Translate

سراب الوحي الأمازيغي: قرآن برغواطة وهندسة الهوية في مواجهة المركزية العربية الإسلامية (مقال)

.


.
سراب الوحي الأمازيغي: قرآن برغواطة وهندسة الهوية في مواجهة المركزية العربية الإسلامية




تمثل قصة دولة برغواطة التي قامت في بلاد المغرب الأقصى، وتحديداً في منطقة تامسنا ما بين القرن الثاني والسادس الهجري، واحدة من أكثر التجارب التاريخية إثارة للجدل والدهشة في آن واحد، فهي ليست مجرد حركة سياسية عابرة، بل هي مشروع ثقافي وديني متكامل قام على أنقاض التهميش والظلم الأموي، محاولاً صياغة هوية وطنية أمازيغية من خلال "كتاب مقدس" بديل عُرف بقرآن برغواطة. إن حقيقة هذا الكتاب وظروف نشأته تكشف لنا بوضوح عن الآلية البشرية البحتة التي تُصنع بها الأديان والكتب التي توصف بالسماوية، حيث يتم استلهام الهياكل القائمة وإعادة ملئها بمضامين تتناسب مع البيئة المحلية والمصالح السياسية للحاكم الجديد. إن التجربة البرغواطية هي مختبر تاريخي يثبت أن "السماء" لم تكن يوماً مصدراً لهذه النصوص، بل إن الحاجة البشرية الماسة لامتلاك "مقدس" خاص هو الذي يدفع القادة العباقرة مثل صالح بن طريف إلى محاكاة النماذج الناجحة لصناعة شرعية تتجاوز منطق القوة العسكرية.
بدأت قصة هذا القرآن مع صالح بن طريف، الشخصية الكاريزمية التي جمعت بين المعرفة اللغوية والذكاء السياسي والخبرة العسكرية، حيث أدرك صالح أن الأمازيغ الذين اعتنقوا الإسلام كدين للمساواة صُدموا بممارسات الولاة العرب الذين عاملوهم كمواطنين من الدرجة الثانية وفرضوا عليهم الجزية رغم إسلامهم. من هذا الاحتقان ولد المشروع البرغواطي؛ فإذا كان العرب يفتخرون بأن القرآن نزل بلسانهم، فلماذا لا يكون للأمازيغ قرآن بلسانهم أيضاً؟ كانت الغاية الأساسية من كتابة هذا النص هي تحقيق الاستقلال التام والقطيعة المعرفية مع الخلافة المشرقية، وتحويل المجتمع البرغواطي من مجتمع تابع لغوياً وروحياً لدمشق أو بغداد إلى مركز إمبراطوري يمتلك "وحيه" الخاص وقوانينه التي تعبر عن بيئته المحلية وظروفه الاجتماعية والبيئية في شمال أفريقيا.
لقد كتب صالح بن طريف قرآنه باللغة الأمازيغية القديمة، واستخدم في كتابته الحروف العربية التي كانت لغة الإدارة والعلم في ذلك العصر، ليكون النص مفهوماً ومقروءاً لنخبته. تذكر الشواهد التاريخية، وعلى رأسها ما نقله المؤرخ البكري في كتابه المسالك والممالك، أن هذا الكتاب كان يتكون من ثمانين سورة، سُميت بأسماء كائنات وظواهر طبيعية كانت تشكل جزءاً من الوعي اليومي للأمازيغ، مثل سورة الديك وسورة الجراد وسورة الكلب وسورة هاروت وماروت وسورة إبليس. إن هذه التسميات بحد ذاتها تكشف عن "بيئية" النص؛ فهو نص لا يتحدث عن الإبل والرمال وصراعات قريش، بل يتحدث عن الكائنات التي تحيط بالفلاح الأمازيغي، مما يجعله أكثر قرباً وقبولاً لدى العامة الذين وجدوا فيه ديناً يشبههم ويخاطب واقعهم بلغتهم الأم.
أما بالنسبة لنقاط التشابه والاختلاف بين قرآن برغواطة والقرآن العربي، فهي تكشف عن "هندسة المحاكاة" التي اتبعها صالح بن طريف. من حيث الهيكل، التزم صالح بنموذج السورة والآية، وبدأ فصول كتابه بعبارات افتتاحية تشبه البسملة مثل "باسم الله الذي أرسل هذا الكتاب إلى الناس"، وهو ما يؤكد أن النص لم يكن ابتكاراً من العدم، بل كان "إعادة تدوير" للهيكل الإسلامي بصبغة قومية. في المقابل، تكمن الاختلافات في التشريعات والطقوس؛ فقد غير صالح أوقات الصلاة وصيغتها، وحرّم أكل رأس الحيوان، واعتبر صيام شهر رجب بدلاً من رمضان فريضة، وأجاز تعدد الزوجات بلا حدود، مما يعكس رغبة في التميز الهوياتي. هذه الاختلافات لم تكن وحياً، بل كانت قرارات سياسية بامتياز تهدف لصناعة "شخصية وطنية" برغواطية تختلف في سلوكها اليومي عن المسلمين العرب، لضمان تماسك الجبهة الداخلية ضد أي غزو خارجي.
فيما يخص الشواهد التاريخية، فإن ما وصلنا من قرآن برغواطة هو شذرات قليلة جداً نقلها المؤرخون الذين عاصروا الدولة في أواخر عهدها أو قرأوا عنها في كتب مفقودة. لا توجد اليوم نسخة كاملة وموجودة من هذا القرآن، والسبب في ذلك هو سياسة "المحو المعرفي" التي انتهجها المرابطون ثم الموحدون بعد سقوط دولة برغواطة عسكرياً. لقد أدرك الفقهاء المنتصرون أن بقاء هذا النص يمثل خطراً مستمراً على "وحدة العقيدة" التي يفرضونها، فقاموا بحرق كل النسخ المتاحة وملاحقة كل من يحفظ شيئاً من هذا السجع. إن اختفاء قرآن برغواطة ليس دليلاً على زيفه مقابل صدق غيره، بل هو دليل على أن "التاريخ يكتبه المنتصر" وأن بقاء الكتب لا يعود لأصلها السماوي، بل لقوة الجيوش التي تحميها والمؤسسات التي تؤبد وجودها.
إن تجربة برغواطة تقدم لنا أحسن دليل على أن السماء لا ترسل كتباً، بل إن البشر هم الذين يكتبون الكتب وينسبونها للسماء. لو كانت الكتب سماوية، لكانت حقائقها عابرة للزمان والمكان واللغات، ولما احتجنا لصالح بن طريف ليترجم مراد الله للأمازيغ بلغتهم. إن حقيقة أن كل كتاب مقدس يعبر بدقة متناهية عن بيئة كاتبه، واهتماماته السياسية، ومحدوديته المعرفية، تثبت أننا أمام ظاهرة ثقافية بشرية. فقرآن برغواطة الذي يتحدث عن الديك والجراد هو صنو للقرآن العربي الذي يتحدث عن الإبل والخيام، وكلاهما يعبر عن لحظة تاريخية حاول فيها الإنسان أن يمنح قوانينه الأرضية طابعاً أزلياً لضمان الطاعة والاستمرارية.
إن تعدد هذه الكتب التي تدعي المصدر الإلهي، وسخرية أتباع كل كتاب من الكتب الأخرى، هو الفضيحة الكبرى لفكرة الوحي. فالمسلم يسخر من قرآن برغواطة ويعتبره دجلاً وسجعاً ركيكاً، بينما يرى البرغواطي في كتابه "الحق الذي أنقذه من هيمنة العرب". هذه النسبية في التقديس تظهر أن "المقدس" ليس صفة ذاتية في النص، بل هو قرار جماعي تتخذه القبيلة أو الدولة. إن السماء صامتة تماماً، والضجيج الذي نسمعه في الكتب هو ضجيج الصراعات البشرية على السلطة والجاه وتأكيد الذات في مواجهة الآخر. لقد كان قرآن برغواطة أداة لتحرير الأمازيغ من التبعية السياسية، واستخدم الخرافة سلاحاً في معركة الوجود، تماماً كما استخدمت قريش وغيرها نصوصها لصناعة إمبراطورياتها.
في الختام، يظل قرآن برغواطة شهادة تاريخية حية على عبقرية الإنسان في اختراع "الآلهة" وتدوين "كلماتها". إنه يذكرنا بأن الأديان هي مشاريع وطنية وقومية في جوهرها، تتدثر بعباءة الغيب لتمارس السيادة على العقول. إن ضياع النسخة المادية لهذا القرآن لا يقلل من قيمته المعرفية كدليل على بشرية النصوص؛ فكل ما قيل عن "إعجاز" و"وحي" في هذا الكتاب أو غيره هو من نتاج غسيل الأدمغة المتواصل الذي تمارسه السلطة. السيادة الحقيقية اليوم هي سيادة العقل الذي يرى في هذه الكتب أرشيفاً للجهد البشري في البحث عن الهوية والقوة، ويدرك أن السماء لم ولن تكتب حرفاً واحداً، بل نحن من نكتب ونحن من نقدس ونحن من نصدق الأكذوبة التي صنعناها بأيدينا لنهرب من صمت الكون اللامتناهي. الحقيقة هي أن برغواطة سقطت لأن جيشها هُزم، وليس لأن "وحيها" كان كاذباً، فالحق التاريخي دائماً هو رفيق المنتصر ولسانه.




.

تجار الدم والمبدأ: كيف تحولت المظلومية الفلسطينية إلى إمبراطورية للمال والفساد العابر للحدود (مقال)

.


.
تجار الدم والمبدأ: كيف تحولت المظلومية الفلسطينية إلى إمبراطورية للمال والفساد العابر للحدود




في سجلات التاريخ المعاصر، قلما نجد قضية استنزفت من الموارد العاطفية والمادية ما استنزفته القضية الفلسطينية، لكن المفارقة الصادمة تكمن في أن هذا النزيف لم يكن يوماً في مصلحة بناء دولة أو تأمين مستقبل شعب، بقدر ما كان وقوداً لبناء ثروات فلكية لنخبة سياسية وعسكرية أدمنت العيش على جراح البسطاء. إن توصيف الحالة الفلسطينية بأنها سرطان يستشري في جسد المنطقة ليس مجرد استعارة بلاغية، بل هو تشخيص لواقع وظيفي تقتات فيه قيادات منظمة التحرير ومن بعدها حماس على استدامة الصراع. هؤلاء المتربحون نجحوا في تحويل "المظلومية" إلى منتج تجاري يُباع في المحافل الدولية، وصناعة قائمة بذاتها تعتمد على تصدير الموت والخراب مقابل أرصدة بنكية تتضخم في ملاذات آمنة بعيدة عن غبار المعارك التي يدفع ثمنها المغفلون والمغسولة أدمغتهم بالشعارات القومية والدينية الزائفة.
لقد بدأت فصول هذه التجارة الكبرى مع ياسر عرفات، الذي وضع حجر الأساس لمنظومة "الارتزاق السياسي". عرفات لم يكن مجرد قائد فدائي كما صورته السينما الثورية، بل كان مديراً لشبكة مالية معقدة حولت المساعدات الدولية والمنح العربية إلى ملكية خاصة تحت تصرفه الشخصي. التقارير الاستخباراتية والمحاسبية الدولية، ومنها ما كشفته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ومجلة فوربس، قدرت ثروة عرفات عند وفاته بمليارات الدولارات، وهي أموال لم تذهب لبناء مستشفى أو مدرسة في رام الله، بل وُزعت في حسابات سرية في سويسرا وتونس وباريس، واستُخدمت لشراء الولاءات وضمان بقاء "الزعامة" مستقرة فوق أنقاض تطلعات الشعب. هذا النموذج من الثراء الفاحش لم يكن معزولاً عن بيع الذمم السياسية، حيث كان عرفات يرقص على حبال التناقضات الإقليمية، تارة يبيع الولاء لجمال عبد الناصر ليساعده في محاولات زعزعة استقرار الملكية في الأردن، وتارة أخرى يرتمي في أحضان صدام حسين مباركاً غزو الكويت، ضارباً بعرض الحائط مصالح آلاف الفلسطينيين الذين كانوا يعيشون في الخليج، وذلك مقابل حفنة من الدولارات والدعم العسكري الذي يضمن استمرار سلطته القمعية.
هذا الميراث من السرقة المنظمة انتقل بسلاسة إلى خلفائه في السلطة الفلسطينية، حيث يبرز اسم محمود عباس وعائلته كنموذج لدمج السلطة المطلقة بالثراء الاحتكاري. بينما يتسول عباس المساعدات من الدول الأوروبية والخليجية بدعوى الانهيار الاقتصادي، يدير أبناؤه، ياسر وطارق، إمبراطوريات تجارية تحتكر قطاعات التبغ والإعلانات والمقاولات، مستفيدين من نفوذ والدهم ومن أموال المانحين التي تتدفق تحت مسمى "دعم الصمود". إن الرفاهية التي يعيشها أحفاد عباس في عواصم العالم، والقصور التي يمتلكونها، تمثل طعنة في خاصرة كل فلسطيني يصدق خطاب "الثبات" الذي يلقيه جدهم من على منابر الأمم المتحدة. إنها عملية نهب ممنهج لمقدرات قضية تحولت في عهدهم إلى مجرد "تعلة" لجمع المال، حيث يتم توظيف دماء المدنيين في كل مواجهة لتوليد موجات جديدة من التبرعات والمساعدات التي تجد طريقها في النهاية إلى جيوب النخبة المحيطة بالرئيس.
وعلى الجانب الآخر من المشهد، لم تكن حركة حماس أقل براعة في فنون المتاجرة بالدين والدم. ففي الوقت الذي يُساق فيه سكان قطاع غزة إلى محارق الحروب العبثية، يعيش قادة الحركة من أمثال خالد مشعل وإسماعيل هنية وموسى أبو مرزوق حياة السلاطين في فنادق الدوحة واسطنبول. ثروات هؤلاء القادة، التي تقدر بالمليارات، لم تأتِ من العمل الصناعي أو الابتكار العلمي، بل هي نتاج مباشر لسرقة المساعدات الإنسانية، وفروض "الخوات" على البضائع التي تدخل عبر المعابر، والتبعية الكاملة لأجندة النظام الإيراني. لقد باع قادة حماس ذممهم لطهران، محولين غزة إلى ساحة تجارب للصواريخ الإيرانية ومنصة لخدمة طموحات التوسع الفارسي في المنطقة، مقابل تأمين ثرواتهم الشخصية وضمان حياة البذخ لأبنائهم الذين يرتادون أفخم الجامعات والمولات في الخارج، بينما يقتات شباب غزة على الفتات والوعود الجوفاء بالشهادة والجنة. إن هذا التباين الصارخ بين حياة القادة "المجاهدين" في الخارج وبين بؤس القاعدة الشعبية في الداخل هو الدليل الدامغ على أن القضية ليست سوى ستار لمشروع استثماري ضخم.
إن المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في لصوصية القادة، بل في تلك "الشعبية" التي لا يزالون يتمتعون بها لدى قطاعات واسعة من الشعوب العربية والإسلامية التي وصفها الواقع بأنها مغفلة. هؤلاء الذين يصفقون لخطابات المقاومة الجوفاء لا يدركون أنهم يمولون قتلة وسارقين يحتقرون شعوبهم خلف الكواليس. لقد نجحت الماكينة الإعلامية الفلسطينية، مدعومة بإعلام قطري وإيراني، في غسل أدمغة الملايين، وتصوير هؤلاء اللصوص على أنهم أبطال قوميون ورموز دينية. هذا التغييب للوعي جعل من انتقاد فساد القيادات الفلسطينية "خيانة"، ومن كشف تجارتهم بدماء المدنيين "عمالة"، مما وفر غطاءً مثالياً لهؤلاء المجرمين للاستمرار في غيهم. إن الشعب الفلسطيني نفسه، الذي تعرض لغسيل دماغ جماعي عبر عقود من المناهج التعليمية والخطب الدينية المحرضة، بات يعشق جلاديه، ويرفض رؤية الحقيقة المتمثلة في أن قياداته هي العائق الأول أمام أي استقرار أو رفاه، لأن الحل السلمي وبناء الدولة يعني ببساطة نهاية "موسم الأرباح" وإغلاق حنفيات المال السائب.
تاريخياً، كانت هذه القيادات دائماً ما تختار الجانب الخاطئ من التاريخ طالما كان هناك ثمن مدفوع. فدعمهم لعبد الناصر في تدخله الكارثي في اليمن ومحاولاته لتقويض العروش العربية، ثم ولاؤهم المطلق لصدام حسين أثناء تدميره للكويت، وصولاً إلى ارتمائهم اليوم في أحضان الولي الفقيه، كلها محطات تثبت أن "البوصلة الفلسطينية" لا تتجه نحو القدس، بل نحو مصدر التمويل الأكثر سخاءً. إنهم يبيعون مواقفهم لمن يدفع أكثر، ويستخدمون قضيتهم كأداة ابتزاز ضد الدول الخليجية التي لم تتوقف يوماً عن دعمهم، ليقابلوا هذا الدعم بالخيانة والتآمر بمجرد ظهور ممول جديد. هذا السلوك الميكافيلي أدى إلى تخريب علاقات الفلسطينيين بجيرانهم العرب، وجلب الخراب لكل دولة استضافتهم، من الأردن التي كادوا أن يختطفوا عرشها، إلى لبنان الذي حولوه من سويسرا الشرق إلى ساحة دمار وحروب أهلية لا تنتهي.
إن الاستفحال السرطاني لهذه القضية يعتمد على بقائها بلا حل، فالحل يعني تحول القيادات إلى موظفين حكوميين يخضعون للرقابة، بينما استمرار الصراع يبقيهم "قادة ثورة" فوق القانون. إنهم يتاجرون بصور الأطفال القتلى والبيوت المهدمة لاستدرار عطف العالم وجمع المليارات، ثم يقومون بتدوير هذه الأموال في استثمارات عقارية وسياحية في ماليزيا وتركيا وأوروبا. الأرقام لا تكذب، وحجم ممتلكات قادة الفصائل في عواصم العالم يكفي لبناء مدن كاملة وتوفير حياة كريمة لكل لاجئ، لكنهم يفضلون بقاء اللاجئ في خيمته ليبقى "شاهداً على المظلومية" التي تدر عليهم الذهب. إنها دورة خبيثة من الفساد والإرهاب، يتواطأ فيها القائد السارق مع التابع المغيب، لتظل المنطقة رهينة لخرافة سياسية لم تجلب سوى الفقر والتخلف والدم.
في الختام، يظهر بوضوح أن القضية الفلسطينية قد تخلت عن جوهرها الإنساني والوطني لتصبح أكبر عملية احتيال في التاريخ الحديث. المتربحون من هذا السرطان ليسوا مجرد أفراد، بل هي طبقة كاملة تغلغلت في مفاصل المؤسسات الدولية والإقليمية، وتعيش على أنات المخدوعين بشعاراتها. إن كشف ثروات هؤلاء المجرمين وتعرية ولائاتهم المتقلبة هو الخطوة الأولى لكسر هذه الدائرة من الفشل والفساد. وبدون يقظة حقيقية للشعوب العربية والإسلامية، وتوقفها عن دور "الممول المغفل" لهذا السيرك الدموي، سيبقى هؤلاء التجار يتنعمون بأموال السحت، بينما تستمر المنطقة في دفع ثمن خرافة صممت خصيصاً ليبقى القادة في القصور والشعوب في القبور. إن الوقت قد حان للتوقف عن تقديس اللصوص، والاعتراف بأن العدو الحقيقي لمستقبل المنطقة هو هذا التحالف القذر بين الإرهاب المأجور والفساد العابر للحدود الذي يتخذ من فلسطين قناعاً له.




.

ملحمة الفرص الضائعة: كيف تحولت الدولة الفلسطينية من مشروع سياسي إلى تجارة شعارات (مقال)

.
.
ملحمة الفرص الضائعة: كيف تحولت الدولة الفلسطينية من مشروع سياسي إلى تجارة شعارات




يمثل التاريخ السياسي للقضية الفلسطينية حالة فريدة من نوعها في سجلات الحركات الوطنية العالمية، حيث تبرز بوضوح مفارقة عجيبة تتمثل في التناسب العكسي بين حجم الفرص المتاحة وبين القدرة على استثمارها. فبينما تسعى الشعوب عادة لاقتناص أنصاف الفرص لبناء كياناتها الوطنية، تكشف القراءة الفاحصة للمسار الفلسطيني منذ بدايات القرن العشرين وحتى اليوم عن نمط متكرر من الرفض الممنهج لكل التسويات الممكنة. هذا السلوك السياسي لم يكن مجرد سوء تقدير عابر، بل تحول بمرور الوقت إلى استراتيجية قائمة بذاتها تهدف إلى استدامة الصراع بدلاً من حله، وذلك لارتباطه الوثيق بمصالح نخبوية استفادت من تحويل "المظلومية" إلى رأس مال سياسي ومالي يدر أرباحاً طائلة على حساب مستقبل الأجيال. إن القول بأن الفلسطينيين لم يتركوا فرصة إلا وأضاعوها ليس مجرد عبارة بلاغية، بل هو توصيف دقيق لواقع تم فيه تفضيل الشعارات الحماسية والوعود الطوباوية برمي الآخر في البحر على بناء مؤسسات دولة حقيقية فوق أرض الواقع، مما جعل من الفشل سمة هيكلية في مسيرة القيادة الفلسطينية عبر العقود.
تبدأ فصول هذه الملحمة من الضياع في وقت مبكر جداً، وتحديداً مع مقترحات لجنة بيل البريطانية في عام ألف وتسعمائة وسبعة وثلاثين، وهي اللحظة التي كانت تمثل فرصة ذهبية لتأسيس نواة دولة عربية فلسطينية على مساحة شاسعة من الأرض. في ذلك الوقت، كان المشروع الصهيوني لا يزال في بداياته، وكانت بريطانيا مستعدة لمنح العرب الجزء الأكبر والأكثر خصوبة من فلسطين التاريخية. ومع ذلك، اختارت القيادة الفلسطينية آنذاك، بزعامة المفتي أمين الحسيني، رفض العرض جملة وتفصيلاً، مفضلة الدخول في مواجهة خاسرة تحت شعار الكل أو لا شيء. هذا الرفض الأول لم يكن سوى فاتحة لسلسلة من القرارات الكارثية، حيث تجلى في تلك اللحظة عجز النخبة الفلسطينية عن فهم موازين القوى الدولية، وغلبة العاطفة الغوغائية على المنطق السياسي البراغماتي. بدلاً من قبول الدولة المتاحة والبناء عليها، تم دفع الجماهير نحو صدام عسكري لم تكن مهيأة له، مما أدى في النهاية إلى إضعاف الموقف العربي ومنح الطرف الآخر فرصة لتقوية ركائزه في غياب أي بديل سياسي فلسطيني منظم.
تكرر المشهد بشكل أكثر مأساوية في عام ألف وتسعمائة وسبعة وأربعين مع صدور قرار التقسيم رقم مائة وواحد وثمانين عن الأمم المتحدة. كان هذا القرار يمنح الفلسطينيين شرعية دولية غير مسبوقة لإقامة دولتهم على ما يقارب نصف مساحة الأرض، مع ضمانات اقتصادية واتصال جغرافي معقول. ورغم أن القرار لم يكن مثالياً من وجهة نظر عربية، إلا أنه كان يمثل المخرج الوحيد لتجنب نكبة محققة. ولكن، وبدلاً من استيعاب الدرس من ضياع فرصة عام سبعة وثلاثين، اندفعت القيادات الفلسطينية مدعومة بوعود كاذبة من الأنظمة العربية نحو حرب شاملة. كانت النتيجة الحتمية هي الهزيمة التي أدت إلى فقدان الأراضي التي كانت مخصصة للدولة الفلسطينية أصلاً، حيث تقاسمتها إسرائيل والأردن ومصر، بينما وجد الشعب الفلسطيني نفسه بلا أرض وبلا قيادة مسؤولة، ليبدأ مسلسل اللجوء الذي استثمرت فيه القيادات لاحقاً لابتزاز الضمير العالمي دون تقديم حلول حقيقية. إن الرفض الفلسطيني لقرار التقسيم يظل الشاهد الأكبر على غياب الرؤية السياسية، حيث تم التضحية بالدولة الممكنة من أجل حلم مستحيل، وهو نمط سيستمر في تكرار نفسه بأسماء وأشكال مختلفة.
بعد عقود من التيه والحروب العبثية، جاءت محطة كامب ديفيد في عام ألف وتسعمائة وثمانية وسبعين لتقدم مخرجاً واقعياً تحت رعاية الرئيس المصري أنور السادات. عرضت الاتفاقية آنذاك صيغة للحكم الذاتي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة كخطوة انتقالية تؤدي في النهاية إلى تقرير المصير. كانت هذه الفرصة كفيلة بتجنيب المنطقة ولبنان تحديداً ويلات الحروب التي اندلعت لاحقاً، وكانت ستسمح للفلسطينيين ببناء كيانهم وهم في وضع أقوى مما صاروا عليه لاحقاً. لكن ياسر عرفات، الذي كان يخشى فقدان بريقه كقائد ثوري يطوف العالم ببدلته العسكرية، اختار تخوين السادات ورفض العرض. لقد فضل عرفات البقاء في بيروت كقوة خارجة عن القانون، مما جلب الدمار للبنان وانتهى بخروج المنظمة ذليلة من بيروت في عام اثنين وثمانين. هذا الرفض لم يكن بدافع الحفاظ على الثوابت كما ادعت البروباغندا الفلسطينية، بل كان بدافع الحفاظ على مصالح المنظمة ككيان موازٍ يتلقى التمويلات الخارجية، حيث إن قيام حكم ذاتي منظم كان سيعني خضوع القيادة للمساءلة والمحاسبة المالية والإدارية، وهو ما يهرب منه قادة الفصائل تاريخياً.
تجلت قمة العبث السياسي في عام ألفين خلال قمة كامب ديفيد الثانية بين ياسر عرفات وإيهود باراك برعاية بيل كلينتون. في تلك اللحظة، قدمت إسرائيل عرضاً تاريخياً غير مسبوق، تضمن الانسحاب من أكثر من تسعين بالمائة من الضفة الغربية وكامل قطاع غزة، مع حلول إبداعية لمسألة القدس واللاجئين. شهد كلينتون وجميع الحاضرين أن عرفات لم يكن لديه النية للوصول إلى اتفاق، وأنه لم يقدم أي عرض مقابل بل اكتفى بالرفض والمماطلة. عاد عرفات ليشعل شرارة الانتفاضة الثانية، محولاً المدن الفلسطينية إلى ساحات حرب انتحارية، مما أدى إلى تدمير كل ما تم بناؤه في سنوات أوسلو القليلة. إن الهروب من استحقاق الدولة في عام ألفين يثبت أن القيادة الفلسطينية تعاني من فوبيا السلام، لأن السلام ينهي مبرر وجودها كقيادة "مقاومة" ويجبرها على مواجهة تحديات الإدارة والاقتصاد ومكافحة الفساد. لقد فضل عرفات الموت بصورة "البطل المحاصر" على العيش بصورة "رئيس الدولة" الذي يحاسبه شعبه على الخدمات والتعليم، تاركاً خلفه ثروات بمليارات الدولارات في حسابات سرية بينما يغرق شعبه في الفقر والدمار.
لم يتوقف مسلسل إضاعة الفرص عند عرفات، بل استمر مع محمود عباس الذي أضاع في عام ألفين وثمانية عرضاً من رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت كان يمثل أفضل ما يمكن أن يحلم به أي فلسطيني واقعي. عرض أولمرت انسحاباً شبه كامل مع تبادل أراضٍ مدروس وسيادة دولية على المناطق المقدسة. وبدلاً من التوقيع، غادر عباس طاولة المفاوضات ولم يعد، متذرعاً بحجج واهية عن ضعف موقف أولمرت القانوني. الحقيقة هي أن عباس، ومثله مثل سلفه، كان يخشى مواجهة الجماعات الراديكالية كحماس، وكان يفضل استمرار الوضع القائم الذي يضمن له ولأبنائه السيطرة على مفاصل الاقتصاد الفلسطيني والمساعدات الدولية. هذا الفشل المزمن في اتخاذ قرارات شجاعة يظهر أن القيادة الفلسطينية لم تكن يوماً ناضجة بما يكفي لإدارة دولة، بل هي نخب تجيد فقط العيش في المناطق الرمادية، حيث تزدهر تجارة الشعارات وتتضخم الحسابات البنكية في سويسرا وقطر وباريس، بينما يتم شحن الشباب الفلسطيني بأوهام النصر الزائف لضمان ولائهم الأعمى.
في السنوات الأخيرة، ظهرت "صفقة القرن" كعرض اقتصادي وسياسي ضخم كان يهدف إلى نقل المنطقة من صراع القرن العشرين إلى آفاق القرن الحادي والعشرين. تضمن العرض استثمارات هائلة وخطة تنمية شاملة كان يمكن أن تحول الأراضي الفلسطينية إلى مركز اقتصادي في المنطقة. ومع ذلك، جاء الرد الفلسطيني بالرفض التقليدي، ليس من أجل مصلحة الشعب، بل لأن الخطة كانت تطالب بإنهاء ثقافة التحريض وإصلاح المؤسسات المالية والسياسية. إن رفض الفلسطينيين لكل هذه الفرص عبر قرابة قرن من الزمان يؤكد حقيقة مرة، وهي أن هذه القضية تحولت من قضية أرض إلى قضية "ارتزاق". فالفشل في تكوين دولة ليس ناتجاً عن غياب الفرص، بل عن وجود مصلحة حقيقية في عدم قيام هذه الدولة. فالدولة تعني حدوداً، والحدود تعني نهاية التهريب والعمولات غير القانونية، والدولة تعني قانوناً، والقانون يعني نهاية سطوة المليشيات والقادة الذين يتصرفون كأمراء حرب. إن الشعب الذي يقاد بآلة إعلامية تغسل الأدمغة صباحاً ومساءً بشعارات المظلومية والضحية، يجد نفسه في النهاية ضحية لقياداته قبل أي طرف آخر، تلك القيادات التي نجحت بامتياز في شيء واحد فقط: تحويل "فشل فلسطين" إلى أنجح مشروع استثماري خاص في التاريخ المعاصر.





.

المثقف في مواجهة السلاح: معركة الكلمة ضد طغيان الولي الفقيه وانتحار اليسار التائه (مقال)

.


.
المثقف في مواجهة السلاح: معركة الكلمة ضد طغيان الولي الفقيه وانتحار اليسار التائه




تعد العلاقة بين المثقف والسلطة المسلحة واحدة من أكثر العلاقات التباساً ودموية في تاريخ المشرق العربي، إلا أنها في الحالة اللبنانية والشيعية المعاصرة اتخذت طابعاً تراجيدياً يجسد الصراع الوجودي بين "قوة الحرف" و"عنف الرصاص". إن المثقف الذي يختار المواجهة في بيئة يهيمن عليها تنظيم عقائدي مسلح مثل حزب الله، لا يواجه مجرد خصم سياسي، بل يواجه آلة إرهابية ومافيوية تتقن فنون الإبادة بجناحيها: الاغتيال الجسدي الذي ينهي الحياة، والاغتيال المعنوي الذي يستهدف السمعة والكرامة والإرث. في هذا الفضاء الملغوم، تبرز تجربة المثقفين الشيعة واللبنانيين الذين رفضوا الانصياع لمنطق "الهيمنة" الإيرانية كمنارة لكسر جدار الخوف، رغم الثمن الباهظ الذي دفعوه. وفي المقابل، يبرز مشهد مخزٍ لـ "المطبلين" من خارج الدائرة الإيرانية، وخاصة أولئك اليساريين الذين لم يتعلموا من دروس التاريخ، مكررين خطيئة أسلافهم الذين مهدوا الطريق لصعود الخميني، لينتهي بهم المطاف تحت مقصلته. إن التواطؤ مع الإرهاب الثيوقراطي هو انتحار أخلاقي وسياسي، لأن التعاقد مع هذا النظام يشبه محاولة الترويض لحيوان غبي ومفترس لا يملك ذاكرة للوفاء ولا عهداً للمواثيق.
لقد سلكت ماكينة القمع الإيرانية في لبنان مساراً ممنهجاً لتصفية العقل الناقد، فكانت الاغتيالات الجسدية هي الرد الفوري على كل كلمة تخدش حياء "المقدس الزائف". من المفكر الكبير مهدي عامل الذي قُتل لأنه أراد علمنة العقل، إلى حسين مروة الذي اغتيل وهو على فراش الشيخوخة لأنه ربط التراث بالعقلانية، وصولاً إلى سمير قصير وجبران تويني ولقمان سليم. إن اغتيال لقمان سليم، على وجه الخصوص، مثل ذروة الحقد الثيوقراطي ضد المثقف الشيعي الحر؛ فلم يكن لقمان مجرد معارض سياسي، بل كان "مشروعاً معرفياً" يعمل على توثيق الذاكرة وكشف زيف السرديات الممانعة. قتله لم يكن مجرد رغبة في إسكات صوت، بل كان محاولة لترهيب كل من يفكر في الخروج عن "التكليف الشرعي". إن السلاح هنا يدرك أن الكلمة الحرة هي العدو الأول للغيبية، لأن العقل المضيء يبدد ظلمات الخرافة التي يعتاش عليها نظام الولي الفقيه، ومن هنا يصبح "المثقف السيادي" هدفاً أولياً قبل العسكري، لأن تدمير الوعي هو المدخل الوحيد لاستعباد الجماهير.
يترافق القتل الجسدي مع "الاغتيال المعنوي" الذي تبرع فيه جيوش الذباب الإلكتروني والمنصات الإعلامية التابعة للمحور. يتم تخوين المثقف، ووصمه بالعمالة للسفارات، وشيطنة أفكاره، وعزله اجتماعياً داخل بيئته. هذا النوع من القمع يهدف إلى جعل "كلفة المعارضة" غير محتملة، حيث يُحرم المثقف من حقه في الانتماء لمجتمعه ويُصور كجسم غريب يجب لفظه. ومع ذلك، أثبتت التجربة أن الكلمة، رغم رقتها، تمتلك قدرة هائلة على نخر جدران الخوف. فكل مقال، وكل موقف صلب، وكل صمود في وجه التهديد، يسهم في توسيع رقعة الوعي القومي والوطني. إن المثقفين الذين صمدوا في بيروت والجنوب والبقاع، والذين رفضوا بيع أقلامهم لإمبراطورية الكبتاغون والدم، هم الذين حافظوا على بصيص الأمل في استعادة الدولة اللبنانية من براثن الدويلة المختطفة.
وفي خضم هذا الصراع، تبرز ظاهرة "المطبلين" من غير الإيرانيين، وتحديداً بعض النخب اليسارية والقومية في العالم العربي، الذين سقطوا في فخ "سردية المقاومة". هؤلاء يمارسون نوعاً من الغباء التاريخي المزمن، متناسين ما حدث لرفاقهم في إيران عام ألف وتسعمائة وتسعة وسبعين. لقد صعد الخميني ونظامه على أكتاف اليساريين والتحرريين الذين ظنوا أنهم يتحالفون مع "ثورة شعبية" ضد الاستبداد، ولكن بمجرد أن أحكم الملالي قبضتهم على السلطة، نصبوا المشانق لحلفاء الأمس. إن النظام الثيوقراطي بطبعه لا يقبل الشراكة، بل يطلب التبعية المطلقة، واليساري الذي يدعم "ولاية الفقيه" اليوم هو في الحقيقة يجهز حبل المشنقة لرقبته. إنهم يتواطؤون مع نظام يمثل قمة الراديكالية اليمينية المتطرفة والظلامية، فقط لأن هذا النظام يرفع شعارات معادية للغرب، متجاهلين أن الإرهاب لا لون له وأن القمع في طهران والضاحية هو وجه العملة الآخر للاستبداد الذي يدعون محاربته.
إن التواطؤ مع الإرهابي، كما وصفه المثقفون الأحرار، هو رهان خاسر بالضرورة. فالنظام الإيراني وأذرعه الميليشياوية يتصرفون كحيوان غبي ومفترس؛ غبي لأنه لا يدرك أن القمع المفرط يؤدي إلى انفجار المجتمعات وسقوط الهيبة، ومفترس لأنه لا يرتوي من الدماء. التواطؤ مع هذا الكيان لا يوفر الحماية للمتواطئ، بل يجعله مجرد "أداة وظيفية" يتم التخلص منها بمجرد انتهاء صلاحيتها. هؤلاء الذين يبررون جرائم حزب الله في سوريا، أو يصفقون لتغول الميليشيات في العراق واليمن، يساهمون في تدمير أوطانهم بأيديهم. إنهم يوفرون غطاءً "علمانياً" أو "مدنياً" لجرائم ثيوقراطية، مما يجعلهم شركاء في الدم وفي تزييف وعي الأجيال القادمة. إن دروس الماضي واضحة: من يركب ظهر النمر الإرهابي ينتهي به المطاف في بطنه، والخميني لم يكن استثناءً، بل كان القاعدة التي يسير عليها خلفاؤه في طهران وبيروت.
تكمن قوة المثقف في قدرته على تسمية الأشياء بمسمياتها، ورفض "اللغة الخشبية" التي تحول القاتل إلى مجاهد واللص إلى ممانع. إن معركة الكلمة اليوم هي معركة استعادة المصطلحات؛ فما يمارسه الحزب هو استعمار بالوكالة، وما يديره هو اقتصاد مافيوي، وما يطرحه هو خرافة بالية. عندما يجرؤ المثقف على قول هذه الحقائق، فإنه يهدم الأساس الفكري الذي يقوم عليه الاستبداد. إن الاغتيالات التي طالت المثقفين الشيعة اللبنانيين كانت تهدف لإنتاج "شيعة مدجنة" تدين بالولاء للولي الفقيه فقط، لكن الصمود الذي أبداه المعارضون الأحرار أثبت أن العقل الشيعي اللبناني هو عقل مدني وتعددي وتاريخي، يرفض الاختزال في "غيتو" طائفي مسلح. إن الكلمة هنا ليست مجرد ترف فكري، بل هي فعل مقاومة حقيقي ضد محاولة محو الهوية الوطنية اللبنانية.
علاوة على ذلك، فإن ظاهرة "اليساري الممانع" تمثل ذروة الانحطاط الفكري؛ فكيف يمكن لمن يدعي الانحياز للعدالة الاجتماعية والحرية الفردية أن يدعم نظاماً يعدم الشباب بسبب تسريحة شعر، أو يقتل النساء لعدم ارتدائهن الحجاب وفق معايير الفقيه؟ إن هذا التناقض يكشف عن إفلاس أيديولوجي يجعل الكراهية للغرب محركاً أقوى من القيم الإنسانية. إن هؤلاء المطبلين يمنحون النظام الإرهابي "صكوك غفران" سياسية تسمح له بالتمادي في قمع شعبه وشعوب المنطقة. إنهم لا يتعلمون من التاريخ لأنهم اختاروا أن يكونوا "مؤجرين للعقول" في سوق النخاسة الإيرانية، متناسين أن الإرهاب العقائدي لا يحترم "المثقف المأجور" بل يحتقره ويستخدمه كخرقة يمسح بها دماء ضحاياه قبل أن يلقي بها في سلة المهملات.
إن مواجهة السلاح بالكلمة تتطلب شجاعة أخلاقية تفوق شجاعة المقاتل في الميدان، لأن المثقف يواجه عدواً غير مرئي يتربص به في زواريب بيروت وفي الفضاء الرقمي. إن تجربة الاغتيالات المعنوية والجسدية لم تزد الأحرار إلا إصراراً على كشف المستور. فاليوم، وأكثر من أي وقت مضى، سقطت هيبة "سيد المقاومة" وظهرت حقيقة "الجرذان" الذين يديرون مشاريع الموت. لقد تحولت "المقاومة" في نظر غالبية الشعوب الناطقة بالعربية إلى مرادف للإرهاب والكبتاغون والتبعية. وهذا التحول في الرأي العام هو الثمرة المرة التي يجنيها المثقفون بدمائهم وأقلامهم؛ فقد نجحوا في كسر جدار الخوف وفي تحويل "المقدس" الإيراني إلى مادة للسخرية والاستهزاء بفعل انكشافه وتخلفه أمام منطق العصر وتكنولوجيا العلم.
إن التواطؤ مع الإرهابي لا ينفع، لأن الإرهابي لا يؤمن بالحوار بل بالإملاء. نظام الولي الفقيه لا يرى في المثقف اللبناني أو السوري أو المصري شريكاً، بل يراه "مادة دعائية" أو "هدفاً عسكرياً". واليساريون الذين يظنون أنهم بمداهنة هذا النظام يحققون مكاسب ضد الإمبريالية، هم في الواقع يدعمون "إمبريالية ثيوقراطية" أكثر تخلفاً ودموية. إن المقصلة التي أقامها الخميني لليساريين الإيرانيين لا تزال قائمة، وهي جاهزة لكل من يظن أنه يمكنه اللعب مع "الحيوان المفترس" دون أن يفقد رأسه. إن المثقف الحقيقي هو من يقف في وجه كل أنواع القمع، سواء جاء من الغرب أو الشرق، ومن يدرك أن الحرية لا تُجزأ، فلا يمكن أن تكون ثورياً في لندن ومطبلاً لميليشيا تقتل الأطفال في حلب أو تخطف الدولة في بيروت.
ختاماً، إن معركة المثقف في مواجهة السلاح هي المعركة الفاصلة في تحديد مصير المشرق العربي. إن الكلمة هي التي ستبقى، بينما السلاح الذي يقتل الأبرياء ويحمي تجارة السموم سيتحول إلى ركام. إن دماء المثقفين الأحرار هي التي تروي شجرة السيادة والحرية، وصمودهم هو الذي سيكسر في النهاية طغيان الولي الفقيه وأوهام الإمبراطورية الفاشلة. إن التاريخ لن يرحم المطبلين والانتهازيين الذين باعوا ضمائرهم للإرهاب، وسيبقى ذكر المثقفين الذين واجهوا الموت بصدور عارية وأقلام صادقة خالداً في وجدان الشعوب. إن التواطؤ مع الحيوان المفترس هو رهان الحمقى، أما الرهان الرابح فهو الرهان على العقل، والحرية، والكرامة الإنسانية التي لا تساوم ولا تباع في أسواق التبعية والظلام. إن جدار الخوف قد تداعى، وما بنته الكلمة الحرة عبر عقود من التضحيات هو اليوم السد المنيع الذي سيحمي ما تبقى من أمل في هذه المنطقة المنكوبة بخرافات السرداب ورصاص الغدر.




.

تزييف الوعي وصناعة الاستلاب: المناهج التربوية العقائدية وقنص الأجيال الناشئة (مقال)

.
.
تزييف الوعي وصناعة الاستلاب: المناهج التربوية العقائدية وقنص الأجيال الناشئة




تعد عملية بناء الوعي لدى الأجيال الناشئة هي الحجر الأساس في تشكيل مستقبل الأمم واستقرار المجتمعات، غير أن التنظيمات العقائدية والإرهابية، سواء كانت تتشح بعباءة "دولة الولي الفقيه" أو ترفع راية "دولة الخلافة"، أدركت مبكراً أن البقاء الطويل الأمد لا يتحقق فقط عبر السلاح والترهيب، بل عبر "هندسة العقول" وتأميم الضمائر منذ الطفولة المبكرة. إن ما نشهده في بيئة حزب الله ومن يدور في فلك المحور الإيراني، وما شابهه في تجارب التنظيمات السنية المتطرفة، يمثل جريمة "تزييف وعي" ممنهجة تهدف إلى تحويل الأطفال والشباب من مواطنين فاعلين في دولهم إلى مجرد "وقود للمحور" وأدوات تنفيذية في مشاريع عابرة للحدود. هذه المناهج التربوية الموازية تعمل على هدم فكرة الانتماء للوطن واستبدالها بولاء مطلق للفقيه أو للخليفة، محولةً الموت من مصيبة إنسانية إلى هدف أسمى، والقتل من جريمة إلى "تكليف شرعي" مقدس، مما يخلق جيلاً مسلوب الإرادة، يرى في الدمار انتصاراً وفي التبعية للخارج ذروة الإيمان.
تبدأ استراتيجية غسل الأدمغة في بيئة حزب الله من المؤسسات التربوية والكشفية التي تعمل كحواضن أيديولوجية مغلقة، حيث يتم تقديم نسخة مشوهة من التاريخ والدين والسياسة. في هذه المناهج، لا يتم تدريس الطفل اللبناني قيم المواطنة والسيادة والعيش المشترك، بل يُلقن منذ نعومة أظفاره أن وجوده مرتبط بوجود "المقاومة"، وأن عدوه ليس فقط من يحتل الأرض، بل كل من يعترض على مشروع الولي الفقيه. يتم تصوير المرشد الإيراني كمرجع أعلى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، مما يجعل الطفل يكبر وفي عقله "انفصام وطني" حاد؛ فهو يعيش على أرض لبنانية لكن قلبه وعقله مبرمجان وفقاً لتوقيت طهران. هذا الاستلاب التربوي يهدف إلى خلق "جيش عقائدي" لا يناقش الأوامر، بل ينفذها بصفته "مكلفاً"، محولاً الأجيال الصاعدة إلى أرقام في قوائم التعبئة التي تخدم طموحات إمبراطورية لا ناقة للبنان فيها ولا جمل.
إن هذا العيب البنيوي في المنهج التربوي ليس حكراً على التنظيمات الشيعية، بل هو "جينوم" مشترك تلتقي فيه كافة التنظيمات الثيوقراطية. فإذا نظرنا إلى المناهج التي كانت تُدرس في مناطق سيطرة تنظيمات مثل "داعش" أو "القاعدة" تحت مسمى "دولة الخلافة"، نجد نفس الآليات في تحطيم الهوية الوطنية لصالح الهوية "الأممية المتخيلة". فبينما يقدس حزب الله "الولي الفقيه"، تقدس تلك التنظيمات "الخليفة"، وكلاهما يشتركان في كراهية الدولة الوطنية الحديثة واعتبارها كياناً "جاهلياً" أو "مصطنعاً". إن تدمير مفهوم "الوطن" في عقل الطفل هو الخطوة الأولى لتحويله إلى إرهابي عابر للقارات؛ فعندما يفقد الإنسان جذوره في أرضه وقانونه ومجتمعه الصغير، يصبح من السهل إقناعه بأن الانتحار في مدينة بعيدة أو قتل "مخالف" في المذهب هو الطريق الوحيد للجنان. إنها عملية "تجريد من الإنسانية" تبدأ بالكتاب المدرسي وتنتهي بحزام ناسف أو صاروخ موجه.
يبرز تقديس الموت كواحد من أخطر ركائز هذه المناهج، حيث يتم تصوير "الشهادة" ليس كفعل دفاعي اضطراري عن الوطن، بل كغاية في حد ذاتها وكأسلوب حياة. في مدارس هذه التنظيمات، تُزين الجدران بصور القتلى وتُروى قصص "البطولات" الملحمية التي تتجاوز العقل والمنطق، مما يولد لدى الطفل رغبة عارمة في المحاكاة واللحاق بـ "قافلة النور" المزعومة. هذا الشحن العاطفي الممنهج يلغي غريزة البقاء الطبيعية ويستبدلها بشهوة الموت، مما يسهل على القيادة السياسية والعسكرية سوق هذه الأجيال نحو حروب عبثية في سوريا أو اليمن أو غيرها، دون أن يجرؤ أحد على السؤال عن الجدوى الأخلاقية أو الوطنية لهذه الدماء. إن تربية الطفل على أن "الموت أسمى أمانينا" هي في الحقيقة عملية "إعدام تربوي" للمستقبل، حيث يتم تجفيف منابع الإبداع والحياة لصالح ثقافة القبور واللطميات والندب المستمر على مظلوميات تاريخية يتم استحضارها وتوظيفها سياسياً.
تعتمد هذه التنظيمات أيضاً على عزل الناشئة عن أي فكر مغاير عبر فرض رقابة صارمة على مصادر المعرفة. فالمكلف الصغير لا يقرأ إلا ما تقرره "اللجنة التربوية" في الحزب أو التنظيم، ولا يشاهد إلا القنوات الإعلامية التي تسبح بحمد المحور. هذا "الحصار الثقافي" يؤدي إلى نشوء أجيال تعاني من "ضيق أفق معري" حاد، حيث يتم تصوير الآخر (سواء كان من دين آخر، أو مذهب آخر، أو حتى من نفس المذهب ولكنه يتبنى فكراً مدنياً) كعدو أو كافر أو خائن. هذا التجييش ضد "الآخر" هو الذي يبرر الاغتيالات والتسلط والتغول على المجتمعات؛ فالمقاتل الذي تخرج من هذه الحواضن يرى في جاره الذي يطالب بالدولة والسيادة عقبة أمام "الوعد الإلهي" يجب إزاحتها. إن المناهج التربوية هنا لا تبني عقولاً، بل تصنع "قوالب صماء" تكرر الشعارات وتنفذ المهمات القذرة تحت غطاء القداسة.
إن التنافس بين "دولة الولي الفقيه" و"دولة الخلافة" هو في جوهره تنافس على من يمتلك قدرة أكبر على "تزييف الوعي" الجمعي. فبينما يركز المنهج الشيعي المسيس على "المظلومية والانتظار" كوقود للمواجهة، يركز المنهج السني المتطرف على "الاستعلاء والتمكين" كوقود للتوسع. والنتيجة في الحالتين هي ضياع "الإنسان" وتدمير "الدولة". إن هؤلاء الذين يهربون من بلدانهم بسبب القمع ليعيشوا في الغرب، ثم يدافعون عن هذه المناهج التدميرية، يمارسون نوعاً من الانفصام الأخلاقي؛ فهم يريدون لأبنائهم تعليم العصر والحرية في لندن وباريس، بينما يباركون تحويل أبناء الفقراء في بيروت وبغداد وصنعاء إلى وقود للمحور وللخرافات البالية. إن هذه الازدواجية هي التي تغذي استمرار هذه التنظيمات وتمنحها غطاءً "مدنياً" زائفاً يستر قبح ممارساتها التربوية.
علاوة على ذلك، فإن هذه المناهج تضرب في مقتل قيم "الحقيقة والصدق"، حيث يتم تعليم الأطفال أن الكذب (تحت مسميات مثل التقية أو الحرب خدعة) هو فضيلة إذا كان يخدم مصلحة التنظيم أو المحور. هذا الانهيار الأخلاقي يؤدي إلى نشوء مجتمعات قائمة على الرياء السياسي والازدواجية السلوكية، حيث لا توجد ثوابت وطنية أو قيم إنسانية عابرة للانتماء الحزبي. إن الانتماء للوطن يتطلب قدراً من النزاهة والوضوح والالتزام بالقانون العام، بينما الولاء للخارج يتطلب الغموض والتآمر والالتفاف على مؤسسات الدولة. ومن هنا، نجد أن خريجي هذه المناهج هم الأكثر عرضة للانخراط في شبكات الفساد، وتبييض الأموال، وتجارة المخدرات، لأنهم لا يشعرون بأي مسؤولية أخلاقية تجاه "الدولة" التي يعتبرونها مجرد غنيمة أو ساحة للتمكين.
إن مواجهة هذا التزييف الممنهج للوعي تتطلب ثورة تربوية شاملة تعيد الاعتبار للمدرسة الوطنية وللمنهج العلمي القائم على النقد والتحليل. لا يمكن مواجهة "المنهج العقائدي" إلا بـ "المنهج المدني" الذي يقدس العقل ويحترم حقوق الإنسان ويغرس في الطفل أن كرامته مستمدة من مواطنته وليس من انتمائه لميليشيا أو طائفة. إن تحرير الأجيال الناشئة من مخالب المحور الإيراني ومن أوهام الخلافة السنية هو معركة الوجود الحقيقية في المنطقة. فالسلاح يمكن تدميره بالصواريخ، ولكن الأفكار المسمومة التي غُرست في العقول تحتاج إلى أجيال من العمل التربوي الجاد لتنظيفها وإعادة بناء الضمير الوطني على أسس صلبة.
وفي الختام، إن ما يفعله ملالي إيران وتجار الدين من كل الأطياف بحق الطفولة والشباب في منطقتنا هو إبادة معنوية لا تقل خطورة عن الإبادة الجسدية. إنهم يسرقون "زمن" هؤلاء الشباب ويحولونهم إلى حطب لنار لا تنطفئ، ويحرمونهم من حقهم في العيش في دول مستقرة ومزدهرة. إن سقوط هذه الأنظمة والتنظيمات يبدأ من سقوط "قداسة" مناهجها، ومن تجرؤ العائلات والمجتمعات على رفض تحويل أبنائها إلى "قرابين" على مذبح الولي الفقيه أو الخليفة المزعوم. إن الانتماء للوطن هو الانتماء للحياة وللمستقبل وللقانون، بينما الولاء للمحاور الخارجية هو الانتماء للموت وللماضي وللخراب. وعلى الشعوب الناطقة بالعربية أن تدرك أن الحفاظ على وعي أبنائها هو خط الدفاع الأول عن بقائها وكرامتها وسيادتها، بعيداً عن زيف الشعارات وخرافات السرداب وأوهام التمكين التي لم تخلف وراءها سوى الدمار والضياع وتزييف الوعي الإنساني. إن المعركة اليوم هي معركة بين "الكتاب الذي يفتح الآفاق" و"الكتاب الذي يغلق العقول"، وبين "الوطن الذي يحضن الجميع" و"المحور الذي يلتهم الجميع"، والنصر فيها لا يكون إلا بالعلم والوعي والتمسك بقيم الحق والحرية والمواطنة الصادقة.




.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...