.
.
جذور الإرهاب في القرآن وخرافة الإسلام الصحيح
مدخل إلى إشكالية النص والدم
لا يمكن فهم ظاهرة الإرهاب المعاصرة في العالم العربي والإسلامي دون العودة إلى النص الذي يقدسه أكثر من مليار إنسان، النص الذي يسمونه كلام الله المنزل على نبيه محمد. فمنذ عقود والنقاش يدور حول ما إذا كان الإسلام دين سلام أم دين عنف، وما إذا كانت الجماعات المتطرفة تسيء فهم الإسلام الحقيقي أم أنها تلتقط منه ما هو أصيل وعنيف بطبيعته. لكن السؤال الأهم الذي يتجنبه كثير من المصلحين والمفكرين العرب هو: كيف يمكننا أن نقرر أي إسلام هو الصحيح في غياب أي معيار موضوعي للحكم على ذلك؟ الإجابة المزعجة أن الإسلام الصحيح هو خرافة، لأنه لا يوجد إسلام صحيح واحد بل أديان إسلامية متعددة ومتناقضة يستمد كل منها شرعيته من نفس النص القرآني المبهم والمطاطي الذي يصلح لأي تفسير وأي تأويل.
خصائص القرآن التي تجعله أرضاً خصبة للعنف
القرآن ليس كتاباً واضح المعالم كما يحب الدعاة أن يصوروه. إنه نص غامض ومبهم في معظم أحكامه وقصصه وتشريعاته. فاللغة العربية التي كتب بها لم تعد مفهومة للمسلم العادي اليوم، بل إنها تحتاج إلى ترجمة وتفسير من بشر يختلفون فيما بينهم اختلافاً جذرياً حول معنى ألفاظه وتركيباته. هذه الغموض ليس عيباً عرضياً بل هو جزء من طبيعة النص نفسه. فالقرآن مليء بالآيات المتشابهة التي تتيح مجالاً واسعاً للتأويل، كما أنه يخلو من السياق التاريخي الواضح لكثير من آياته. أين نزلت هذه الآية وفي أي ظرف ولمن كانت موجهة بالضبط؟ هذه التفاصيل لا توجد في القرآن نفسه بل في كتب السيرة والحديث التي يرفضها القرآنيون ويرون أنها أكاذيب مختلقة. وهنا تبدأ المأساة الحقيقية: كيف يمكن لمسلم أن يعرف دينه إذا كان القرآن وحده غير كافٍ لفهمه؟ وإذا كان عليه أن يلجأ إلى مصادر خارجية، فكيف يثق بها وهو لا يملك معياراً لتمييز الصحيح منها عن السقيم؟
أما التناقض فسمة بارزة أخرى في النص القرآني. آيات تدعو إلى التسامح والصفح وأخرى تأمر بقتال المشركين حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. آيات تقول لا إكراه في الدين وآيات تقاتل أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. آيات تأمر بالعدل والإحسان وآيات تنزل اللعنة على الكافرين والمنافقين وتصفهم بالأسوأ وتدعو المؤمنين إلى عدم موالاتهم ومقاتلتهم. هذا التناقض ليس عيباً في النص من منظور ديني بل هو ميزة لأنه يسمح بمرونة تفسيرية هائلة. لكن هذه المرونة هي بالضبط ما يحول القرآن إلى سلاح بيد من يفسره. إذا كنت مسلماً متطرفاً ستجد في القرآن كل ما تحتاجه لتبرير قتل المخالفين وتكفيرهم واستباحة دمائهم وأموالهم. وإذا كنت مسلماً معتدلاً ستجد فيه ما تحتاجه لتبرير التسامح والتعايش السلمي مع الآخرين. لكن السؤال الذي لا إجابة عليه هو: أي الفريقين على صواب؟
خرافة الإسلام الصحيح كآلية دفاعية
عندما يرتكب متطرفون جريمة باسم الإسلام يهرع الدعاة والمفكرون المعتدلون إلى القول إن هؤلاء لم يفهموا الإسلام الصحيح، وأن دينهم لا يعرف هذا العنف، وأن النبي محمد كان رحمة للعالمين وليس سيفاً مسلطاً على رقاب الخلق. هذا التصريح يبدو مطمئناً لكنه في الحقيقة لا يعني شيئاً. لأن القائل به لا يستطيع أن يقدم دليلاً واحداً على أن فهمه للإسلام هو الصحيح بينما فهم الآخرين خاطئ. كل ما يمكنه فعله هو أن يتلو آيات الرحمة ويتجاهل آيات السيف، أو أن يفسر آيات السيف على أنها كانت خاصة بظروف تاريخية معينة بينما آيات الرحمة عامة لكل زمان. لكن خصومه يفعلون العكس تماماً: يعتبرون آيات السيف عامة وآيات الرحمة منسوخة أو خاصة بمرحلة ضعف المسلمين. من يملك الحجة هنا؟ لا أحد، لأن النص نفسه لا يحسم الأمر.
هذه الخرافة المسماة الإسلام الصحيح تعمل كآلية دفاعية نفسية وفكرية تسمح للمسلمين بالتبرؤ من جرائم تُرتكب باسم دينهم دون الحاجة إلى مراجعة جذرية لنصوصهم المقدسة. إنها تسكن الوعي الجمعي وتريح الضمائر. لكنها لا تصمد أمام التحليل العقلاني. فإذا كان الإسلام الصحيح هو إسلام السلام والتسامح، فلماذا ظل على مدى أربعة عشر قرناً ينتج الجماعات العنيفة والحركات الجهادية والدول التكفيرية؟ هل من المعقول أن كل هؤلاء الذين قتلوا وذبحوا وفجروا وأغتالوا كانوا جميعاً يسيئون الفهم؟ أم أن المشكلة ليست في فهمهم بل في النص نفسه الذي يقدم لهم الغطاء والمبرر؟
غياب السلطة الدينية الموحدة كعامل مضاعف
المشكلة تتفاقم بسبب غياب أي سلطة دينية مركزية أو معترف بها عالمياً في الإسلام. الكاثوليك لديهم البابا والفاتيكان، ولكن المسلمين السنة لا يملكون مثل هذه المؤسسة. هناك الأزهر وهناك جامعة المدينة المنورة وهناك هيئة كبار العلماء في السعودية وهناك آلاف المشايخ والدعاة المنتشرين على وسائل التواصل الاجتماعي، كل واحد منهم يفتي بما يراه صواباً ويقول إنه يمثل الإسلام الحقيقي. هذا التعدد الفوضوي ليس مجرد تنوع ثقافي محمود، بل هو كارثة فكرية. فغياب المرجعية الموحدة يعني أن أي شخص يستطيع أن يفتي ويصدر الأحكام، مما يفتح الباب على مصراعيه للفوضى الدينية وللعنف باسم الدين.
القرآنيون مثال رائع على هذه الفوضى. هم يزعمون أنهم يتبعون القرآن فقط وينكرون الأحاديث والسنة جملة وتفصيلاً معتبرين إياها أكاذيب مختلقة. هذا الموقف في حد ذاته قد يكون مقبولاً أو غير مقبول، لكن المشكلة تظهر عندما يجد القارئ واحداً منهم مثل أحمد صبحي منصور وهو يستشهد بسيرة النبي وأخلاقه وتصرفاته في المدينة لينتقد الجماعات الإسلامية المتطرفة. هذه هي المغالطة بعينها: كيف تستشهد بشيء تنكر وجوده أصلاً؟ كيف تحتج بأحاديث وسيرة تزعم أنها مختلقة وأكاذيب؟ هذه الازدواجية تكشف الوجه الحقيقي للخطاب القرآني الدفاعي الذي لا يمكنه أن يستغني عن التراث الذي يهاجمه. إنها لعبة انتقاء الكرز بامتياز، تلتقط من السنة ما يناسب الحجة وتتجاهل الباقي تحت دعوى التنقية والتزكية.
غياب حرية العقيدة والتعبير في النص القرآني
من أخطر ما في القرآن أنه لا يقر بحرية العقيدة والضمير والتعبير كحق إنساني مطلق. لا توجد كلمة حرية في القرآن بالمفهوم الحديث. هناك آيات تنص على عدم الإكراه في الدين لكن المفسرين القدماء والمعاصرين اختلفوا في مدى شمولية هذه الآية وفيما إذا كانت منسوخة بآيات القتال أم لا. هناك آية تقول فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر لكن السياق العام للقرآن يضع هذه الآية في إطار التهديد بالعذاب الأبدي لمن يختار الكفر، فليست حرية اختيار محايدة تليق بإنسان بالغ عاقل بل هي حرية مقرونة بالوعيد والعقاب في الآخرة وفي الدنيا أيضاً في كثير من التفسيرات.
القرآن مليء بآيات تسفه المخالفين وتكفرهم وتفسقهم وتحرض عليهم بطرق مباشرة وغير مباشرة. المخالف ليس مجرد إنسان يرى الأمور بشكل مختلف، بل هو كافر، ظالم، فاسق، مضل، أعمى، أصم، أبكم، شر الدواب عند الله، لا يعقلون، لا يفقهون، لا يسمعون، لا يبصرون. هذا الخطاب القطبي الذي يخلق فجوة لا يمكن ردها بين المؤمن والكافر يهيئ الأرضية النفسية والثقافية للعنف. لأنه إذا كان المخالف بهذه الصفات السلبية المنكرة، فلماذا لا نعامله بالطريقة التي يستحقها؟ لماذا لا نقاتله ونذله ونستبيح دمه إذا كان مفسداً في الأرض؟
وهنا تبرز أخطر آلة في النص القرآني لابتزاز الحريات: مفهوم الإفساد في الأرض. القرآن لم يضع تعريفاً واضحاً لمن هو المفسد، بل ترك العبارة فضفاضة ومرنة بحيث تشمل أي سلوك يعتبره المفسر تهديداً للنظام الديني أو السياسي. تحت مظلة الإفساد يمكن وضع سب الرسول، السخرية من القرآن، الدعوة إلى الإلحاد، إشاعة الفاحشة، قطع الطريق، محاربة الله ورسوله، الخروج على الحاكم المسلم، منع الناس عن سبيل الله، وكل ما يخطر على بال المفسر أو القاضي. هذه المرونة في تعريف الجريمة تعني بالضرورة مرونة في تحديد العقوبة، التي تتراوح بين القتل والصلب وقطع الأيدي والأرجل من خلاف والنفي من الأرض.
عندما يصبح النص هو القاتل
كل هذا يقودنا إلى حقيقة لا مفر منها: الذين قتلوا فرج فودة وطعنوا نجيب محفوظ واضطهدوا نصر حامد أبو زيد وأصدروا الفتوى بقتل سلمان رشدي وقتلوا المعلم الفرنسي صامويل باتي وارتكبوا مجزرة شارلي إبدو وقتلوا محمد أنور السادات وحرضوا على طه حسين، كل هؤلاء لم يفتروا على الإسلام بل طبقوا نسختهم منه المستمدة من نصوصه نفسها. هم لم يخترعوا شيئاً من عندهم، بل استقوا من نفس الآبار التي استقى منها المعتدلون، لكنهم فضلوا الآيات العنيفة على الآيات المسالمة، ورجحوا تفسيراً متشدداَ على تفسير معتدل، وأخذوا الأحاديث التي تؤكد موقفهم وتركوا ما يخالفه. هذا هو الإسلام أيضاً، وهذا هو المنتوج الطبيعي لنص مقدس يصلح لكل شيء.
المأساة أن كل محاولة لتبرئة الإسلام مما يفعلون تفترض أن هناك إسلاماً صحيحاً يجب اتباعه وإسلاماً خاطئاً يجب نبذه، لكن لا معيار موضوعياً للتمييز بينهما. الإسلام الصحيح هو ما يقوله العالم الأزهري المعتدل، لكن لماذا أزهري دون آخر؟ ولماذا العالم الأزهري المعتدل أفضل من مقاتل داعش الذي يحفظ القرآن كاملاً ويصلي ويصوم ويعتقد بصدق أنه يطبق أوامر الله؟ هل لأنه لم يدرس العلوم الحديثة؟ لكن ذلك لا يغير شيئاً من كون نصوص القرآن تحتمل فهمه أيضاً. هل لأنه أساء فهم معنى الجهاد؟ لكن القرآن نفسه لم يحدد معنى الجهاد بدقة، بل ترك الباب مفتوحاً لمن يريد أن يملأ الفراغ بما يناسب أهواءه وأهدافه السياسية.
خلاصة لا مفر منها
القرآن ليس كتاباً عادياً يمكن أن يوضع على رف المكتبة إلى جانب الكتب المقدسة الأخرى، لأنه مزود ببنية خطابية استعلائية ترفض النقد وتعتبر كل معارضة عداء لله ورسوله. كما أنه ليس مجرد كتاب سلام تعبث به الأيادي الإرهابية. هو كتاب يحتوي على نصوص واضحة صريحة تدعو إلى العنف والقتال والغلظة على الكفار، كما يحتوي على نصوص أخرى تدعو إلى الصفح والتسامح. التناقض ليس نقطة ضعف في النص من منظور ديني، بل هو نقطة قوة تسمح باستمرار النص في أدوار تاريخية مختلفة. لكن هذه النقطة من القوة تتحول إلى كارثة إنسانية عندما يقرر بشر أن الوقت قد حان لتطبيق النص بكل حرفيته في مجتمعات معاصرة.
لن نستطيع مواجهة الإرهاب باسم الدين ما دمنا نتمسك بخرافة أن هناك إسلاماً صحيحاً ينبغي استعادته من براثن المتطرفين. المتطرفون ليسوا أقل إسلاماً من المعتدلين، بل هم أكثر إسلاماً في تطرفهم. المشكلة ليست في سوء الفهم، بل في النص الذي يسمح بهذا الفهم وهذا الإساءة معاً. وإلى أن يعترف المسلمون بذلك، سيبقون أسرى لدين لا يستطيعون إصلاحه لأنه مقدس، ولا يستطيعون تركه لأنه يمثل هويتهم، وسيبقون عالقين بين نار التعصب التي تحرق وقتل التنوير الذي يرفضونه. والقتلى سيسقطون واحداً تلو الآخر، كل واحد منهم ضحية ليس فقط لأيدي القتلة بل أيضاً لنصوص لا تزال محصنة بالقداسة ضد أي محاولة جادة لنزع فتيل القنابل الكامنة بين أسطرها.
.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire