجريف الذهني عبر قرون من خلال نصوص وأدبيات دأبت على وصف الحياة الدنيا بأنها "لعب ولهو"، وبأنها "متاع الغرور"، بل ووصل الأمر في الأدبيات الوعظية إلى وصف الدنيا بأنها "جيفة" لا يلهث وراءها إلا الكلاب. هذا التسفيه الممنهج للحياة لم يكن مجرد دعوة روحية للسمو، بل كان معولاً هدم القيم البنائية في المجتمعات، حيث أدى هذا الزهد القسري إلى خلق أجيال معطلة تنظر إلى العلم والفن والعمل كأنها أنشطة هامشية أو حتى رجس من عمل الشيطان، مما ألقى بهذه المجتمعات خارج سياق الزمن والتطور البشري الحديث، وجعلها تعيش في حالة من الانتظار السلبي للموت كبوابة وحيدة للخلاص والنعيم.
إن الأثر النفسي والاجتماعي لوصف الحياة بأنها زائلة ولا قيمة لها يخلق حالة من "العدمية المؤمنة"؛ فالإنسان الذي يقتنع بأن كل مجهود يبذله في إعمار الأرض هو مجهود ضائع في "دار فناء"، سيفقد بالضرورة الحافز نحو الاكتشاف العلمي أو الإبداع الفني. العلم يتطلب إيماناً بقيمة المادة وقوانينها، والفن يتطلب تقديساً للجمال الحسي واللحظة الآنية، بينما الزهد الإسلامي يرى في هذه الأمور ملهيات عن "الغاية الكبرى". هذا التوجه أنتج عقولاً ترى في البحث عن علاج لمرض أو في اختراع آلة نوعاً من الركون إلى الدنيا، مما جعل المجتمعات الإسلامية مجرد مستهلك عالة على ما تنتجه الحضارات التي قدست الحياة وعظمت من شأن التجربة البشرية على الأرض. لقد تحول الموت في هذه المنظومة من نهاية بيولوجية إلى "هدف أسمى"، وصار الانشغال بالآخرة ذريعة للهروب من استحقاقات الحاضر، وهو ما يفسر الفجوة الهائلة بين هذه المجتمعات وبين ركب التطور الذي يزداد اتساعاً كلما انغمس الناس في "ثقافة المقابر".
المفارقة الصادمة، والتي تكشف عمق النفاق في هذه المنظومة، تكمن في سلوك "سدنة الموت" أنفسهم، أي الشيوخ والوعاظ الذين يحثون الناس على الزهد والجهاد وازدراء الدنيا. بينما يغسلون أدمغة الشباب ليدفعوا بهم إلى ساحات القتل أو الانتحار تحت مسمى "إعلاء راية الإسلام"، نجد أن هؤلاء الشيوخ هم أكثر الناس لهثاً وراء ملذات هذه الدنيا التي يصفونها بالجيفة. إننا أمام طبقة كهنوتية تمارس "الانفصام الأخلاقي" بأبشع صوره؛ فهم يبنون إمبراطوريات مالية ضخمة من عرق وتبرعات البسطاء الذين أقنعوهم بأن المال شر وزينة زائلة. ولعل ما كُشف عن إمبراطورية محمد حسان المالية يمثل النموذج الصارخ لهذا التحايل؛ حيث تُجمع الأموال تحت ستار "نصرة الدين" لتتحول إلى أرصدة وعقارات وسيارات فارهة، بينما يظل الأتباع في فقرهم ينتظرون كنوز الجنة. هؤلاء الوعاظ لم يرسلوا يوماً ابناً لهم ليفجر نفسه أو ليقاتل في جبهات "الجهاد" التي ينظرون لها، بل يرسلون أبناءهم إلى أرقى جامعات الغرب "الكافر" في نظرهم، ليضمنوا لهم حياة دنيوية رغدة ومستقبلاً آمناً بعيداً عن الجحيم الذي يزرعونه في نفوس أبناء الفقراء.
هذا الفصام يتجاوز المال ليصل إلى الشهوات الحسية التي يزعمون الزهد فيها. ففي الوقت الذي يُطلب فيه من الشاب المسلم أن يكبت غرائزه وينتظر "الحور العين" في الجنة، نجد وعاظاً مثل محمد حسين يعقوب يلهثون خلف الزيجات المتكررة التي فاقت العشرين، مع تركيز مهووس على الفتيات الصغيرات السن، مما يكشف أن "الدنيا" في نظرهم ليست جيفة كما يدعون، بل هي فرصة للاستمتاع بكل ما لذ وطاب من الملذات الجسدية. إنهم يبيعون "الوهم الأخروي" للجماهير ليشتروا به "الواقع الدنيوي" لأنفسهم. هذا التناقض ليس مجرد سقطات فردية، بل هو جزء من بنية "الاستثمار في الدين"، حيث يعمل الشيخ كتاجر يبيع الموت للآخرين ليعيش هو حياة البذخ، مستغلاً جهل العامة الذين تم تعطيل عقولهم عبر التلقين والحفظ الصم وازدراء المنطق.
ولعل الحالة الأكثر فجاجة في هذا السياق هي حالة الشيخ محمد متولي الشعراوي، الذي كان يمثل الأب الروحي لهذا الزهد المزيف. لقد وصل الأمر بهذا الشيخ إلى حد الإفتاء بحرمة غسيل الكلى وبحرمة التداوي لبعض المرضى، متسائلاً بنوع من السادية "لماذا تمنعونه من لقاء ربه؟"، محرضاً الناس على الاستسلام للموت بحجة الرضا بالقضاء والقدر. ومع ذلك، عندما اعتلت صحته هو شخصياً، لم يهرع إلى "لقاء ربه" ولم يكتفِ بالدعاء في زاويته، بل طار إلى مستشفيات الغرب المتقدمة، مستخدماً العلم الذي يزدريه والأطباء الذين لا يؤمنون بخرافاته، لينقذ حياته "الفانية". هذا السلوك يختصر المأساة كلها؛ الموت للفقراء والبسطاء والجهلة، والحياة والطب والرفاهية للشيوخ الذين يزرعون الموت. إنهم يدركون تماماً أن الحياة هي اليقين الوحيد، لكنهم يخفونها عن الناس ليظلوا مسيطرين على عقولهم وأموالهم.
إن أثر هذا الخطاب المزدوج على التطور الحضاري كان تدميرياً؛ فالمجتمعات التي تُقاد بواسطة وعاظ يعبدون المال واللذة سراً ويمجدون الفناء علناً، هي مجتمعات تفقد بوصلتها الأخلاقية والمعرفية. العلم في هذه البيئات يُنظر إليه بريبة، والفنون تُحارب بدعوى أنها من مفسدات القلب، مما أدى إلى تجريف كامل للساحة الثقافية. الإنسان الذي يتربى على أن "الآخرة خير وأبقى" بطريقة سلبية، لن يسعى أبداً لاختراع تقنية جديدة أو لتحسين نظام سياسي أو لبناء مؤسسة علمية، لأنه يرى في كل ذلك "بناءً فوق الرمال". هذا الزهد القسري حول هذه الدول إلى مجرد بقايا حضارة، تعيش على هامش التاريخ، تستورد غذاءها ودواءها وسلاحها من أمم "عشقت الدنيا" فأبدعت فيها، بينما تكتفي هي بالدعاء على هؤلاء في صلواتها، في مفارقة مضحكة مبكية تعكس عمق التخلف والضياع.
إن التحرر من هذا السجن الذهني يتطلب أولاً فضح النفاق البنيوي لهذه النخبة الدينية، والاعتراف بأن "تسفيه الدنيا" هو سلاح سياسي واجتماعي بامتياز يُستخدم لتدجين الجماهير ومنعها من المطالبة بحقها في حياة كريمة وعادلة. الحياة ليست جيفة، بل هي الفرصة الفريدة لكل إنسان ليترك أثراً، وليبني، وليكتشف. إن المجتمعات التي تخرج من "فخ الزهد" وتعيد الاعتبار لقيمة العمل والعلم والتمتع بالوجود هي فقط التي تستطيع اللحاق بركب الحضارة. أما البقاء تحت سلطة وعاظ يبيعون الموت ويشترون القصور، فهو انتحار جماعي بطيء. إن الشعراوي وحسان ويعقوب وأمثالهم ليسوا سوى تجار في سوق الأوهام، يستخدمون النص الديني كأداة للتحيل المادي والعاطفي، بينما يظل ضحاياهم غارقين في التخلف، ينتظرون موتاً وُعدوا بأنه "عرس"، بينما هو في الحقيقة مجرد نهاية لفرصة ضائعة في حياة لم يعيشوها بسبب خرافات هؤلاء الكهنة.
في الختام، يظل التحدي الأكبر أمام العقل المعاصر هو إعادة "أنسنة" الحياة وتقديس الوجود الأرضي. إن كسر احتكار الشيوخ للحقيقة وفضح تهافتهم على ملذات الدنيا التي يحرمونها على غيرهم، هو الخطوة الأولى لتجفيف منابع التخلف. لا يمكن لأمة أن تنهض وهي ترى في الموت غاية، وفي الجسد نجاسة، وفي الدنيا جيفة. إن الحضارة هي ابنة "حب الحياة"، والزهد القسري هو ابن "اليأس والتبعية". العالم الحديث لا يحترم إلا من يحترم حياته ويستثمر في عقله، أما الذين ينتظرون الموت ليعيشوا، فسيبقون دائماً في ذيل القافلة، يتجرعون مرارة التخلف بينما يشاهدون وعاظهم يتنعمون بذهب الدنيا وفتياتها، في أكبر عملية نصب عرفها التاريخ البشري باسم السماء. إن استعادة قدسية الحياة هي المعركة الحقيقية، وهي الطريق الوحيد للخروج من نفق الموت المظلم الذي حشرنا فيه سدنة المصحف والسيف وتجار الغيب.




.

شمولية العقيدة: البنية الأخلاقية المشتركة بين الإسلام والنازية والشيوعية في سحق الإنسان (مقال)

.


.
شمولية العقيدة: البنية الأخلاقية المشتركة بين الإسلام والنازية والشيوعية في سحق الإنسان



تمثل الأنظمة الشمولية، سواء كانت دينية أو علمانية، أكبر تحدٍ واجهه العقل البشري في سعيه نحو الحرية والكرامة، إذ تقوم هذه الأنظمة على فرض رؤية أحادية ونهائية للكون والمجتمع والإنسان، متجاوزة حدود الزمان والمكان. وعند فحص البنية الأخلاقية العميقة لمنظومة الإسلام، ومقارنتها بالأنظمة الشمولية الحديثة كالنازية والشيوعية، نجد توازياً مذهلاً في الآليات النفسية والاجتماعية التي تعتمدها هذه المنظومات للسيطرة على الفرد والمجتمع. إن نقاط الالتقاء بين هذه العقائد الثلاث لا تكمن في الشعارات الظاهرية، بل في "المنطق البنيوي" الذي يزدري الفرد لصالح المطلق، ويشرعن العنف كأداة لتطهير الوجود، ويعد بيوتوبيا مستقبلية تبرر تحويل الحاضر إلى جحيم مستعر ضد كل من يُصنف كعدو أو مخالف. إننا بصدد دراسة في ماهية "الدين الشمولي" الذي قد يرتدي عباءة الغيب أو قناع العرق أو رداء الطبقة، لكنه في النهاية يصب في مصب واحد وهو استلاب الإنسان وتحويله إلى برغي في آلة دمار كبرى.
تتجلى أولى نقاط التشابه في سحق الفردية وإلغاء الذات المستقلة لصالح الكيان الجماعي المقدس. في الإسلام، يُعرف الإنسان بوصفه "عبداً"، وقيمته الوجودية مرتبطة بمدى ذوبانه في "الأمة" وامتثاله للنص الإلهي، حيث لا حق للفرد في الخروج عن الإجماع أو إعمال العقل النقدي في المسلمات. هذا المحو للفرادة يتطابق تماماً مع العقيدة النازية التي رأت في الفرد مجرد خلية بيولوجية في جسم العرق الآري، حيث لا قيمة للمصلحة الشخصية أمام عظمة "الرايخ" ونقاء الدم. وكذلك في الشيوعية، يتم اختزال الإنسان في دوره الطبقي بوصفه جزءاً من "البروليتاريا"، وأي نزوع نحو الفردية يُصنف كخيانة برجوازية أو انحراف أناني. في هذه المنظومات الثلاث، يُجرد الإنسان من كينونته الخاصة ويُطالب بالتضحية الدائمة بكل ما يملك، بما في ذلك حياته، من أجل "الفكرة" المطلقة التي يمثلها الدين أو الحزب أو العرق، مما يحول المجتمعات إلى قطعان منقادة تلغي ملكة التفكير لصالح طاعة عمياء لا تعرف المراجعة.
يرتبط سحق الفردية ارتباطاً وثيقاً بعبادة "الزعيم" أو "النص"، وهو الركن الذي يوفر لهذه المنظومات مرجعيتها الأخلاقية المطلقة. في الإسلام، يمثل النص القرآني والسنة النبوية السلطة النهائية التي لا يجوز تجاوزها، ويتحول "القائد" أو "الخليفة" أو "الإمام" إلى ظل الله على الأرض والمفسر الوحيد للمقدس، مما يمنحه سلطة استبدادية تتجاوز أي قانون بشري. هذا التقديس للشخصية أو النص نراه بوضوح في "مبدأ الزعيم" (الفوهرر برينزيب) لدى النازية، حيث كانت كلمة أدولف هتلر فوق كل اعتبار قانوني، وكان يُنظر إليه كمنقذ تاريخي يمتلك الحقيقة المطلقة. وفي الشيوعية، تحولت شخصيات مثل ستالين أو ماو تسي تونغ إلى آلهة أرضية، وصارت مؤلفاتهم "نصوصاً مقدسة" يترتب على مخالفتها الإقصاء أو القتل. إن هذه العبادة للمطلق، سواء كان نصاً غيبياً أو زعيماً كاريزمياً، تلغي مبدأ المساءلة وتخلق حصانة للمنظومة تبرر لها ارتكاب أفظع الجرائم بدم بارد، طالما أنها تصدر عن المصدر "المقدس".
إن المحرك الأساسي لهذه الأنظمة هو الإيمان بـ "اليوتوبيا" الموعودة، وهي الحالة المثالية التي ستحل بعد القضاء على الأعداء وتطهير العالم. الإسلام يعد المؤمنين بـ "الجنة" في الآخرة و بـ "التمكين" في الأرض، وهو وعد يجعل المؤمن يرى في العالم الحالي مجرد ممر تافه أو "دار ابتلاء" يجب استغلالها للوصول إلى النعيم الأبدي. هذه النظرة التبسيطية للوجود نجدها في "الرايخ الذي سيدوم ألف عام" لدى النازية، حيث يُبنى المستقبل المشرق على أنقاض الأعراق التي تُصنف كـ "أدنى" أو "نجسة". وفي الشيوعية، نجد وعد "المجتمع المشاعي" الذي تنتهي فيه الحاجة والظلم بعد تصفية الطبقة البرجوازية. الخطورة الكبرى في هذه اليوتوبيات تكمن في أنها تمنح "صكاً أخلاقياً" لممارسة الجحيم في الحاضر؛ فلكي نصل إلى هذا النعيم المتخيل، يصبح القتل والسجن والتعذيب والحروب التوسعية مجرد "ضرورات مؤلمة" ولكنها عادلة لتطهير الطريق نحو الهدف الأسمى. إن "إيديولوجيا الخراب" هذه تقتات على تدمير الحاضر باسم مستقبل لا يأتي أبداً، وتحول البشر إلى وقود لحروب عبثية تهدف لتحقيق وهم الكمال.
من هنا تنبع آلية "تجريد الآخر من إنسانيته"، وهي التقنية الأخلاقية التي تشترك فيها هذه المنظومات لتبرير العنف. في الإسلام، يُقسم العالم إلى "مؤمن" و "كافر"، ويُصنف الكافر أحياناً بأنه "شر البرية" أو "كالأنعام بل هم أضل"، مما يجعل دم المخالف وماله مستباحاً في سياقات معينة كـ "الجهاد". هذا التقسيم الإقصائي يتطابق مع المنطق النازي الذي قسم البشر إلى "سادة" (الآريين) و "أشباه بشر" (الأونترمنشن كاليهود والغجر)، مما سهل عملية المحرقة (الهولوكوست) بضمير مرتاح. وفي الشيوعية، تم استبدال العرق بالطبقة، حيث تم تجريد "أعداء الشعب" أو "الكولاك" من حقوقهم الإنسانية وتصفيتهم جماعياً في معسكرات "الجولاغ". إن هذه العقائد لا ترى في المخالف "إنساناً" يختلف في الرأي، بل تراه "مرضاً" يجب علاجه أو "نجاسة" يجب تطهيرها، وهو ما يفسر لماذا يمكن للإرهابي أو الجندي النازي أو المحقق الشيوعي أن يمارس أبشع أنواع التنكيل بالآخر وهو يشعر بنشوة أخلاقية عارمة، ظناً منه أنه يؤدي خدمة جليلة للبشرية أو للرب.
تعتمد هذه المنظومات أيضاً على فكرة "المظلومية المنتقمة" لشحن أتباعها عاطفياً؛ ففي الإسلام يُصور العالم كمتآمر دائم ضد "الأمة"، وفي النازية جرى استغلال هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى لتصويرها كضحية للمؤامرة اليهودية، وفي الشيوعية جرى تصوير البروليتاريا كضحية أبدية لسرقة فائض القيمة من قبل البرجوازية. هذا الشعور بالظلم يمنح المنظومة حقاً أخلاقياً مزعوماً للبطش بالآخرين تحت مسمى "استعادة الحقوق" أو "القصاص العادل". إنها أخلاقية "الضحية القاتلة" التي لا تشبع من الدم لأنها ترى في كل قطرة منه تقرباً من لحظة الخلاص النهائي. هذا التشابه الأخلاقي يكشف أن الشمولية هي مرض عقلي يصيب المجتمعات حين تعجز عن مواجهة تعقيدات الحياة والحرية، فتهرب إلى أحضان العقائد التي تقدم إجابات بسيطة، قاطعة، ودموية.
علاوة على ذلك، تشترك هذه المنظومات في عدائها الشديد للعقلانية والعلم المستقل. الإسلام يضع "النقل" فوق "العقل" ويحارب الفلسفات التي قد تزعزع ثوابت النص، والنازية حاربت ما أسمته "العلم اليهودي" لصالح علم آري مشوه، والشيوعية قمعت النظريات العلمية التي لم تتوافق مع "المادية الديالكتيكية". إن كراهية العقل نابعة من كون العقل هو الأداة الوحيدة التي يمكنها كشف زيف اليوتوبيا الموعودة وفضح هشاشة المبررات الأخلاقية للقتل. لذلك، تحرص هذه الأنظمة على بناء مؤسسات تعليمية تهدف إلى "الحشو" و "التدجين" بدلاً من التنوير، وتنتج أجيالاً تقدس الموت وتزدري الحياة، وتعتبر "التضحية بالذات" في سبيل النظام هي أسمى درجات الوجود، مما يسهل تجنيدهم كإرهابيين محتملين أو جنود مخلصين في جيوش الخراب.
إن البنية الأخلاقية المشتركة بين الإسلام والنازية والشيوعية تؤكد أن الخطر الحقيقي على البشرية يكمن في كل فكر يرفض "النسبية" ويؤمن بامتلاك "الحقيقة المطلقة". إن ازدراء الحياة الدنيا، وتأليه القائد أو النص، وسحق الفرد لصالح الجماعة، هي الوصفة المثالية لإنتاج الجحيم على الأرض. إن التاريخ يثبت أن هذه المنظومات الشمولية، رغم قوتها الظاهرية وقدرتها على الحشد، تنتهي دوماً بانهيارات كارثية لأنها تعادي الطبيعة البشرية التواقة للحرية والتعدد. ومع ذلك، يظل خطرها قائماً طالما استمرت عمليات التلقين المبكر وطالما ظل العالم ينافق هذه العقائد أو يمنحها حصانة باسم الدين أو الخصوصية الثقافية. إن المواجهة الحقيقية تبدأ من تسمية هذه المنظومات بمسمياتها الحقيقية: إنها "عقائد الموت" التي لا يمكن أن تنتج حياة، ومهما اختلفت شعاراتها، فإن جوهرها الأخلاقي يظل واحداً وهو تحويل الإنسان إلى جثة في سبيل بقاء الفكرة.
في الختام، إن استخراج النقاط المشتركة بين هذه النماذج الثلاثة يوضح أن "الشمولية الإسلامية" ليست استثناءً تاريخياً، بل هي جزء من ظاهرة بشرية أوسع تتعلق بعبادة القوة وازدراء الضعف البشري. إن اليوتوبيا الموعودة، سواء كانت "دار الإسلام" أو "الرايخ الثالث" أو "المشاعية"، ليست سوى سراب يُستخدم لجر البشر نحو المقصلة. إن الحل الوحيد لحماية المستقبل يكمن في تعزيز قيم الفردية، وحقوق الإنسان العالمية، وتقديس الحياة كقيمة عليا ومطلقة لا يجوز التضحية بها من أجل أي فكرة أو نص أو زعيم. وبدون كسر هذا المثلث الأخلاقي الشمولي، سيظل العالم عرضة لدورات من العنف والإرهاب تغذيها عقائد ترى في خراب الحاضر ثمناً بخساً لشراء وهم الخلود. إن المعركة ضد الشمولية هي معركة من أجل "الحق في الحياة" بكل تفاصيلها وجمالها ونقصها البشري، ضد "الحق في الموت" الذي تبشر به نصوص وقادة لا يعرفون من الوجود إلا لونه الدامي.



.

انتحار اليأس مقابل انتحار الأيديولوجيا: مفارقة الهروب والاقتحام في سيكولوجية الفناء (مقال)

.


.
انتحار اليأس مقابل انتحار الأيديولوجيا: مفارقة الهروب والاقتحام في سيكولوجية الفناء



تظل ظاهرة إنهاء الحياة طواعية واحدة من أعقد الألغاز التي واجهت الفلسفة وعلم النفس والاجتماع عبر التاريخ البشري، فهي الفعل الذي يصدم غريزة البقاء الأساسية ويضع علامات استفهام كبرى حول الدوافع التي تجعل الكائن الحي يكسر قيد الوجود. ومع ذلك، يقع الكثيرون في فخ الخلط بين أنماط مختلفة جذرياً من هذا الفعل، حيث يضعون انتحار اليأس الناتج عن الألم النفسي أو العضوي في سلة واحدة مع ما يمكن تسميته بانتحار الأيديولوجيا أو المنتحر الرسالي. إن هذه الدراسة المقارنة تسعى لتفكيك السلوكين والكشف عن البون الشاسع بينهما، فبينما يمثل انتحار اليأس رحلة انسحاب صامتة وهروباً من ألم لم يعد يُطاق، يمثل انتحار الأيديولوجيا فعل اقتحام صاخب واستخداماً للموت كأداة قتالية تهدف لتدمير الآخرين ونشر الرعب الجماعي تحت غطاء من القداسة الزائفة.
إن انتحار اليأس، أو الانتحار الهروبي، هو في جوهره صرخة صامتة ناتجة عن انسداد أفق الحياة أمام الفرد. هذا النمط من السلوك غالباً ما يرتبط بحالات طبية أو نفسية مثل الاكتئاب السريري، أو نوبات القلق الحاد، أو التعرض لضغوط حياتية ومادية تفوق قدرة الجهاز العصبي على المعالجة. في هذه الحالة، لا يكره الفرد الحياة لذاتها، بل يكره الألم الذي يعيشه داخلها، ويصبح الموت في نظره هو "المسكن الوحيد" المتبقي. المنتحر هنا يرى نفسه ضحية، وفعل إنهاء حياته هو فعل انطوائي يبحث عن العدم والسكينة، ولا يحمل في طياته أي رغبة في إيذاء الآخرين أو تغيير مسار التاريخ. هو قرار فردي مأساوي ينتهي بانتهاء صاحبه، وغالباً ما يترك وراءه شعوراً بالأسى والتعاطف من قبل المجتمع الذي يرى فيه خسارة لإنسان غلبه الألم.
على النقيض تماماً، يبرز انتحار الأيديولوجيا، أو ما يطلق عليه زوراً "الاستشهاد"، كفعل عدواني بامتياز يتخذ من جسد المنتحر قنبلة موقوتة. هذا النمط لا ينبع من اليأس أو الألم الشخصي، بل ينبع من "استلاب ذهني" كامل قامت به منظومة فكرية أو دينية تحتقر الحياة الدنيوية وتعد بمكافآت خرافية في مابعد الموت. المنتحر الأيديولوجي لا يهرب من العالم، بل يقتحمه؛ هو لا يريد أن يموت وحده، بل يريد أن يأخذ أكبر عدد ممكن من الأرواح معه كقربان لفكرته. هنا يتحول الموت من "نهاية" إلى "وسيلة"، ومن "خلاص شخصي" إلى "سلاح استراتيجي". هذا النوع من المنتحرين لا يرى نفسه ضحية، بل يرى نفسه بطلاً منتصراً، وهو لا يبحث عن العدم، بل يبحث عن "خلود وهمي" وعن جوائز حسية وجنسية رخيصة وُعد بها في كتب التراث التي تزدري غريزة البقاء وتحولها إلى طمع في الغيب.
تكمن الفجوة الكبرى بين النمطين في النظرة للآخر وللعالم. فالمنتحر اليائس غالباً ما يشعر بالذنب تجاه أحبائه، وقد يترك رسائل اعتذار أو يحاول إنهاء حياته في مكان لا يراه فيه أحد لتجنيب الآخرين الصدمة. أما المنتحر الأيديولوجي، خاصة في سياق الإرهاب المستند إلى نصوص دينية، فإنه ينظر للآخرين بوصفهم أهدافاً أو كفاراً أو "دار حرب" تستحق المحو. هو يشعر بفوقية أخلاقية زائفة تمنحه الحق في تقرير مصير المئات بضغطة زر. لقد تم تجريد الآخر من إنسانيته في عقله مسبقاً عبر سنوات من التلقين، فأصبح قتل طفل في حافلة أو امرأة في سوق هو مجرد تفصيل تقني في طريقه نحو "الحور العين". هذا الاقتحام الدموي للعالم هو ذروة العدمية المقدسة، حيث يصبح إزهاق الأرواح هو العمل الأكثر نبالة في نظر الأيديولوجيا التي غسلت دماغه.
من الناحية السيكولوجية، يعاني المنتحر اليائس من "تفتت الأنا" والشعور بالضآلة، بينما يعاني المنتحر الأيديولوجي من "تضخم الأنا" المتصلة بالمطلق. الأول يريد التلاشي، بينما الثاني يريد أن يكون مركز الحدث وصانع الرعب. الأيديولوجيا هنا تمارس عملية "إعادة تدوير" للإحباطات الشخصية، فبدلاً من أن يواجه الشاب فشله أو ضياعه كإنسان يحتاج لبناء ذاته، تأتي المنظومة الدينية لتقول له إن حياتك لا قيمة لها، لكن "موتك" له قيمة هائلة. هذه الخديعة هي التي تحول الشخص من كائن يبحث عن المعنى في البناء، إلى كائن يجد المعنى في الفناء التدميري. إن وعود ما بعد الموت التي تملأ كتب التراث ليست سوى "جزرة" تُوضع أمام المغميين بصرياً وفكرياً ليسيروا نحو حتوفهم وهم يظنون أنهم يمشون نحو قصور الجنة.
إن انتحار الأيديولوجيا هو صناعة ثقافية وتربوية تبدأ من حشو عقول الأطفال بازدراء الدنيا ووصفها بالجيفة، وتمجيد القتلة والغزاة التاريخيين كأبطال. هذه التربية تخلق "وجدانًا انتحاريًا" كامنًا ينتظر فقط اللحظة المناسبة ليتحول إلى فعل. بينما يظل انتحار اليأس حالة فردية استثنائية تعبر عن خلل في شروط الحياة، يظل الانتحار الأيديولوجي خطراً جماعياً منظماً يهدد أسس الحضارة الإنسانية. الفرق بين الهروب والاقتحام هو الفرق بين إنسان ضاع في عتمة آلامه، وبين إنسان تحول إلى أداة عمياء بيد كهنة الموت الذين يتاجرون بالدماء من أجل السيطرة والسلطة.
في الختام، إن تفكيك السلوك الانتحاري يتطلب منا شجاعة في تسمية الأشياء بمسمياتها. يجب التوقف عن إضفاء أي مسحة من البطولة على المنتحر الأيديولوجي، ففعله ليس تضحية بل هو قتل جماعي وجريمة ضد غريزة الحياة. إن احترام قدسية الوجود البشري يبدأ من محاربة تلك الخرافات التي تزدري الحياة وتسفهها أمام وعود غيبية لا دليل عليها. المنتحر اليائس يحتاج ليد حانية تنتشله من ألمه، أما الفكر الذي ينتج المنتحر الأيديولوجي فيحتاج لمواجهة فكرية وعقلانية تجتث جذور تقديس الموت من المناهج والعقول. إن الفرق بين من يهرب من العالم لينهي ألمه، ومن يقتحم العالم لينهي حياة الآخرين، هو الفرق بين مأساة إنسانية وبين بربرية أيديولوجية تلبس قناع الدين لتخفي وراءه قبح العدم. إن استعادة بوصلة الحياة تتطلب منا أن نقدس العيش والبناء، وأن نفضح كل من يحاول بيع الموت كبوابة للخلود، لأن الحياة هي اليقين الوحيد الذي نملكه، وأي فكر يسفهها هو عدو للجنس البشري قاطبة.



.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...