Translate

خواطر هائم في عالم البهائم: (14) إذا كان أبو الأنبياء كذاباً، فكيف يكون البقية؟ (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم: (14) إذا كان أبو الأنبياء كذاباً، فكيف يكون البقية؟




في عالمٍ مليءٍ بالشخصياتِ الدينيةِ التي تُقدَّسُ وتُعظَّمُ دونَ أنْ يجرؤَ أحدٌ على فحصِ سيرتِها بعينٍ ناقدةٍ، يبرزُ "أبو الأنبياء" إبراهيمُ كأعظمِ نموذجٍ على هذهِ الظاهرةِ الغريبةِ التي تجعلُ منَ الكذبِ صفةً إلهيةً إنْ صدرتْ عنِ الشخصيةِ المقدسةِ المطلوبةِ. فالرجلُ الذي اختارهُ اللهُ، أو يهوه، ليكونَ خليلاً له، أي صديقاً حميماً، نجدهُ في نصوصِ التناخِ والتلمودِ والقرآنِ والحديثِ يمارسُ الكذبَ باحترافٍ لا يُستهانُ بهِ، وكأنَّ الكذبَ كانَ شرطاً أساسياً في عقدِ الصداقةِ معَ الخالقِ. فإذا كانَ الخليلُ نفسه، وهوَ رمزُ الصدقِ والأمانةِ في التصورِ الدينيِّ الشعبيِّ، يمارسُ التضليلَ والخداعَ علناً ودونَ خجلٍ، فما بالُكَ بمنْ يتخذهُ قدوةً؟ إنها معادلةٌ رياضيةٌ بسيطةٌ: كلما ارتفعَ مستوى المقدسِ، ازدادَ مستوى الكذبِ المقبولِ اجتماعياً باسمِ "التقوى" و"الحكمةِ الإلهيةِ".

لنبدأْ بجولةٍ سريعةٍ في سجلِّ إبراهيمَ الحافلِ بالكذباتِ التي تتناقضُ معَ أيِّ منطقٍ أخلاقيٍّ بشريٍّ. في التناخ، يحدثنا سفرُ التكوينِ عنْ مرتينِ منفصلتينِ يلجأُ فيهما إبراهيمُ إلى حيلةٍ وضيعةٍ: حينَ يخافُ على حياتِه منْ ملوكِ الأرضِ، يطلبُ منْ زوجتِه سارةَ أنْ تقولَ إنها أختهُ، فيعرضُها بذلكَ للخطرِ، ويتنازلُ عنْ كرامتِه وكرامتِها في سبيلِ بقائِه على قيدِ الحياةِ. وفي المرتينِ، ينكشفُ أمرُه على يدِ الملكِ الوثنيِّ الذي يوبخُه ويعاتبهُ، وكأنَّ الوثنيينَ كانوا أكثرَ أخلاقاً منْ نبيِّ اللهِ وخليلِه. حتى التلمودُ لمْ يكتفِ بالمرتينِ، بلْ أضافَ كذبةً ثالثةً حينَ قالَ إبراهيمُ عنِ الأصنامِ "إنّي سقيمٌ"، وكذبةً رابعةً حينَ قالَ عنِ الأصنامِ التي حطمها "بلْ فعلهُ كبيرُهم هذا"، وكأنَّ اللهَ نفسه يُشرفُ على هذهِ المسرحيةِ الهزليةِ التي تجعلُ منَ الكذبِ فناً دينياً رفيعَ المستوى.

أما القرآنُ والحديثُ، فقدْ حاولا بشتى الطرقِ تبريرَ هذهِ الأكاذيبِ تحتَ شعارِ "الضروراتِ تبيحُ المحظوراتِ"، فجاءَ المفسرونَ ليقولوا إنَّ قولَ إبراهيمَ "إني سقيمٌ" لمْ يكنْ يعني المرضَ الجسديَّ، بلْ كانَ يعني سقمَهُ منْ عبادةِ الأصنامِ، وإنَّ قولَهُ "بلْ فعلهُ كبيرُهم هذا" لمْ يكنْ كذباً، بلْ كانَ استفهاماً تعليمياًّ لفضحِ عبثيةِ عبادةِ الأصنامِ. وهنا تتجلى ذروةُ السخريةِ، فالمسلمونَ يرفضونَ الاعترافَ بأنَّ أبا الأنبياءِ كذبَ ولوْ مرةً واحدةً، في الوقتِ الذي يصرُّ فيهِ التراثُ الإسلاميُّ نفسه، عبرَ صحيحِ البخاري، على أنَّ إبراهيمَ لمْ يكذبْ إلا ثلاثَ مراتٍ، اثنتانِ في ذاتِ اللهِ وواحدةٌ في شأنِ زوجتِه. إنهُ تناقضٌ يفضحُ نفسه بنفسِه، وكأنَّ الكذبَ يصبحُ فضيلةً إذا مارسهُ الأنبياءُ، ورذيلةً إذا مارسهُ عامةُ الناسِ.

لكنَّ الأغربَ منْ كلِّ هذا هوَ مشهدُ إبراهيمَ وهوَ يقدِّمُ زوجتَه سارةَ كـ"أختِهِ" للملوكِ الجبابرةِ، ليسَ مرةً واحدةً بلْ مراراً، وكأنَّهُ قوّادٌ محترفٌ يستخدمُ جسدَ زوجتِه ورحمَها كبطاقةِ مرورٍ آمنةٍ في رحلاتِه الخطرةِ. إنهُ يضعُها في موقفٍ لا تطيقُه أيُّ امرأةٍ، ويعرضُها للاغتصابِ أوِ الأسرِ، وكأنَّ كرامتَها لا تساوي شيئاً أمامَ خوفِه منَ الموتِ. وفي كلِّ مرةٍ، يكتشفُ الملكُ الوثنيُّ الحقيقةَ، فيوبخُ إبراهيمَ ويسألهُ: "ماذا صنعتَ بي؟"، وكأنَّ الوثنيينَ في هذهِ القصصِ همَ الضحايا الأبرياءُ الذينَ استُغِلَّتْ سذاجتُهم منْ قبلِ نبيِّ التوحيدِ الذي يمارسُ الخداعَ باسمِ السماءِ.

إذا كانَ هذا هوَ "خليلُ اللهِ"، فما بالُكَ بمنْ يتخذهُ أسوةً وقدوةً؟ الحديثُ النبويُّ يقولُ: "المرءُ على دينِ خليلِه"، أيْ أنَّ المرءَ يكتسبُ أخلاقَ منْ يصاحبُه ويختارهُ صديقاً. فإذا كانَ اللهُ نفسه قدِ اختارَ كذاباً محترفاً ليصبحَ خليلهُ، فهذا يعني أنَّ الكذبَ جزءٌ منْ طبيعةِ العلاقةِ معَ الإلهِ، وأنَّ الصدقَ ليسَ قيمةً مطلقةً في الدينِ بقدرِ ما هوَ أداةٌ مرنةٌ تتشكلُ حسبَ الحاجةِ والمصلحةِ. اليهودُ والمسيحيونَ يعتبرونَ إبراهيمَ أباً روحيَّاً فقط، ولا يسبغونَ عليهِ أيَّ نوعٍ منَ العصمةِ، بلْ يعترفونَ بأخطائِه ويُدرسونَها في مدارسِهم كنموذجٍ للبشريةِ الضعيفةِ. أما المسلمونَ، فيصرونَ على تطهيرِه منْ أيِّ شائبةٍ، ويُحاولونَ تبريرَ كذباتِه بأغربِ التأويلاتِ، وكأنَّ النصَّ الذي بينَ أيديهم ليسَ نصوصاً بشريةً قابلةً للنقدِ، بلْ هوَ وحيٌ إلهيٌّ لا يُخطئُ ولا يُغني عنِ الحقيقةِ.

في النهايةِ، يبقى السؤالُ الأكثرُ إلحاحاً: إذا كانَ اللهُ قدِ اختارَ كذاباً محترفاً ليكونَ صديقَهُ وخليلَهُ، فهلْ هذا عيبٌ في إبراهيمَ أمْ عيبٌ في اللهِ نفسِه الذي اختارَ هذا الكذابَ ليكونَ رمزاً للصدقِ والأمانةِ في الأرضِ؟ إنهُ تناقضٌ محيرٌ يفضحُ هشاشةَ البناءِ الأخلاقيِّ للدينِ التوحيديِّ برمتهِ، ويجعلنا نتساءلُ إنْ كانَ الصدقُ قيمةً إنسانيةً عليا، أمْ مجردُ شعارٍ يُرفعُ حينَ ينفعُ ويتم إخفاؤه حينَ يضرُّ، تماماً كما فعلَ أبو الأنبياءِ الذي ضحّى بزوجتِه وكذبَ على ملوكِ الأرضِ، ثمَّ صارَ رمزاً للتقوى والطهارةِ بأعجوبةٍ إلهيةٍ لا تفسيرَ لها سوى أنَّ اللهَ يحبُّ الكذابينَ أيضاً.






.

خواطر هائم في عالم البهائم: (13) الإرهاب واختلال العقل في سفر أعمال الرسل (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم: (13) الإرهاب  واختلال العقل في سفر أعمال الرسل





في مشهدٍ يليق بأفلام الرعب النفسي أكثر منه بكتابٍ مقدس، يطل علينا الإصحاح الخامس من سفر أعمال الرسل بقصة حنانيا وسفيرة، تلك التحفة الفنية في فن الابتزاز الروحي والقتل المعنوي باسم السماء. القصة ببساطة تروي كيف أن رجلاً وامرأته قررا أن يتبرعا بجزء من مالهما للجماعة المسيحية الناشئة، فإذا بقديسهم الكبير بطرس، ذلك العاطل المتسول الذي كان يعيش على فضلات موائد النساء قبل أن يخترع لنفسه مهنة "رئيس الرسل"، ينقلب عليهما كالذئب الجائع، لا ليشكرهما على تبرعهما، بل ليتهمهما بـ"الكذب على الروح القدس" ثم يعلن موتهما الفوري كأنهما ارتكبا جريمة إبادة جماعية. إنها قصة تفضح بدقة متناهية كيف يستخدم الدين كغطاء للسطو على أموال الناس وقتلهم إن هم تجرأوا على التصرف بممتلكاتهم الشخصية دون استئذان الكنيسة.

لنبدأ من البداية: حنانيا وسفيرة كانا يملكان حقلاً، فباعاه وقررا أن يتبرعا بجزء من ثمنه للجماعة المسيحية. هنا يبرز السؤال الأكثر بداهة الذي يتجاهله النص المقدس: هل كانا ملزمين بالتبرع أصلاً؟ وهل كان أي شخص في الجماعة يملك الحق في معرفة قيمة البيع بالضبط؟ الإجابة بكل وضوح هي لا، فالمال كان ملكاً لهما، والتصرف به حق شخصي بحت، ولا ذنب لهما إن احتفظا بجزء منه أو تبرعا به كاملاً. لكن بطرس، ذلك المحترف في لعبة الترهيب، يأتي بمنطق عبثي قائلاً: "أليس وهو باق كان يبقى لك؟ ولما بيع، ألم يكن في سلطانك؟"، ثم يقلب المعادلة ويتهمهما بـ"الكذب على الله" لأنهم لم يتبرعوا بكل المال. إنه منطق أشبه بمن يقول لصديقه: "أنت حر في ألا تهديني شيئاً، لكن إن أهديتني نصف مبلغ هدية، فأنت لص وسارق". إنها لعبة خداع نفسي تهدف لجعل الضحية تشعر بالذنب حتى وهي تمارس حقها المشروع.

أما ذروة السخرية فهي عندما نقرأ وصف بطرس لهذا التبرع الجزئي بأنه "اختلاس"، أي سرقة. وهنا تتجلى عبقرية اللفظ الديني في تحويل الحق الطبيعي إلى جريمة، وتحويل العطاء الطوعي إلى إدانة أخلاقية، وتحويل الأبرياء إلى مجرمين. بطرس يستخدم كلمة "اختلس" ليجعل القارئ يعادي حنانيا وسفيرة وكأنهما سارقا مال يتيم، بينما الحقيقة أنهما مارسا حقهما في التصرف بمالهما بكل حرية. ولو افترضنا جدلاً أنهما قالا إن هذا هو كل المال، فما المشكلة؟ أليس المال مالهما؟ وهل صار التبرع للكنيسة فرضاً كضريبة الدخل؟ بطرس وجماعته لم يكونوا سوى مجموعة من الصعاليك المتسولين الذين وجدوا في خرافة المسيح وسيلة سهلة للعيش على حساب الآخرين دون أن يعملوا ساعة واحدة في حياتهم.

وهنا نصل إلى الجوهر الحقيقي لهذه القصة المخيفة: هدفها الأساسي ليس تقديس "الروح القدس" أو تعليم درس في الصدق، بل بث الرعب في قلوب الأتباع المسيحيين الأوائل، لضمان أن يتبرعوا بكل ممتلكاتهم للكنيسة دون أي تحفظ، وإلا فسيواجهون مصير حنانيا وسفيرة. إنها عملية ابتزاز جماعي باسم السماء، حيث يُستخدم الموت كسلاح رادع لضمان تدفق الأموال إلى جيوب الفقراء الكسالى من رجال الدين الذين لا يعرفون إلا التكفير والتخويف والقتل باسم الإله الفاشل الذي لا يستطيع توفير المال لأتباعه دون أن يسلبوه من الناس باسم العشور والقرابين.

الروح القدس الذي يتحدث عنه بطرس يبدو إلهاً ضعيفاً وعاجزاً، لا يستطيع أن يدير جماعة دينية دون أن يقتل أعضاءها، ولا يستطيع أن يوفر المال لتلك الجماعة دون أن يمارس الإرهاب على أتباعه. إنه إله محتاج لدماء أتباعه وبطونهم، إله لا يختلف عن الأصنام التي كانوا يزعمون أنها تطلب القرابين البشرية. وأما بطرس فهو مجرد مدير مشروع إرهابي ناجح، حوّل الخوف إلى أداة للسيطرة، والموت إلى وسيلة للثراء، والكنيسة إلى مؤسسة للقتل الممنهج باسم المسيح الفقير المتسوّل الذي لم يملك بيتاً يؤويه كما يقولون وكان يعيش على عرق النساء، لكن أتباعه من بعده صاروا أثرياء وديكتاتوريين يملكون بيوت الناس وأموالهم وأرواحهم أيضاً.





.

خواطر هائم في عالم البهائم: (12) قصة القديس مار مينا للمغفلين (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(12) قصة القديس مار مينا للمغفلين




في البداية، دعونا نتفق على أننا أمام ظاهرة تاريخية فريدة من نوعها، وهي قديس مصري قبطي يقرر فجأة أن يتخلى عن مهماته الروحية المعتادة مثل سماع الصلوات وشفاء المرضى، لينزل إلى أرض المعركة كجندي محترف في الجيش البريطاني، يحمل سوطاً ويضرب به جنود الفيلد مارشال روميل حتى ينهزموا. هذه القصة التي يرويها لنا كتاب صادر عن دير مار مينا بمريوط تستحق أن نضعها تحت المجهر، ليس لنقدها، بل لنستمتع بعبقرية السرد التاريخي الذي يخلط بين المعجزات والسياسة الدولية وكأنه فيلم بوليوودي قديم.

لنبدأ بالسؤال المنطقي الذي يطرح نفسه على أي إنسان يملك نصف عقل: إذا كان مار مينا يملك هذه القوة الخارقة التي تمكنه من إخافة الجيوش الألمانية بأكملها، فلماذا اكتفى بهزيمة الألمان فقط؟ لماذا لم يمتد سوطه الإلهي ليطرد البريطانيين الذين احتلوا مصر منذ عام 1882، أي قبل ستين عاماً من معركة العلمين؟ هل كان البريطانيون يمتلكون نوعاً من الحصانة الروحية التي تجعل القديسين يعجزون عن ضربهم؟ ربما لأنهم كانوا حلفاء في الحرب، كما يبرر لنا النص، ولكن ألم يكونوا محتلين قبل ذلك وبعده؟ أم أن مار مينا كان يقرأ الصحف البريطانية ويظن أنهم جاءوا لزيارة سياحية؟

والأطرف من ذلك أن النص يذكر أن الألمان أنفسهم كانوا يقدسون مار مينا ولديهم كنائس باسمه، مما يعني أن القديس ضرب أتباعه ومحبيه! تخيلوا لو أن المسيح ضرب تلاميذه بالسوط لأنه لم يعجبهم، هذا هو المنطق العجيب الذي يقدمه لنا السرد المعجز. الألماني يحب مار مينا ويبني له كنيسة، فيجيبه القديس بضربه وطرده. أليس هذا أجمل مثال على "نكران الجميل" الإلهي؟

والآن، لننتقل إلى سؤال أكثر أهمية: أين كان مار مينا أيام الاحتلال العثماني الذي استمر أربعمائة عام؟ هل كان في إجازة روحانية طويلة؟ أم أن السياط المقدسة كانت تصدأ في المخزن؟ العثمانيون حكموا مصر بقسوة واستبداد، وفرضوا الضرائب وأذلوا الأهالي، ولكن مار مينا لم يحرك ساكناً. ربما كان مشغولاً بتنظيم رحلات الحج إلى ديره، أو ربما لأنه كان ينتظر قدوم الألمان تحديداً لأنهم أعداء لدودون للكنيسة اليونانية، أما العثمانيون فكانوا مجرد نزلاء مؤقتين.

ولكن السؤال الأكثر إحراجاً على الإطلاق: لماذا لم يمنع مار مينا احتلال العرب لمصر بقيادة عمرو بن العاص في القرن السابع الميلادي؟ هذا الاحتلال الذي غيّر هوية مصر بالكامل، وجعلها دولة عربية إسلامية بدلاً من دولة مسيحية. ألم يكن هذا التهديد الأكبر للكنيسة المصرية على الإطلاق؟ ولكن مار مينا كان نائماً حينها، أو ربما كان يظن أن عمرو بن العاص جاء حاملاً الزهور والهدايا، ولم يستيقظ إلا بعد ثلاثة عشر قرناً عندما سمع أن روميل قادم.

الحقيقة المضحكة التي يتجاهلها هذا السرد الديني هي أن مار مينا لم يهزم الألمان في العلمين، بل هزمتهم القوات البريطانية بقيادة مونتغمري، والأمريكيون، وغيرهم من الحلفاء. ولكن يبدو أن الكنيسة اليونانية أرادت أن تسرق النصر وتنسبه إلى قديسها، وكأنها تقول للبريطانيين: أنتم أيها الجنود جلستم في الخنادق وأطلقتم النار، ولكن مار مينا هو من هزم روميل بسوطه! ولو كان الأمر كذلك، فلماذا أرسل الحلفاء مئات الآلاف من الجنود والدبابات؟ كان بإمكانهم إرسال أيقونة مار مينا فقط، ووضعها في مواجهة روميل ليهرب!

الأمر المثير للسخرية أن النص يذكر أن مونتغمري حلم بمار مينا قبل المعركة، وهذا يذكرنا بأساطير الفراعنة حيث كان الملوك ينامون في المعابد ليأتوهم الأحلام، ولكن الفرق أن الفراعنة كانوا يصدقون هذه الأحلام، أما نحن في القرن الحادي والعشرين فنضحك عليها. هل يعقل أن القائد العسكري الأكبر في المعركة يبني خطته على حلم رآه في منامه؟ هذا يفسر لماذا كانت الحرب طويلة وشاقة، فلو كان الاعتماد على الأحلام فقط لانتهت المعركة في يومين.

الأغرب من كل ذلك أن النص يحاول أن يخلق عداوة بين الألمان والقديس مار مينا، وكأن الألمان أعداء للكنيسة المصرية، بينما نعرف أن النازية كانت عدو الجميع، ولكن هل كان مار مينا يغار على مصر أكثر من المصريين أنفسهم؟ المصريون قاتلوا في العلمين إلى جانب البريطانيين، ولكنهم لم يزعموا أن بطلاً أسطورياً قد أنقذهم، بل كانوا يعرفون أن النصر جاء بفضل الإستراتيجية العسكرية والأسلحة الحديثة.

وأخيراً، نصل إلى النتيجة المنطقية الحتمية: لو كان مار مينا قاهراً للألمان، فلماذا لم يعد إلى ألمانيا بعد الحرب ويطرد الحلفاء أيضاً؟ لماذا توقف عند العلمين واكتفى بالنصر الجزئي؟ الجواب بسيط: لأن القصة كلها مجرد خرافة للترويج لقديس وزيادة شعبيته، أو كما يقولون بالإنجليزية "أسطورة حضرية" قديمة، ولكن مع سوط. وفي النهاية، أقولها بكل صراحة: من الجميل أن يكون لكل أمة بطولاتها الخارقة، ولكن الأجمل أن نعرف أن النصر في العلمين كان بفضل العقول والأسلحة، وليس بفضل فارس يركب جملاً ويضرب بالسوط في منتصف الليل. أما لو كان مار مينا يعاقب المحتلين حقاً، فلبقي سوطه يعمل حتى اليوم ضد جميع الذين يستبيحون الأرض، ولكن يبدو أن السوط الروحي ينفد عندما يتعلق الأمر باحتلالات أخرى غير الألمانية.




.

خواطر هائم في عالم البهائم: (11) هل كان أبو الأنبياء مريضاً نفسياً ومختلاً عقلياً؟ (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(11) هل كان أبو الأنبياء مريضاً نفسياً ومختلاً عقلياً؟




في عالمٍ مليءٍ بالأساطيرِ والخرافاتِ التي تُقدَّسُ بمرورِ الزمن، تقفُ قصةُ "أبو الأنبياء" إبراهيمَ كواحدةٍ منْ أكثرِ الحكاياتِ إثارةً للدهشةِ والسخريةِ في آنٍ واحدٍ. فهذا الرجلُ الذي يُفترضُ أنهُ مؤسسُ الدياناتِ التوحيديةِ الثلاثِ الكبرى، يعرضُ علينا في سيرتِه المزعومةِ نموذجاً فريداً للسلوكِ البشريِّ الذي لوْ حدثَ في عصرِنا الحديثِ لأودعَ صاحبُه أقربَ مستشفىً للأمراضِ النفسيةِ والعقليةِ في جناحِ الحالاتِ الخطرةِ. فمنْ منا يمكنُه أنْ يتخيلَ رجلاً في التاسعةِ والتسعينَ منْ عمرِه، وقدْ جاوزَ طورِ الكهولةِ ودخلَ في مرحلةِ الهشاشةِ البدنيةِ القصوى، يستيقظُ في أحدِ الأيامِ ليؤمنَ بأنَّ "خالقَ الكونِ" قدْ كلَّمهُ في المنامِ وأمرَهُ أنْ يختنَ نفسَهُ بنفسِه باستخدامِ قطعةٍ منَ الحجرِ، دونَ تخديرٍ أو أدواتٍ معقمةٍ أو خبرةٍ طبيةٍ، ثمَّ يشرعَ في تنفيذِ الأمرِ وكأنَّه يمارسُ أشغالاً يدويةً عاديةً كتقطيعِ الخضارِ للمطبخِ؟

السخريةُ هنا لا تقفُ عندَ حدودِ العمليةِ الجراحيةِ البدائيةِ التي تجعلُ منْ أيِّ طبيبٍ حديثٍ يرتجفُ رعباً لمجردِ سماعِها، بلْ تمتدُّ إلى باقي محطاتِ حياةِ هذا الرجلِ الذي يبدو أنَّ علاقتَه بالواقعِ كانتْ أشبهَ بعلاقةِ طفلٍ بألعابِ الخيالِ العلميِ المتوحشِ. فإبراهيمُ لمْ يكتفِ بختانِ نفسِه، بلْ كانَ يرى في منامه أوامرَ بنحرِ ابنه الوحيدِ الذي أنجبَه بعدَ عمرٍ مديدٍ منَ الانتظارِ، ثمَّ يفكُّ في اللحظةِ الأخيرةِ أنَّ اللهَ قدْ أرسلَ لهُ كبشاً ليذبحَه بدلاً منِ الولدِ، وكأنَّ "المخرجَ الإلهيَّ" قدْ غيرَ نصَّ المسرحيةِ فجأةً لأنه أحسَّ بمللِ الجمهورِ منَ المشهدِ الدمويِّ المكررِ. لوْ كانَ هذا الرجلُ يعيشُ بيننا اليومَ، لكانَ أقربُ الناسِ إلى فهمِه هوَ ذاكَ الجارُ الذي يصرخُ في الفجرِ أنهُ ملكُ الزهرةِ وأنَّ الكائناتِ الفضائيةَ تتابعُ تحركاتهِ منْ خلفِ القمرِ.

المضحكُ المبكي في هذهِ القصةِ أنَّ مئاتِ الملايينِ منَ البشرِ لا يزالونَ يرددونَ سيرةَ هذا "النبيِّ المختلِّ" كأنَّها دستورٌ للحياةِ، ويستمدونَ منها تشريعاتهم وأخلاقهم ونظراتهم إلى العالمِ، وكأنَّ المجتمعاتِ العربيةَ والإسلاميةَ قدْ قررتْ أنْ تعلقَ مصيرَها على رجلٍ كانَ يسمعُ أصواتاً في رأسِه ويترجمها إلى أفعالٍ جسديةٍ خطيرةٍ لا تخضعُ لأيِّ منطقٍ طبيٍّ أو نفسيٍّ أو اجتماعيٍّ. وكلَّما مرَّ الزمنُ، توارثتِ الأجيالُ هذهِ الخرافاتِ دونَ أنْ تتوقفَ لحظةً لتسألَ: هلْ كانَ هذا الرجلُ يعاني منْ مرضِ الفصامِ الحادِّ معَ نوباتٍ ذهانيةٍ تجعلهُ غيرَ قادرٍ على التمييزِ بينَ الحلمِ واليقظةِ، أمْ أنَّ اللهَ قدِ اختارَ فعلاً مريضاً نفسياً ليكونَ أباً للأنبياءِ ورسولاً للبشريةِ كلها، لأنَّ اللهَ نفسه يبدو أنَّ لهُ نزعةً كوميديةً غريبةً في اختيارِ ممثلِيهِ على المسرحِ الأرضيِّ؟

ثمَّ تأتي الحلقةُ الأطرفُ في هذهِ المسرحيةِ الهزليةِ الطويلةِ، وهيَ محاولةُ اللاهوتيينَ والمفسرينَ على مرِّ العصورِ أنْ يجدوا تبريراتٍ عقلانيةً لأفعالِ هذا الرجلِ، فتارةً يتحدثونَ عنْ "امتحانِ الإيمانِ" وتارةً عنْ "التسليمِ المطلقِ لإرادةِ الخالقِ"، وكأنَّهم يصرونَ على تحويلِ حالةٍ نفسيةٍ عصيبةٍ إلى درسٍ فلسفيٍّ عميق. أما منْ يجرؤُ على التشكيكِ في هذهِ السرديةِ العبثيةِ فيُتهمُ بالكفرِ والزندقةِ، وكأنَّ العيبَ ليسَ في عقليةِ رجلٍ يختنُ نفسَه بحجرٍ في صحراءِ الجزيرةِ العربيةِ، بلْ في عقليةِ أيِّ إنسانٍ عاقلٍ يرفضُ تصديقَ هذهِ المهازلِ التي تنمُّ عنْ خللٍ واضحٍ في إدراكِ الواقعِ الذي نعيشُ فيهِ.

في النهايةِ، إذا كانَ "أبو الأنبياء" حقاً هوَ الذي اختارَه الخالقُ ليكونَ قدوةً للبشرية، فإنَّ السؤالَ الذي يفرضُ نفسَه بقوةٍ: هلْ كانَ هذا الاختيارُ متعمداً لإثباتِ أنَّ اللهَ نفسه يعاني منْ هوسٍ ساخرٍ بتحويلِ حياةِ البشرِ إلى كوميدياٍ إلهيةٍ لا أولَ لها ولا آخرَ، أمْ أنَّ كلَّ هذهِ القصصِ ما هيَ إلا انعكاسٌ لمرحلةٍ بدائيةٍ منَ التفكيرِ الإنسانيِّ حينَ كانَ الإنسانُ يخلطُ بينَ هلاوسِه الداخليةِ ورسالاتِ السماءِ، ويُقدسُ أوهامَه كي يهربَ منْ مواجهةِ قسوةِ الواقعِ العاريِ الذي لا ينتظرُ مخلصاً ولا نبياً ولا كبشاً يذبحُ بدلاً منَ العقلِ؟





.

خواطر هائم في عالم البهائم: (10) من قاع الهامور إلى قاعدة الخابور (مقال)

.


.
خواطر هائم في عالم البهائم:
(10) من قاع الهامور إلى قاعدة الخابور




في واقعةٍ هي أشبه بمسرحيةٍ عبثيةٍ من إخراج صامويل بيكيت، وإنتاجٍ مشتركٍ بين شبابٍ مصريٍّ يبحثُ عن متنفسٍ ونظامٍ بوليسيٍّ لا يتحملُ حتى نكتةً على فيسبوك، تحولت مدينةُ "قاعِ الهامور" الكرتونيةُ من مجردِ مجموعةٍ ساخرةٍ إلى قضيةٍ أمنيةٍ كبرى. الجروب الذي بدأ كمزحةٍ بين مراهقينَ لمْ يتجاوزا الثامنةَ عشرةَ، جمعَ مليوناً وثمانمئةِ ألفِ عضوٍ في اثني عشرَ يوماً فقط، ليصبحَ بذلكَ أسرعَ تجمعٍ افتراضيٍّ في تاريخِ مواقعِ التواصلِ الاجتماعيِّ المصريِّ، وكأنَّ الشعبَ المصريَّ بأكملهِ قدِ اتفقَ فجأةً على أنَّ الهروبَ إلى قاعِ البحرِ معَ سبونج بوبَ خيرٌ لهُ منَ العيشِ على سطحِ الأرضِ معَ "بلحة" .

المشكلةُ أنَّ النظامَ المصريَّ، بتلابيبِهِ الأمنيةِ التي لمْ تتغيرْ منذْ أيامِ "عبناصر" و"الساداتِ المؤمنِ" و"مباركِ الطيّارِ"، لمْ يستطعْ تحمّلَ فكرةِ أنَّ الناسَ يضحكونَ معاً على مشكلاتِهم . فما إنْ بدأَ الجروبُ يتحولُ إلى منصةٍ للشكوى الجماعيةِ، حتى هرولَ إعلامُ السلطةِ ولجانُها الإلكترونيةُ لاتهامِ القائمينَ عليهِ بأنهمْ "إخوانٌ" و"عمالةٌ" و"خونةٌ"، متناسينَ أنَّ هؤلاءِ القائمينَ همْ فتياتٌ ومراهقونَ لا يتجاوزُ أحدُهم الخامسةَ عشرةَ منَ العمرِ، وأنَّ كلَّ ما كانوا يفعلونَ هوَ كتابةُ منشوراتٍ عنْ غلاءِ الإيجاراتِ وانقطاعِ الكهرباءِ وتكدسِ المواصلاتِ، ولكنْ بأسلوبٍ ساخرٍ مستوحى منْ شخصياتِ الكرتونِ التي أحبوها في طفولتهم . إنها جريمتهم الكبرى: أنهم ضحكوا على واقعٍ لا يُحتملُ، وقديماً قالوا إنَّ الضحكَ منَ الألمِ ليسَ ذنباً، بل هوَ نوعٌ منَ المقاومةِ الصامتةِ التي لا تفهمها الأنظمةُ البوليسيةُ التي تعتبرُ أيَّ تجمعٍ، حتى لوْ كانَ افتراضياً وبينَ كائناتٍ بحريةٍ، مؤامرةً ضدَّ الأمنِ القوميِّ .

والأغربُ منَ ذلكَ أنَّ الجروبَ أغلقَ أبوابَهُ "مؤقتاً" لمدةِ تسعةٍ وخمسينَ يوماً، على أنْ يعودَ في 22 أكتوبرَ المقبل، وكأنَّ الدولةَ التي تعجزُ عنْ حلِّ أزمةِ الخبزِ والكهرباءِ والصرفِ الصحيِّ، تجدُ في إغلاقِ صفحةِ "فيسبوك" حلاً سحرياً لمشاكلِها المستعصيةِ . هنا تبرزُ السخريةُ الأعمقُ: النظامُ الذي يصفُ نفسَهُ بـ"القائدِ المنقذِ الأبديِّ" لا يترددُ في استخدامِ آلةِ القمعِ ذاتِها التي استخدمها أسلافُه، وكأنَّ عقاربَ الساعةِ السياسيةِ توقفتْ عندَ عصرِ "الحكامِ الأبديينَ" الذينَ يظنونَ أنَّ الشعبَ لا يعرفُ مصلحتَه، وأنَّ الحكيمَ الوحيدَ هوَ الجاثمُ على كرسيِّ الحكمِ حتى آخرِ رمقٍ، حتى باتَ المصريونَ يطلقونَ على رئيسهمَ لقبَ "بلحة" تهكماً، وكأنَّ اسمَهَ أصبحَ مرادفاً للتصلُّبِ والعجزِ عنِ الفهمِ .

يبقى السؤالُ الأكثرُ إلحاحاً: هلْ سيتحولُ "قاعُ الهامورِ" إلى "خابور" أو خازوقٍ في خاصرةِ الدولةِ السيساويةِ؟ التاريخُ يخبرنا أنَّ إغلاقَ منافذِ التنفيسِ لا يلغي الأزماتِ، بلْ يحولُها إلى انفجارٍ في الشارعِ، فالشعبُ الذي ضاقَ ذرعاً بالغلاءِ والقمعِ، ووجدَ في مدينةٍ كرتونيةٍ متنفساً لأحلامِه وخيباتِه، قدْ يضطرُّ يوماً للخروجِ إلى الشارعِ حينَ يكتشفُ أنَّ "قاعَ الهامورِ" قدْ أغلقَ أبوابَه، وأنَّ الحلمَ الوحيدَ المتبقيَ هوَ التغييرُ الفعليُّ، وأنَّ "الجراحةَ" التي ستفصلُ الرئيسَ الأبديَّ عنْ كرسيِّه قدْ تكونُ وشيكةً، لأنَّ الضحكَ حينَ يُمنعُ، يصيرُ البكاءُ ثورةً.





.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...