Translate

عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - مقال الخامس: المظلومية الانتقائية ونفاق المثقف الضحية (مقال)

.


.
عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - مقال الخامس: المظلومية الانتقائية ونفاق المثقف الضحية



يصل مشروع التضليل الفكري إلى ذروته حين يتحول النقد من أداة للتحرر إلى صناعة لبيع الأوهام، وهو المسار الذي سلكه عبد الوهاب المسيري بالتحالف الضمني مع إدوارد سعيد ومجموعة من المثقفين الذين يمكن تسميتهم "باعة المظلومية". هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم حراساً للهوية العربية والإسلامية، لم يفعلوا في الحقيقة سوى استثمار الفشل الحضاري لشعوب المنطقة وتحويله إلى بضاعة رائجة تجلب التمويلات والمبيعات والشهرة الأكاديمية. إن الخيط الناظم بين المسيري في تفكيكه للصهيونية وإدوارد سعيد في نقده للاستشراق هو محاولة إقناع الإنسان العربي بأنه ليس مسؤولاً عن واقعه المتردي، بل هو مجرد ضحية لمؤامرة كونية كبرى بدأت بالاستشراق وانتهت بالصهيونية، وهي سردية سيكوباتية تهدف إلى حماية الذات من مواجهة بشاعتها التاريخية وعجزها المعاصر عبر إلقاء اللوم الدائم على "الآخر" المستعمر والمادي والمتآمر.
إن تسليع المظلومية العربية في فكر هؤلاء المثقفين قد أدى إلى ولادة نوع من "النفاق الثقافي" الذي يقتات على الجراح، حيث تم تصوير العربي والمسلم في صورة "الضحية الأبدية" التي لا تخطئ ولا تظلم، بل تُظلم دائماً. إدوارد سعيد، على سبيل المثال، منح العقل العربي صك براءة أخلاقي شامل حين جعل من "الاستشراق" العدو الأول الذي شوه صورة الشرق لتمهيد الطريق للاستعمار، وهو ما استغله المسيري ليبني عليه سرديته بأن الصهيونية ليست إلا تجسيداً لهذا التصور الاستشراقي المادي. المشكلة الكبرى في هذا الطرح ليست في نقد الغرب، فالغرب يستحق النقد، بل في كونه طرحاً "أحادياً" يعفي الذات من أي نقد بنيوي. فبينما يصرخ هؤلاء ضد "العنصرية الغربية"، يلوذون بالصمت المطبق أمام العنصرية العربية والإسلامية التي مارست التطهير العرقي والديني والثقافي ضد الأقليات والشعوب الأصيلة طوال أربعة عشر قرناً. هذا المثقف الضحية يطالب الغرب بالاعتذار عن قرن من الاستعمار، لكنه يرفض مجرد الاعتراف بجرائم السبي والنهب والتهجير التي ارتكبتها الإمبراطوريات الإسلامية بحق الأرمن والكورد والسريان والأقباط والأمازيغ، معتبراً تلك الجرائم "انتشاراً للحق" لا يستوجب الاعتذار بل يستوجب الشكر من الضحايا.
إن السيكوباتية في هذا الخطاب تظهر بوضوح حين يتم استخدام أدوات الحداثة الغربية ومفاهيم ما بعد الاستعمار لشرعنة التخلف المحلي. المسيري وسعيد استخدما مناهج التفكيك والنقد الغربي ليس لإصلاح مجتمعاتهما، بل لصناعة "تمركز حول الذات" يرفض الآخر ويرى في كل نقد داخلي خيانة أو تأثراً بالاستشراق. لقد نجح هؤلاء في إقناع الجماهير بأن الفشل في بناء دولة القانون، والفشل في احترام حقوق الأقليات، والفشل في التنمية العلمية، كلها نتاج "المؤامرة"، مما خلق جيلاً من القراء الذين يجدون في كتب المسيري وسعيد تعويضاً نفسياً عن شعورهم بالدونية. إن هذا الاستثمار في "العجز" هو الذي يفسر مبيعات كتبهم الضخمة في المنطقة؛ فالناس لا تريد من يواجهها بعيوبها، بل تريد من يخبرهم بأنهم "خير أمة أخرجت للناس" وأن مشكلتهم الوحيدة هي "الآخر الشرير". إن هذا التخدير الفكري هو أكبر عائق أمام الحداثة، لأنه يمنع عملية "تفكيك الأنا" الضرورية للنهوض، ويستبدلها بتفكيك الخصوم كفعل تعويضي وهمي.
علاوة على ذلك، فإن هؤلاء "الأصنام الثقافية" قد كرسوا لنوع من "الإمبريالية الثقافية العربية" التي تنكر حق الشعوب الأصيلة في أرضها وهويتها. عندما يتحدث المسيري عن "الكتلة البشرية" لمواجهة الصهيونية، فإنه يفترض أن هذه الكتلة يجب أن تكون "عربية إسلامية" بالضرورة، ضارباً عرض الحائط بهويات ملايين البشر الذين سُحقت لغاتهم وحضاراتهم تحت وطأة التعريب القسري. إن نفاق المثقف الضحية يظهر حين يدين سياسة "الاستيطان" الإسرائيلي، ولكنه يقدس "الاستيطان" العربي الذي غير ديموغرافية شمال أفريقيا والهلال الخصيب ومحا وجود لغات عريقة مثل القبطية والأمازيغية والآرامية. المسيري وسعيد لا يريان في هذا الاستعمار العربي مشكلة، لأنه في نظرهما "استعمار خير" جلب الدين واللسان، وهذا المنطق هو نفسه منطق الاستعمار الغربي الذي ادعى جلب "الحضارة والتنوير". إن غياب النزاهة الأخلاقية في عدم الاعتذار عن تاريخ طويل من القمع للأقليات هو الذي يجعل نقد هؤلاء للصهيونية يبدو مجرد "صراع إرادات" على السيادة، وليس دفاعاً أصيلاً عن مبادئ الحرية والعدالة.
إن التحرر الحقيقي للعقل العربي والمسلم لا يمكن أن يبدأ إلا من خلال "الكفر الكامل" بهذه الأصنام الثقافية وباعة الأوهام. يجب تحطيم صنم المسيري الذي حول الصراع إلى غيبيات ونماذج وظيفية تبرر الفشل، وتحطيم صنم إدوارد سعيد الذي جعل من النقد أداة للاختباء خلف المظلومية. إن بناء عقل حديث يتطلب الجرأة على قراءة التاريخ بدمويته الحقيقية، دون مساحيق تجميل أو تبريرات دينية. يتطلب الاعتراف بأننا لسنا ضحايا فقط، بل كنا وما زلنا "جلادين" لكثير من الأقليات والشعوب التي تعيش بيننا. إن كرامة الإنسان لا تتجزأ، ومن يطالب إسرائيل بالاعتذار عن النكبة، عليه أولاً أن يملك الشجاعة للاعتذار عن "نكبته الخاصة" التي ألحقها بالأرمن والسريان والأمازيغ، وعن تاريخ الرق والنخاسة الذي استمر قروناً. وبدون هذا الصدق الأخلاقي، سيظل المثقف العربي يراوح مكانه في دور "السيكوبات السياسي" الذي يبكي على جرحه بينما يده تقطر من دماء الآخرين.
في الختام، إن مشروع "عبد الوهاب المسيري: السيكوبات السياسي" هو دعوة لفتح العيون على بشاعة النفاق الثقافي الذي غلف حياتنا الفكرية لعدة عقود. إن الأكاذيب التي ساقها هؤلاء المثقفون لتبرير الاستبداد المحلي والتمييز الديني والعرقي تحت مسمى "الهوية" و"المقاومة" قد أدت إلى إفلاس حضاري شامل. التحرر يبدأ حين نتوقف عن تصديق أننا ضحايا "مؤامرة"، ونبدأ في فهم أننا ضحايا عقولنا التي تقدس القتلة القدامى وتبرر بشاعاتهم. إن العقل الحديث الذي نحلم به هو العقل الذي يحترم الإنسان لذاته، لا للونه أو دينه أو لغته، وهو العقل الذي لا يجد حرجاً في إدانة "محمد" أو "عمر" أو "عبد الناصر" بنفس القوة التي يدين بها "هرتزل" أو "بن غوريون". هذا هو السبيل الوحيد للخروج من نفق المظلومية الانتقائية نحو فضاء الإنسانية الواسع، حيث لا مكان للأصنام ولا مبرر للأكاذيب.


.

عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - المقال الرابع: مكارم الأخلاق في مرآة السبي والنخاسة (مقال)

.


.
عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - المقال الرابع: مكارم الأخلاق في مرآة السبي والنخاسة



يحتل مفهوم "الأخلاق" في مشروع عبد الوهاب المسيري مكانة المركز، حيث بنى الرجل معظم نظرياته النقدية للغرب وللصهيونية على أساس المقارنة بين "المادية الغربية" التي تُشيئ الإنسان وتحوله إلى مادة استعمالية، وبين "النموذج الإسلامي" الذي يراه نموذجاً إنسانياً وتوحيدياً يكرم النفس البشرية. ولكن، خلف هذا الرداء الأخلاقي الفضفاض، تكمن "سيكوباتية سياسية" مروعة تتعمد الهروب من مواجهة أكثر المناطق دموية وبشاعة في التاريخ الذي يقدسه المسيري، ألا وهي منظومة الرق والسبي والنخاسة التي كانت عصب الاقتصاد والمجتمع في الإمبراطوريات الإسلامية المتعاقبة. إن المسيري، في سعيه لشيطنة "التشييء" الصهيوني، يتجاهل تماماً أن المنظومة التي يدافع عنها قد مارست أبشع أنواع التشييء والسلعنة للبشر عبر قرون، محولةً الملايين من الأفارقة والأوروبيين والآسيويين إلى مجرد "سلع" تُباع وتُشترى في أسواق النخاسة، مع تبرير ذلك بغطاء ديني مقدس يمنع النقد أو الاعتذار.
إن الادعاء بأن الإسلام جاء ليتمم مكارم الأخلاق يصطدم بحقيقة تاريخية وميدانية مريرة، وهي أن "السبي" كان أحد الأدوات الأساسية في الفتوحات التي يسميها المسيري "انتشاراً حضارياً". فعندما يهاجم المسيري الصهيونية لأنها تستغل الإنسان أو تشرده، فإنه يغض الطرف عن مئات الآلاف من النساء والأطفال الذين تم سوقهم كـ "غنائم حرب" في تاريخنا، حيث تم تحويل المرأة إلى "جارية" يُستباح جسدها تحت مسمى "ملك اليمين"، ويُباع طفلها في الأسواق بعيداً عنها. هذا التشييء الجسدي والروحاني هو في جوهره أعمق بكثير من التشييء المادي الذي انتقده المسيري في "الحداثة الغربية"، إذ إنه يسلب الإنسان كرامته باسم "الله"، ويجعل من استعباده جزءاً من النظام الكوني المقدس. المسيري يهرب من هذا الواقع عبر قوله إن الإسلام "ضيق منافذ الرق"، وهي حجة واهية تهدف لتجميل القبح، إذ إن الواقع التاريخي يثبت أن تجارة الرق في العالم الإسلامي كانت من الضخامة والاستمرارية بحيث لم تتوقف إلا بضغط خارجي من "الغرب" الذي يلعنه المسيري صباحاً ومساءً.
إن السيكوباتية الأخلاقية في خطاب المسيري تتجلى عندما يرفض الاعتراف بأن "حقوق الإنسان" الحديثة، التي ولدت من رحم الحداثة العلمانية، هي التي أنقذت البشرية من بشاعة التشريعات الدينية المتعلقة بالرق. فبينما كان الفقهاء المسلمون، حتى عقود قريبة، يكتبون في أحكام البيع والشراء للعبيد وعتق الرقاب كفارة للذنوب (مما يعني بقاء "الأصل" وهو العبودية)، كانت المواثيق الدولية البشرية هي التي فرضت إلغاء الرق قسراً على المجتمعات الإسلامية. لقد قبل المسلمون بإلغاء الرق مجبرين لا مخيرين، تحت ضغط المعاهدات والقوة العسكرية الغربية، وليس نتيجة "تطور أخلاقي" نابع من داخل النص الديني الذي يمجده المسيري. إن هذا يثبت أن العقل البشري، في بحثه عن العدالة، تفوق على "المقدس التاريخي" الذي أقر العبودية وشرعنها. المسيري ينقد الغرب لأنه "مادي"، لكنه لا يجرؤ على القول إن "مادية" الغرب هي التي وضعت حداً للنخاسة الإسلامية التي دامت أربعة عشر قرناً.
علاوة على ذلك، فإن المسيري في نقده للصهيونية يركز على "العنصرية"، بينما يتناسى أن نظام الرق في التاريخ الإسلامي كان مشبعاً بالعنصرية العرقية، حيث تم تخصيص المهام الشاقة والوضيعة للسود من شرق وغرب أفريقيا، ووُضعت في الفقه أحكام تمييزية تفرق بين العبد الأبيض والعبد الأسود في القيمة والثمن. إن "الرجل الأبيض" الذي هاجمه المسيري في نموذجه الغربي، كان له شريك "رجل مسلم" في ممارسة نفس الجرائم بحق الإنسان الأفريقي. المسيري يرفض محاكمة "الأنا" بنفس المعيار، فيعتبر عنصرية الصهيوني "جوهرية"، بينما يعتبر عنصرية المسلم "انحرافاً سلوكياً" أو "نتاجاً لعصره". هذا التلاعب بالأحكام هو ما يجعل خطابه خطاباً منافقاً يفتقر للنزاهة العلمية؛ فالظلم لا يتغير لونه بتغير دين الظالم، والتشيؤ الذي يصيب العبد في خيبر أو بغداد هو نفس التشؤ الذي يصيب العامل في مصانع مانشستر، بل ربما كان الأول أكثر قسوة لأنه لا يملك حتى حق الصراخ ضد "إرادة الله" المزعومة في استعباده.
إن مواجهة التاريخ الدموي تعني أيضاً مواجهة "سيرة البدايات" التي يحاول المسيري إضفاء الطابع الرومانسي عليها. فعندما نتحدث عن إبادة قبائل كاملة في المدينة، أو سبي نساء بني المصطلق أو خيبر، نحن لا نتحدث عن "مكارم أخلاق"، بل نتحدث عن ممارسات حربية تقليدية شديدة العنف والقسوة. المسيري يرى في "دير ياسين" جريمة لا تُغتفر (وهي كذلك)، لكنه يرى في "بني قريظة" حكماً إلهياً عادلاً. هذه هي السيكوباتية في أبهى صورها: القدرة على تبرير القتل الجماعي والسبي إذا كان الفاعل ينتمي لـ "خندقنا العقدي". إن التحرر الفكري يقتضي نزع القداسة عن هذه الأفعال والاعتراف بأنها كانت أفعالاً فاسدة ومجرمة بالمعايير الإنسانية، وأن تمجيدها اليوم هو تآمر على مستقبل الإنسان. المسيري، بصمته عن هذه البشاعات، ساهم في تخدير الوعي المسلم ومنعه من الاعتذار التاريخي الضروري للأمم والشعوب التي سُحقت تحت خيول الفتوحات.
في الختام، إن مرآة السبي والنخاسة تكشف زيف "التفوق الأخلاقي" الذي حاول المسيري بيعه لنا. إن الحقيقة المرة هي أننا كعرب ومسلمين نعيش في حالة انفصام؛ نلعن الاستعمار الغربي لأنه استغلنا لقرن من الزمان، ونقدس استعمارنا للآخرين الذي استمر قروناً واستعبد الملايين. المسيري لم يكن سوى "مكياج فكري" حاول إخفاء ندوب هذا التاريخ الدموي. إن حقوق الإنسان ليست "منحة دينية" كما ادعى، بل هي "انتزاع بشري" ضد تسلط الأديان والأنظمة التي تشرعن العبودية. لكي نصلح العالم، كما يزعم المسيري، كان يجب أن نبدأ بإصلاح "عفنا الداخلي" والاعتراف بأن منظومتنا التاريخية كانت في أجزاء كثيرة منها منظومة "تشييء" وإبادة، وبدون هذا الاعتراف، يظل نقدنا للصهيونية أو للغرب مجرد "صراخ منافق" لا يحترم الإنسان بقدر ما يبحث عن نصرة طائفته.



.

عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - المقال الثالث: الجغرافيا الدينية وفقه التهجير المقدس

.


.
عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - المقال الثالث: الجغرافيا الدينية وفقه التهجير المقدس


تتجلى ذروة الانفصام الأخلاقي والسيكوباتية السياسية في فكر عبد الوهاب المسيري حينما يقارب مفهوم "الأرض"، حيث تتحول الجغرافيا في مخيلته الأيديولوجية من حيز إنساني مشترك إلى ساحة للصراع بين "المقدس" و"المدنس". فبينما يكرس المسيري آلاف الصفحات لإدانة سياسات "الترانسفير" أو التهجير القسري التي مارستها الحركة الصهيونية بحق الفلسطينيين، واصفاً إياها بأبشع النعوت الاستعمارية والمادية، نراه يقف صامتاً، بل وممجداً، لعمليات تهجير وتطهير عرقية ودينية كبرى جرت تحت راية "الجغرافيا الدينية" الإسلامية. هذا التناقض الصارخ يكشف عن بنية فكرية ترى في الظلم جريمة إذا وقع عليها، وتراه "ضرورة حضارية" أو "فتحاً مبيناً" إذا مارسته ضد الآخرين. إن المسيري هنا لا يدافع عن مبدأ "حق الإنسان في أرضه"، بل يدافع عن "حق جماعته في السيادة المطلقة"، وهو موقف لا يختلف في جوهره عن المنطق الإقصائي الصهيوني الذي يدعي المسيري محاربته.
إن مأساة العقل المسيري تبدأ من تبنيه غير الناقد لما يمكن تسميته "فقه التهجير المقدس"، وهو الفقه الذي تأسس مع بدايات الدولة الإسلامية في المدينة المنورة. عندما يُسأل المسيري عن طرد قبائل اليهود من جزيرة العرب، أو عن وصية "لا تجتمع قبلتان في جزيرة العرب" التي نفذها الخليفة عمر بن الخطاب بتهجير من تبقى من يهود خيبر ونصارى نجران، فإنه يلوذ بتبريرات سياسية وذرائع أمنية واهية، معتبراً أن تلك الجماعات كانت "طابوراً خامساً" أو عناصر مخلة بأمن الدولة الناشئة. هنا، تتحول الجغرافيا إلى ملكية حصرية للعقيدة، ويصبح "الترانسفير" عملاً شرعياً لحماية نقاء الأرض الدينية. المفارقة المذهلة هي أن إسرائيل تستخدم بالضبط نفس هذه الحجج لتبرير تهجير الفلسطينيين في عام 1948، مدعية أنها كانت في حالة حرب وأن وجود العرب يشكل خطراً أمنياً على بقاء الدولة اليهودية. المسيري يدين التبرير الإسرائيلي بوصفه كذباً استعمارياً، بينما يقدس التبرير الخليفي بوصفه حكمة سياسية، وهذا هو عين النفاق الذي يضرب صدقية مشروعه الفكري في مقتلها.
هذه السيكوباتية في الخطاب لم تتوقف عند حدود التاريخ القديم، بل امتدت لتشمل قضايا العصر الحديث، وعلى رأسها قضية يهود الدول العربية ومصر تحديداً. في موسوعته وكتاباته، يميل المسيري دائماً إلى تصوير خروج اليهود من البلاد العربية كـ "مؤامرة صهيونية" لاقتلاعهم من نسيجهم الوطني، لكنه يتجاهل عمداً وبشكل مهين للضحايا دور الأنظمة القومية والإسلامية في ممارسة ضغوط ترهيبية، وسحب جنسيات، ومصادرات، وتهجير قسري وتهميش دفع هؤلاء للرحيل. عندما قام جمال عبد الناصر بطرد اليهود المصريين وتحويل حياتهم إلى جحيم، لم ير المسيري في ذلك جريمة تطهير عرقي أو ديني، بل رآه "رد فعل سياسي مبرر" تجاه العدوان الثلاثي والصهيونية. إن هذا المنطق الذي يحمّل المواطن الفرد وزر أفعال دولة أخرى لمجرد أنه يشترك معها في الدين هو نفس المنطق الصهيوني الذي يرى في كل يهودي في العالم "صهيونياً" بالضرورة. المسيري يدين تحويل الفلسطيني إلى ضحية للصراع، لكنه يبارك تحويل اليهودي العربي إلى كبش فداء، مما يثبت أن بوصلته الأخلاقية لا تتحرك إلا وفق هوى الهوية الطائفية.
إن الجغرافيا في عقل المسيري محكومة بمفهوم "دار الإسلام" مقابل "دار الحرب"، وهي قسمة تمنح المسلم الحق المطلق في تملك الأرض وتطهيرها من "الآخر" متى ما اقتضت المصلحة العليا. في هذا النموذج التفسيري الذي بناه، تصبح الفتوحات العربية التي اقتلعت شعوباً بأكملها وغيرت ديموغرافية قارات من آسيا إلى الأندلس "انتشاراً للقيم"، بينما يعتبر بناء مستوطنة واحدة في الضفة الغربية "سرطاناً استيطانياً". إن السيكوبات السياسي هنا يرفض الاعتراف بأن الأرض الفلسطينية نفسها كانت مسكونة بكنعانيين وفينيقيين ويهود ومسيحيين قبل أن تأتي خيول العرب لتعيد صياغة هويتها بالقوة. المسيري يريد منا أن نصدق أن استيطان العرب في شمال أفريقيا ومحو لسان أهلها الأمازيغ هو "اندماج"، بينما استيطان اليهود في فلسطين هو "إحلال". هذا التلاعب بالمصطلحات يهدف إلى تجميل صورة "الأنا" القاتلة وتقبيح "الآخر" الغازي، مع أن الفعل المادي في الحالتين هو غزو عسكري نتج عنه تهجير وتغيير في الملكية والسكان.
علاوة على ذلك، فإن المسيري في دعوته لـ "تفكيك الصهيونية" كان يرمي في الحقيقة إلى إحياء "الجغرافيا الدينية الشمولية". هو لا يريد دولة ديمقراطية لكل مواطنيها، بل يريد عودة الأرض إلى "حضن الأمة"، وهو تعبير شاعري يخفي وراءه نظام "الذمة" الذي يجعل غير المسلم مواطناً منقوص الأهلية في أرضه. إن نقد المسيري لإسرائيل كدولة دينية ليس نابعاً من إيمانه بالعلمانية أو الدولة المدنية الحديثة، بل هو نقد "تنافسي"؛ هو يكره الدولة اليهودية لأنها تزاحم دولته الإسلامية المتخيلة على نفس البقعة الجغرافية وبنفس المنطق "الوعد الإلهي". لذا، فإنه يبرر كل أشكال العنف والتهجير التي مارستها الأنظمة الإسلامية ضد الأقليات (مثل الأرمن والكورد واليزيديين) بصفتها "إجراءات لتوحيد الجبهة"، بينما يصرخ عويلاً إذا مارست إسرائيل إجراءً واحداً لتوحيد "جبهتها القومية". هذا العمى الفكري تجاه جرائم الذات هو الذي جعل المسيري يبدو كأنه "محامٍ لشيطان" يرتدي ثياب الواعظ.
إن التحرر من "فقه التهجير المقدس" الذي روج له المسيري يتطلب الاعتراف بأن الجغرافيا لا دين لها، وأن حق الإنسان في بيته وأرضه هو حق طبيعي لا يسقط بالتقادم ولا يتغير بتغير دين الحاكم. إن الصهيونية مجرمة لأنها هجرت الفلسطينيين، وهذا حكم أخلاقي لا يستقيم إلا إذا اعترفنا أيضاً بأن الفتوحات التي مارست التهجير قديماً، والأنظمة التي مارست طرد اليهود والأقليات حديثاً، هي أيضاً ممارسات إجرامية. المسيري أراد أن يقنعنا بأن هناك "ظلمًا خيرًا" لأنه يخدم العقيدة، و"ظلمًا شريرًا" لأنه يخدم الصهيونية، وهذه هي قمة الانحطاط الأخلاقي. إن صناعة "المقدس الجغرافي" هي التي تسببت في كل هذه الدماء، والمسيري لم يفعل شيئاً سوى تبرير هذه الدماء بمسوح فلسفية كاذبة. إن الكفر بهذا الصنم الثقافي يعني رفض منطق "السيادة الدينية على الأرض" والانتصار لكرامة الإنسان، وهو الأمر الذي فشل فيه المسيري فشلاً ذريعاً لصالح "سيكوباتيته" المنحازة.



.

عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - المقال الثاني: القومية اللغوية وحماقة تزييف الهويات

.


.
عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - المقال الثاني: القومية اللغوية وحماقة تزييف الهويات



يمثل التلاعب بالمفاهيم الأنثروبولوجية والسياسية أحد أبرز الأدوات التي استخدمها عبد الوهاب المسيري ومن لف لفه من منظري العروبة والإسلام السياسي لتمرير مشروع هيمنة ثقافية شاملة، حيث عمد هؤلاء إلى صياغة واحدة من أكبر الأكاذيب الفكرية في التاريخ الحديث، وهي "أكذوبة القومية اللغوية". في هذا السياق، لم يكن المسيري مجرد باحث محايد، بل كان فاعلاً أساسياً في عملية تزييف الهويات الكبرى، حين روج للمقولة السطحية التي تزعم أن "العربي هو كل من تكلم العربية". إن هذه المقولة ليست مجرد خطأ أكاديمي أو تبسيط مخل، بل هي حماقة فكرية متعمدة تهدف إلى إلغاء الوجود البيولوجي والتاريخي والجغرافي للشعوب الأصيلة في المنطقة، وتحويل "اللغة" من أداة للتواصل إلى "عرق زائف" يُستخدم كجسر للعبور نحو استعمار ثقافي يمحو ملامح الحضارات السابقة ويصهرها قسراً في بوتقة المركزية العربية الإسلامية.
إن ادعاء المسيري بأن الهوية العربية هي هوية ثقافية مفتوحة لكل من يتحدث اللسان العربي هو في جوهره نوع من "السيكوباتية السياسية" التي تمارس عنفاً رمزياً ضد الملايين من البشر. فإذا طبقنا هذا المنطق العقيم على خارطة العالم، لوجب علينا اعتبار سكان البرازيل برتغاليين، وسكان السنغال فرنسيين، وسكان الولايات المتحدة إنجليزاً، وهو أمر يرفضه العقل السليم وترفضه تلك الشعوب التي تعتز بتمايزها القومي رغم اشتراكها في لغة المستعمر القديم. لكن المسيري، في سعيه لشيطنة الآخر الصهيوني وتفنيد ادعاءاته القومية، وقع في تناقض أخلاقي ومنطقي صارخ؛ فهو يدين الصهيونية لأنها تحاول إحياء هوية قومية لشتات مبعثر، بينما يمنح نفسه الحق في اختراع "قومية عربية" هلامية تقوم على محو هويات شعوب مستقرة في أرضها منذ آلاف السنين، كالأمازيغ في شمال أفريقيا والقبط في مصر والكورد والسريان والآشوريين في الهلال الخصيب. إن هذا التعريب القسري هو الوجه الآخر للاستعمار الاستيطاني، حيث يتم استبدال وعي الإنسان بأصله وجذوره بوعي "مستعار" يخدم موازين القوى السياسية التي تتبنى الخطاب العروبي.
لقد شرع المسيري لهذا الاستعمار الثقافي من خلال تغليفه بمصطلحات براقة مثل "الانتشار الحضاري" و"النموذج التوحيدي"، معتبراً أن تمدد العرب والمسلمين في هذه الأصقاع كان فعلاً تخليصياً وتنويرياً، بينما يرى في أي محاولة للآخرين للحفاظ على خصوصيتهم الثقافية نوعاً من "التفتيت" أو "الاستعابة المادية". إن هذا النفاق الفكري يتجلى في أبهى صوره حين يندب المسيري ضياع "الهوية الفلسطينية" تحت وطأة العبرنة، بينما يبارك صمت اللسان الأمازيغي واحتضار اللغات القديمة تحت وطأة التعريب. إنه يرى في فرض اللغة العربية على دواوين الدولة في العصور الوسطى انتصاراً للحق، بينما يرى في فرض أي لغة أخرى على أي شعب استلاباً واضطهاداً. هذا التمييز في الأحكام الأخلاقية يكشف أن المسيري لم يكن يهتم بكرامة الإنسان أو حقه في التعبير عن هويته الأصلية، بل كان يعمل كموظف أيديولوجي يسعى لتوسيع "المجال الحيوي" لنموذجه الإسلامي عبر تزييف التاريخ الأنثروبولوجي للمنطقة برمتها.
إن خطورة "أكذوبة القومية اللغوية" تكمن في أنها أفرغت الأوطان من تنوعها الخلاق وحولتها إلى مساحات من التنميط القسري، حيث أصبح المواطن في هذه الدول مطالباً بإنكار دمه وتاريخه لكي يكون "عربياً" مقبولاً في منظومة المسيري. لقد تم استخدام اللغة العربية كأداة قمعية لعزل الشعوب عن تراثها ما قبل الإسلامي، وهو التراث الذي يراه المسيري غالباً "وثنية" أو "مادية" يجب تجاوزها. إن تحويل اللغة إلى عرق هو عملية انتحال كبرى، حيث تم الاستيلاء على منجزات القبط في العمارة والفلك، ومنجزات الفرس في الإدارة والسياسة، ومنجزات السريان في الفلسفة والطب، ثم نُسبت جميعها إلى "العرب" بمجرد أن لغة التدوين أصبحت العربية. المسيري يروج لهذا السطو الثقافي بوصفه "تفاعلاً"، بينما هو في الحقيقة عملية "إبادة ثقافية" ناعمة جعلت الأجيال الحالية تنظر إلى أجدادها العظماء كغرباء أو كأعداء للحضارة التي ينتمون إليها الآن بالتبني القسري.
علاوة على ذلك، فإن هذا التنميط القسري يخدم غاية سياسية واضحة في فكر المسيري، وهي توفير "كتلة بشرية صماء" يمكن تحريكها ضد الغرب والصهيونية تحت شعارات الهوية المشتركة. ولتحقيق هذه الغاية، كان لا بد من تزييف حقيقة أن المنطقة هي فسيفساء من الأعراق واللغات والأديان التي لا يجمعها بالضرورة "العرق العربي". المسيري يتجاهل أن الصراع الحقيقي في المنطقة ليس دائماً مع "الخارج"، بل هو صراع داخلي سببه إنكار الحقوق القومية للأقليات (التي هي شعوب أصيلة). إن هروبه إلى الأمام عبر تعريف "العربي باللسان" هو محاولة لتسكين آلام التمزق الوطني في دول مثل العراق وسوريا والسودان، وهي الدول التي تفجرت فيها الدماء لأن المنطق العروبي الإقصائي رفض الاعتراف بغير "العروبة" هويةً. المسيري هنا يمارس دور "المسكن الفكري" الذي يمنع الجراحة الضرورية للاعتراف بالتعددية، مفضلاً البقاء في وهم "الأمة الواحدة" التي لا توجد إلا في كتبه وفي خيال القوميين المتطرفين.
إن الحقيقة التي يخشاها المسيري هي أن القومية العربية بشكلها الحالي هي مشروع "حديث" تماماً مثل الصهيونية، وأنها قامت على أنقاض هويات حية تم قمعها عسكرياً وثقافياً لقرون. الحديث عن "الفتح" كفعل حضاري يغفل المآسي التي تعرضت لها الشعوب الأصيلة، ويغفل أن اللغة العربية لم تنتشر بالحب والاقتناع وحدهما، بل بكونها لغة "السلطة والمال والجزية". المسيري يرفض محاكمة هذا التاريخ بنفس المشرط الذي يحاكم به الغرب، مما يثبت أنه "سيكوبات سياسي" يمتلك مكيالين للعدالة. إن استمرار التمسك بحماقة القومية اللغوية هو الذي يجعل شعوب المنطقة تعيش في حالة انفصام، حيث تنتمي وجدانياً لتاريخ لا يخصها، وتتنكر لتاريخ يصرخ في عروقها. التحرر الحقيقي يبدأ بتمزيق هذا القناع اللغوي والعودة للاعتراف بأن الأرض كانت وستبقى ملكاً لمن يعيش عليها بهويته الحقيقية، لا بمن يتحدث لغة غازيها القديم ويدعي أنها أصله وفصله.



.

عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - المقال الأول: صنم التفكيك وأسطورة التحليل الوظيفي (مقال)

.


.
عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي - المقال الأول: صنم التفكيك وأسطورة التحليل الوظيفي



تبدأ رحلة السقوط في فخ الأيديولوجيا حين يتحول المثقف من باحث عن الحقيقة إلى مهندس لصناعة الأوهام التي تداعب خيال الجماهير الجريحة والمأزومة حضارياً. في هذا السياق، يبرز اسم عبد الوهاب المسيري كأحد أكبر سدنة هذه الأوهام في العصر الحديث، حيث استطاع عبر موسوعته الضخمة ومنهجه "التفكيكي" المزعوم أن يبني صرحاً من الأكاذيب الفلسفية التي تهدف في جوهرها إلى تخدير العقل العربي والمسلم ومنعه من مواجهة الواقع المرير. إن المنهج الذي اتبعه المسيري ليس منهجاً علمياً يسعى لفهم الظاهرة الصهيونية أو الغربية في سياقها التاريخي والموضوعي، بل هو عملية انتقاء جراحية تهدف إلى تطويع الحقائق لتناسب قوالب ذهنية مسبقة الصنع، حيث يتم استبدال البحث المعرفي الرصين بما أطلق عليه "النماذج التفسيرية"، وهي في حقيقتها ليست سوى قيود فكرية تمنع الرؤية الشاملة وتكتفي بما يخدم السردية الإسلامية والعروبية المتآكلة.
لقد برع المسيري في استخدام لغة فلسفية معقدة ومصطلحات فضفاضة مثل "الحلولية" و"النزعة المادية" و"تجاوز الحداثة"، ليعطي لخطابه مسحة من القداسة الأكاديمية التي ترهب القارئ البسيط وتجعله يسلم بصحة النتائج دون فحص المقدمات. إن الخدعة الكبرى في منهج المسيري تكمن في قدرته على عزل الظواهر عن سياقها الإنساني الحي وتحويلها إلى أرقام أو "وظائف" في آلة كونية متخيلة. ففي رؤيته لإسرائيل، لم يرتكب المسيري خطأً في التقدير فحسب، بل مارس نوعاً من "السيكوباتية السياسية" التي تنزع الصفة الإنسانية والذاتية عن الخصم، محولاً مجتمعاً كاملاً إلى مجرد "كيان وظيفي" لا إرادة له ولا تاريخ مستقل. هذا التحليل الوظيفي هو حجر الزاوية في مشروعه التضليلي، حيث يزعم أن إسرائيل ليست دولة قومية لشعب يمتلك رؤية وتطلعات وقوة ذاتية، بل هي مجرد "أداة" استعمارية صنعها الغرب للتخلص من "الفائض البشري اليهودي" ولحماية مصالحه في المنطقة.
إن ترويج فكرة "الدولة الوظيفية" هو نوع من الاستعلاء الأخلاقي المزيف الذي يسعى لتطمين الجماهير العربية بأن عدوها ليس قوياً بذاته، بل هو "مستأجر" سينتهي دوره بمجرد انتهاء حاجة الممول الغربي له. هذه الرؤية تتجاهل عمداً وبشكل يثير الريبة التطور المجتمعي المذهل داخل إسرائيل، والتقدم العلمي والتكنولوجي، والقدرة على بناء مؤسسات ديمقراطية متينة (لمجتمعها) تفوقت بها على محيطها العربي بمراحل ضوئية. المسيري في "سيكوباتيته السياسية" يرفض الاعتراف بهذه الحقائق لأنها تعني ضرورة نقد الذات العربية والإسلامية الفاشلة، وبدلاً من ذلك يبيع للقارئ مخدر "الزوال الحتمي" بناءً على متتاليات هندسية ونماذج تفسيرية لا وجود لها إلا في عقله المهووس بتأطير العالم داخل صراع "المادة والروح". إن هذا التغافل عن القوة الذاتية للآخر هو ما يجعل القارئ العربي ينتظر سقوط الثمرة دون أن يتحرك، معتقداً أن "النموذج" سيأكل نفسه من الداخل، بينما الواقع يثبت يومياً أن هذا النموذج يتمدد ويتطور بينما ينغمس أتباع المسيري في قراءات تأويلية لا تسمن ولا تغني من جوع.
علاوة على ذلك، يظهر "الانحياز التأكيدي" في منهج المسيري بأبشع صوره حين يتعامل مع المصادر التاريخية واليهودية. فهو لا يقرأ التاريخ ليفهمه، بل "ينتفه" لينتزع منه ما يثبت نظريته مسبقة الصنع. هو يعتمد بشكل مفرط على آراء الهامش اليهودي المعادي للصهيونية أو المؤرخين الجدد الذين يخدمون سرديته، ويقدمهم للقارئ العربي على أنهم "صوت الحق" والوعي الحقيقي، متجاهلاً الأغلبية الساحقة والوعي القومي العام الذي يحرك الكيان الصهيوني. هذا الأسلوب الانتقائي هو تزييف للوعي الجمعي، حيث يوهم المسيري قراءه بأن هناك انقساماً جذرياً سيؤدي للانهيار، بينما هو يغمض عينيه عن الانقسامات الأعمق والدموية في مجتمعاتنا الإسلامية التي يبشر بنموذجها. إن "صنم التفكيك" الذي نصبه المسيري لم يكن يهدف لتفكيك الصهيونية بقدر ما كان يهدف لتفكيك قدرة العقل العربي على الرؤية الموضوعية، واستبدالها بنظارات أيديولوجية ترى في كل نجاح للآخر "مؤامرة" وفي كل فشل لنا "ابتلاء" أو "مرحلة عابرة".
إن الخطورة في خطاب المسيري تكمن في كونه قدم "الجهل المقدس" في ثوب "المعرفة المركبة". فهو يقنع القارئ بأن الفهم البسيط للواقع هو "سطحية مادية"، بينما الفهم الحقيقي هو الغوص في "ما وراء المادة" والبحث عن "النموذج الكامن". هذا النوع من الفكر هو الذي يشرعن الفشل؛ فإذا كانت إسرائيل تكنولوجيا قوية، يقول لك المسيري إن هذا "تقدم مادي خالٍ من القيمة"، وإذا كانت منتصرة عسكرياً، يقول لك إنها "قاعدة وظيفية"، وهكذا يستمر في بناء جدران من الكلمات تحمي الأنا العربية من صدمة الحقيقة. إن المسيري في جوهره لم يكن مهتماً بالعدالة أو بحقوق الإنسان، بل كان مهتماً بانتصار "المركزية الإسلامية" بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو الكذب على الذات وتزييف طبيعة الصراع. لقد حول الصراع من مواجهة بين مشروعات قومية وقوى واقعية على الأرض إلى "حرب أيقونات" ونماذج تجريدية، وهو ما يجعل مشروعه يصب في مصلحة الأنظمة القمعية التي تجد في "نظريات المؤامرة" و"الأدوار الوظيفية" مبرراً لبقائها وفشلها في تحقيق أي إنجاز حقيقي لمواطنيها.
في نهاية المطاف، يجب القول إن عبد الوهاب المسيري قد خان الأمانة العلمية حين قرر أن يكون "مبشراً" بدلاً من أن يكون "باحثاً". إن صنم التفكيك الذي عبده أجيال من المثقفين العرب يجب أن يُحطم، لأن استمراره يعني بقاء العقل العربي سجيناً للأكاذيب التي تمنع الإصلاح. إن مواجهة الصهيونية أو أي تحدٍ حضاري لا تبدأ بإنكار قوة الخصم أو تحويله لـ "وظيفة" عابرة، بل تبدأ بالاعتراف بالواقع كما هو، وبقدرة الإنسان على الفعل والابتكار بعيداً عن الغيبيات السياسية والنماذج التفسيرية الخادعة. إن التحرر من سيكوباتية المسيري هو الخطوة الأولى نحو استعادة الوعي بالذات وبالآخر، بعيداً عن مساحيق التجميل التي حاولت إخفاء بشاعة الفشل العربي خلف ستار كثيف من المصطلحات الفلسفية الجوفاء التي لم تفلح إلا في تعميق الهزيمة وجعلها هزيمة فكرية ونفسية شاملة.


.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...