Translate

الاستعمار بالوكالة: النموذج الإيراني في المشرق وصناعة الخراب تحت عباءة السرداب (مقال)

.


.
الاستعمار بالوكالة: النموذج الإيراني في المشرق وصناعة الخراب تحت عباءة السرداب




تمثل التجربة الإيرانية في التمدد الإقليمي منذ عام ألف وتسعمائة وتسعة وسبعين منعطفاً خطيراً في مفهوم العلاقات الدولية والسيادة الوطنية، حيث استبدلت طهران الاستعمار العسكري المباشر بنموذج "الأذرع العقائدية" العابر للحدود. إن هذا "الاستعمار بالوكالة" لم يكن مجرد استراتيجية دفاعية كما يروج ملالي طهران، بل كان مشروعاً توسعياً يعتمد على نخر المجتمعات من الداخل عبر خلق كيانات موازية تدين بالولاء المطلق للولي الفقيه بدلاً من أوطانها. إن هذا النموذج الذي اتخذ من "حزب الله" اللبناني نموذجاً رائداً أو "خريطة طريق" تم تعميمه لاحقاً في العراق واليمن وسوريا، مما أدى إلى تحويل هذه الدول إلى ساحات مفتوحة للصراعات الإقليمية ومستعمرات غير معلنة تخدم مصالح النظام الثيوقراطي الإيراني. إن جوهر هذا المشروع يستند إلى خليط من الأطماع الجيوسياسية والخرافات الدينية البالية، حيث يتم سوق آلاف الشباب نحو محارق الموت بذريعة التمهيد لظهور "المهدي المنتظر" الذي يزعمون أنه قابع في السرداب، بينما الحقيقة هي أن دماء هؤلاء الشباب ليست سوى وقود لبقاء نظام متخلف يقتات على دمار جيرانه.
لقد شكل حزب الله اللبناني المختبر الأول والأساسي لهذا النوع من الاستعمار، حيث عمل الحرس الثوري الإيراني منذ أوائل الثمانينيات على بناء تنظيم لا يكتفي بالدور العسكري، بل يتغلغل في بنية الدولة والمجتمع ليصبح "الدويلة" التي تبتلع "الدولة". هذا النموذج الرائد اعتمد على ركيزتين: الأولى هي "الشرعية العقائدية" المرتبطة بولاية الفقيه، والثانية هي "الاستقلال المالي والعسكري" عن مؤسسات الدولة اللبنانية. ومن خلال هذا التفوق المسلح المدعوم من طهران، استطاع الحزب تحويل لبنان من منارة للثقافة والحداثة في المشرق إلى قاعدة عسكرية متقدمة ومنصة لتصدير الأزمات. إن نجاح إيران في اختطاف السيادة اللبنانية عبر هذا الوكيل جعلها تعتمد هذا المخطط كـ "كاتالوج" جاهز للتطبيق في كل دولة عربية تعاني من هشاشة مؤسساتية أو اضطرابات سياسية، مما حول المشرق العربي إلى حقل تجارب لآيديولوجية الموت والتبعية.
في العراق، وبعد عام ألفين وثلاثة، بدأت إيران بتنفيذ نسخة أكثر تعقيداً وضخامة من نموذج حزب الله، حيث استغلت الفراغ الأمني لتفريخ عشرات الميليشيات التي تتبع مباشرة لفيلق القدس. إن هذه الأذرع لم تكتفِ بالسيطرة العسكرية، بل تغلغلت في مفاصل الاقتصاد والسياسة، محولةً بلداً غنياً مثل العراق إلى رئة اقتصادية للنظام الإيراني المحاصر دولياً. الجرائم التي ارتكبها ملالي إيران عبر وكلائهم في العراق، من تصفية الناشطين إلى قمع الاحتجاجات الشعبية ونهب مقدرات الدولة، تعكس بوضوح وجه الاستعمار بالوكالة الذي لا يرى في الإنسان العراقي سوى أداة لتعزيز النفوذ الفارسي. إن تحويل المدن العراقية إلى مناطق نفوذ ميليشياوية هو تطبيق حرفي للرؤية الإيرانية التي ترى في "الجغرافيا الشيعية" مجرد ساحة خلفية لحماية نظام طهران، حتى لو كان الثمن تدمير النسيج الاجتماعي العراقي وإغراق البلاد في أتون الطائفية والفساد الممنهج.
أما في اليمن، فقد وجدت إيران في جماعة الحوثي وكيلاً رخيصاً ومؤثراً لتهديد أمن الخليج العربي والملاحة الدولية. لقد تم استنساخ تجربة حزب الله في اليمن عبر التدريب والتسليح والبروباغندا الإعلامية، لدرجة أن الخطاب الحوثي أصبح صدىً باهتأً لخطابات الضاحية الجنوبية وطهران. هذا الاستعمار بالوكالة حول اليمن من "اليمن السعيد" إلى أكبر مأساة إنسانية في العصر الحديث، حيث يتم تجويع الشعب اليمني وتدمير مؤسساته لصالح مغامرات إقليمية تهدف لإطباق الخناق على المنافسين الإقليميين لإيران. إن الملالي الذين يزعمون نصرة المستضعفين، هم أنفسهم الذين يحرمون الطفل اليمني من الغذاء والدواء ليصنعوا صواريخاً ومسيرات لا تخدم إلا استمرارية بقاء "سلطة الفقيه"، في مشهد يبرز قمة النفاق السياسي الممتزج بالخرافة المذهبية.
تجلت وحشية هذا النموذج الاستعماري في أبشع صورها على الأراضي السورية، حيث هبت إيران وأذرعها من كل حدب وصوب لحماية نظام الأسد ليس حباً فيه، بل حمايةً لـ "الجسر البري" الذي يربط طهران ببيروت. إن الجرائم التي ارتكبها الحرس الثوري وميليشياته في حلب وحمص والقصير ومضايا، من حصار وتجويع وتهجير قسري، هي وصمة عار في تاريخ البشرية. لقد تحولت سوريا بفضل هذا التدخل إلى مستعمرة إيرانية ممزقة، حيث تم شراء الأراضي والعقارات وتغيير الديموغرافيا لصالح مشروع التوسع الثيوقراطي. إن هؤلاء الملالي الذين يتحدثون عن "تحرير القدس" لم يقتلوا في طريقهم سوى السوريين واللبنانيين والعراقيين، مما يثبت أن "القدس" في معجمهم ليست سوى قميص عثمان لتبرير استعمار العواصم العربية ونحر شعوبها.
إن الخطورة الكبرى في هذا الاستعمار تكمن في غطائه "المقدس" المستمد من خرافات بالية لا تمت للعقل أو الدين بصلة. إن إقناع المقاتلين بأنهم يمهدون الطريق لظهور "المهدي المنتظر" القابع في السرداب، هو عملية تزييف كاملة للوعي تهدف لتجريد الفرد من إنسانيته ومواطنته. كيف يمكن لإنسان عاقل في القرن الحادي والعشرين أن يبني سياسات دول ومصائر شعوب بناءً على مرويات تاريخية متخيلة؟ لكن الملالي يدركون أن "الخرافة" هي الأداة الأقوى للسيطرة على العوام؛ فمن خلالها يتم تبرير القمع في الداخل وتصدير الإرهاب للخارج. إن هذا النظام المتخلف يخشى العقل والعلم والحداثة، لذا فهو يستعيض عنها بروحانيات زائفة تقدس الموت والندب والولاء المطلق للفقيه، محولاً الدين من رسالة أخلاقية إلى "أيديولوجية استعمارية" فاشية.
لقد تسبب هذا الاستعمار بالوكالة في إفلاس الدول التي دخلها، فالعراق ولبنان واليمن وسوريا تعاني جميعاً من انهيارات اقتصادية مروعة وتفشي للمخدرات والفساد تحت رعاية الأذرع الإيرانية. إن إيران لا تصدر لهذه الدول التكنولوجيا أو التنمية، بل تصدر لها "الكبتاغون" والميليشيات وصواريخ القلق. إنها تسرق مقدرات هذه الشعوب لتمويل طموحاتها النووية وصناعة أدوات القمع، بينما يعاني الشعب الإيراني نفسه من الجوع والاضطهاد. إن ما يفعله الملالي هو عملية "نهب منظم" لثروات المشرق العربي، حيث تُدار المؤسسات الوطنية في هذه الدول كشركات تابعة لمكتب الولي الفقيه، مما يجعل من فكرة "الدولة الوطنية" مجرد وهم في ظل وجود الدويلة المسلحة.
إن مواجهة هذا النموذج الإيراني لا تكون فقط بالسلاح، بل بكسر "الخرافة" التي يرتكز عليها. إن كشف زيف الادعاءات الإيرانية بحماية المقدسات أو نصرة المظلومين هو الخطوة الأولى لاستعادة السيادة المختطفة. إن العالم العربي مطالب اليوم بإدراك أن ملالي طهران لا يختلفون عن أي قوة استعمارية تقليدية، بل هم أسوأ، لأنهم يستعمرون "العقول" قبل "الأرض". إن التمسك بمفهوم الدولة المدنية والمواطنة هو الترياق الوحيد ضد سموم "الوكالة العقائدية". فالشعوب التي تدرك كرامتها وترفض التبعية للخارج لا يمكن سحقها بخرافات السرداب أو بصواريخ الوكلاء.
علاوة على ذلك، فإن "الاستعمار بالوكالة" خلق حالة من الاستقطاب الطائفي غير المسبوق في المنطقة، وهو استقطاب يخدم بقاء النظام الإيراني لأنه يقدم نفسه كـ "حامٍ" للطائفة ضد "الأعداء" الوهميين. إن هذا التمزيق للنسيج الاجتماعي العربي هو الجريمة الكبرى التي لن تنساها الأجيال؛ فقد حولوا الجيران إلى أعداء، والإخوة إلى مقاتلين في جبهات متقابلة، كل ذلك ليبقى الفقيه في طهران آمناً على عرشه. إنهم يتاجرون بالمظلوميات التاريخية ليصنعوا مظلوميات جديدة ومعاصرة تفوق سابقاتها في القسوة والدموية.
إن السحق الذي يتعرض له هذا المشروع حالياً في عدة جبهات، والانكسارات التي حلت ببعض الأذرع الكبرى، تثبت أن "القوة المبنية على الزيف" لا يمكن أن تصمد للأبد. إن الشعوب في لبنان والعراق وإيران نفسها بدأت تعي أن هذا النظام هو العدو الأول لاستقرارها ورفاهيتها. إن الملالي الذين ظنوا أنهم امتلكوا المنطقة عبر ميليشياتهم، يكتشفون اليوم أن إرادة الحياة أقوى من ثقافة الموت، وأن "السرداب" ليس سوى سجن فكري يحاولون حبس المنطقة فيه، بينما العالم يتحرك نحو آفاق أرحب من العلم والحرية والتعاون الإنساني.
في الختام، إن الاستعمار بالوكالة هو الوجه القبيح للسياسة الإيرانية في المشرق، وهو مشروع بني على أنقاض الدول والكرامة الإنسانية. إن رحلة التحرر من هذا الاستعمار تبدأ بتسمية الأشياء بمسمياتها؛ فحزب الله ليس مقاومة، والحوثي ليس ثورة، والميليشيات العراقية ليست حشداً وطنياً، بل هم جميعاً "أدوات استعمارية" في يد نظام ثيوقراطي متخلف. إن مستقبل المشرق العربي يعتمد على قدرته على لفظ هذه الأجسام الغريبة واستعادة سيادته بعيداً عن أوامر طهران وخرافاتها البالية. إن دماء الأبرياء في بيروت وبغداد وصنعاء ودمشق تصرخ في وجه القتلة، مؤكدة أن "المهدي" الحقيقي الذي تنتظره الشعوب هو "العدالة والحرية ودولة القانون"، وليس من يخرج ليقتل ويبيد باسم الغيب. إن عصر الاستعمار بالوكالة إلى زوال، وستبقى الشعوب صامدة، بينما تذهب الخرافات وأصحابها إلى مزابل التاريخ.





.

الدولة السائلة والدويلة الصلبة: استراتيجية النخر البنيوي وتشييد إمبراطورية الظل على أنقاض السيادة (مقال)

.


.
الدولة السائلة والدويلة الصلبة: استراتيجية النخر البنيوي وتشييد إمبراطورية الظل على أنقاض السيادة




تعد الحالة اللبنانية المعاصرة نموذجاً فريداً وشديد القسوة في العلوم السياسية لما يُعرف بـ "الدولة السائلة" التي تذوب مؤسساتها وتتحلل شرعيتها تدريجياً، مقابل "الدويلة الصلبة" التي تمتلك هيكلية عسكرية وعقائدية ومالية متماسكة تتغذى على هذا التحلل. إن هذا المشهد ليس نتاج صدفة تاريخية أو فشل إداري عابر، بل هو نمرة من هندسة سياسية خبيثة نفذها حزب الله على مدار عقود، تهدف إلى نخر المؤسسات اللبنانية من الداخل لخلق حالة من "الشلل السيادي" الشامل. في هذا السياق، يصبح إضعاف الدولة وإفلاسها وتفكيك أجهزتها الأمنية والقضائية غاية استراتيجية، لأن غياب الدولة القوية هو المبرر الوحيد والضروري لوجود الميليشيا كبديل استثنائي دائم، حيث يتم إقناع الشعب والبيئة الحاضنة بأن السلاح هو الدرع الوحيد في غابة من الفوضى التي صنعها الحزب نفسه عبر ممارساته المتغولة وتجارته العابرة للحدود بالسموم والفساد.
تبدأ عملية نخر الدولة من الرأس، حيث اعتمدت الدويلة الصلبة استراتيجية "التعطيل الممنهج" للاستحقاقات الدستورية، فكل انتخاب لرئيس أو تشكيل لحكومة يتحول إلى معركة استنزاف تهدف إلى انتزاع تنازلات سيادية تكرس سطوة الميليشيا. هذا الشلل المتعمد يؤدي إلى تحويل الدولة إلى كيان سائل لا يمتلك قرار الحرب والسلم، بل يكتفي بدور "شاهد الزور" على عمليات عسكرية وقرارات إقليمية تُتخذ في غرف عمليات مرتبطة بطهران. وعندما تصبح الدولة عاجزة عن حماية حدودها أو اتخاذ قراراتها السيادية، يخرج خطاب الدويلة ليقدم السلاح كبديل شرعي ووحيد، موهماً الجميع بأن هذا السلاح هو الذي يحمي لبنان، بينما الحقيقة هي أن هذا السلاح هو الذي شلّ قدرة الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية على القيام بمهامها عبر فرض الخطوط الحمراء ومنع تزويد الجيش بمنظومات دفاعية سيادية قد تجعل من وجود الميليشيا أمراً فائضاً عن الحاجة.
يترافق هذا النخر السياسي مع تغول أمني مخيف استخدم الاغتيالات كأداة جراحية لاستئصال كل صوت يجرؤ على المطالبة باستعادة الدولة. إن قائمة الشهداء من السياسيين والمفكرين والإعلاميين لم تكن مجرد تصفية لخصوم، بل كانت رسالة ترهيب واضحة لكل من يحاول تحويل "الدولة السائلة" إلى دولة مؤسسات صلبة. فكلما برز مشروع وطني عابر للطوائف يهدد هيمنة الدويلة، كانت آلة الموت تتحرك لقطع الطريق أمام أي نهوض سيادي. هذا التسلط لم يقتصر على النخبة السياسية، بل امتد ليتغول على الشعب اللبناني برمته، خاصة في أحداث السابع من أيار الشهيرة، حيث وجهت الميليشيا سلاحها إلى الداخل لكسر إرادة اللبنانيين وفرض معادلة جديدة قوامها أن السلاح يحمي السلاح، وأن أي مساس بمصالح الدويلة أو منظوماتها الأمنية سيُقابل بعنف دموي لا يستثني أحداً.
إن بناء "الدويلة الصلبة" يتطلب موارد مالية ضخمة تتجاوز قدرة الاقتصاد اللبناني المتهالك، وهنا تبرز واحدة من أبشع وجوه هذا المشروع وهي "تجارة المخدرات والكبتاغون". لقد تحول لبنان، بفضل سيطرة الحزب على المعابر والمرافق والمناطق الحدودية، إلى مصنع ومصدر عالمي لهذه السموم، مما جعل الدولة اللبنانية في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي والعربي. هذه التجارة لا تهدف فقط لتمويل الآلة العسكرية، بل هي جزء من استراتيجية تدمير النسيج الاجتماعي وإغراق المنطقة في الفوضى. إن نخر مرافق الدولة كالمطار والمرفأ وتحويلها إلى ممرات آمنة للتهريب، أسهم بشكل مباشر في عزل لبنان اقتصادياً وسياسياً، وهو ما يصب في مصلحة الدويلة التي تريد للبنان أن يظل كياناً معزولاً وتابعاً بالكامل للمحور الإيراني، بعيداً عن أي عمق عربي أو دولي قد يساعد في ترميم مؤسساته السيادية.
لا يمكن فصل الانهيار المالي وإفلاس الدولة عن هذا النخر الممنهج، فالفساد المستشري في مفاصل الإدارة اللبنانية لم يكن مجرد جشع لموظفين أو سياسيين، بل كان "فساداً وظيفياً" تحت حماية السلاح. لقد تمت سرقة مقدرات الدولة ونهب ودائع اللبنانيين في ظل منظومة محاصصة طائفية كان الحزب حارسها الأكبر، لأنه يدرك أن إفلاس الدولة وجوع الشعب يجعل المقايضة على "الأمن مقابل الخبز" أمراً ممكناً. إن الدويلة الصلبة تمتلك نظاماً مالياً موازياً متمثلاً في "القرض الحسن" وغيرها من المؤسسات التي تعمل خارج رقابة مصرف لبنان، مما خلق اقتصاداً طائفياً محصناً مقابل اقتصاد وطني منهار. هذا التباين المقصود يهدف إلى إذلال المواطن اللبناني ودفعه للارتهان للدويلة ومؤسساتها، بعد أن فقد الثقة بدولته التي أُفرغت من محتواها ومقدراتها بقرار أيديولوجي متعمد.
إن "الشلل السيادي" الذي يعيشه لبنان اليوم هو النتيجة المنطقية لتحويل الدولة إلى "جثة مؤسساتية" يتم تقاسم مغانمها بينما يحتفظ الحزب بالقرار الفعلي. التغول على القضاء كان الحلقة الأبرز في هذا المسار، خاصة في قضية تفجير مرفأ بيروت، حيث رأى العالم كيف تم تهديد القضاة وتعطيل التحقيقات بقوة السلاح والترهيب لمنع كشف الحقيقة التي قد تدين منظومة التهريب والتخزين التابعة للدويلة. هذا التغول القضائي هو قمة "السيولة" التي وصلت إليها الدولة، حيث لا عدالة لمن هم خارج مظلة الحزب، ولا حصانة لمن هم داخل مؤسسات القانون. إن إفلات القتلة والمجرمين من العقاب هو الذي يكرس حالة اليأس لدى الشعب ويجعل من فكرة "الدولة" مجرد وهم جميل بينما الحقيقة المرة هي "سلطة الأمر الواقع" المسلحة.
علاوة على ذلك، فإن الدويلة الصلبة تعتمد على استراتيجية "استعمار العقول" عبر مناهج تربوية وإعلامية تكرس التبعية للخارج وتنزع عن اللبنانيين هويتهم الوطنية لصالح هوية مذهبية عابرة للحدود. يتم تصوير الفساد والانهيار والسرقة كأنها "مؤامرة كونية" بينما يغض الطرف عن المسؤول الحقيقي الذي يمسك بمفاتيح السلطة ويعطل كل مبادرات الإصلاح. هذا التزييف للوعي هو الذي يسمح باستمرار النهب الممنهج لمقدرات الدولة تحت ستار "الممانعة"، وهو الذي يبرر تحويل لبنان من "مستشفى وجامعة الشرق" إلى "مصنع كبتاغون ومصدر للميليشيات". إن الدولة السائلة ليست ضعيفة بطبعها، بل هي دولة تم "تسييلها" عمداً عبر نخر عظامها المؤسساتية لتبرز الميليشيا كالعظم الوحيد الصلب في جسد متهالك.
إن الطريق لاستعادة لبنان لا يمر عبر الصفقات السياسية الهشة التي تعيد إنتاج المحاصصة، بل عبر مواجهة حقيقية لهذا "النخر البنيوي". إن إنهاء حالة الشلل السيادي يتطلب أولاً نزع الشرعية عن البديل الميليشياوي واستعادة احتكار الدولة للسلاح والقانون. لا يمكن لدولة أن تحترم نفسها وهي تدار بـ "ريموت كنترول" من طهران، ولا يمكن لشعب أن يزدهر وهو يرى أمواله ومقدراته تذهب لتمويل حروب إقليمية وتجارة سموم دولية. إن صمود الدويلة الصلبة يعتمد كلياً على استمرار سيولة الدولة وفشلها، ولذلك فإن كل خطوة نحو الإصلاح الحقيقي ومكافحة الفساد وتفعيل القضاء هي بمثابة طعنة في قلب مشروع الهيمنة الإيراني في لبنان.
في الختام، يبقى الصراع في لبنان هو صراع بين فكرتين: فكرة الدولة المدنية القوية التي تحمي مواطنيها بقوة القانون، وفكرة الدويلة الثيوقراطية التي تتسلط عليهم بقوة السلاح والخرافة. إن التجارب المريرة التي مر بها اللبنانيون من اغتيالات وإفلاس وتفجيرات أثبتت أن الميليشيا لا يمكن أن تكون بديلاً للدولة، بل هي العائق الأول والأساسي أمام قيامها. إن الدولة السائلة هي الثمن الذي تدفعه الشعوب عندما تسمح للتنظيمات العقائدية بنخر مؤسساتها، والدويلة الصلبة هي السجن الذي يُبنى بجدران الفساد والإرهاب والكبتاغون. إن استعادة السيادة تبدأ بكسر هذا التبرير الزائف لوجود السلاح، والتأكيد على أن لبنان لا يمكن أن ينهض إلا بجيش واحد، وقانون واحد، وانتماء واحد للوطن، بعيداً عن أوامر الولي الفقيه وأوهام الإمبراطورية التي لا تخلف وراءها سوى الخراب والتبعية والإفلاس. إن صرخة الشعب اللبناني في وجه هذا التغول هي البداية لنهاية عصر الدويلة، وبداية استعادة الدولة لصلابتها وكرامتها وسيادتها المفقودة.





.

تأميم السماء لصالح الأرض: استراتيجيات التعبئة الميتافيزيقية وتوظيف الغيب في حروب الفشل المادي (مقال)

.


.
تأميم السماء لصالح الأرض: استراتيجيات التعبئة الميتافيزيقية وتوظيف الغيب في حروب الفشل المادي




تعد ظاهرة توظيف الرموز الدينية والمفاهيم الغيبية في النزاعات العسكرية واحدة من أقدم وأخطر الأدوات التي استخدمتها التنظيمات الأيديولوجية عبر التاريخ، إلا أنها اتخذت في العصر الحديث شكلاً من أشكال "التأميم" الكامل للمقدس لصالح أجندات سياسية وعسكرية أرضية صرفة. إن هذا المسار لا يهدف فقط إلى تحفيز المقاتلين، بل يسعى بالأساس إلى خلق جدار حماية أيديولوجي يمنع المساءلة عن الفشل العسكري واللوجستي الذريع الذي تقع فيه هذه التنظيمات عند مواجهتها لجيوش نظامية أو قوى تكنولوجية متفوقة. فعندما تنكسر إرادة المادة وتفشل الخطط القتالية في تحقيق المنجزات الملموسة، تتدخل الميتافيزيقا كأداة "بروبغندا" تعبوية لإعادة صياغة الهزيمة في ثوب النصر الإلهي أو الابتلاء المقدس، وهو ما يظهر بجلاء في أدبيات "الأفغان العرب" وصولاً إلى الانهيارات المعاصرة لمحور الممانعة في إيران ولبنان وغزة.
لقد وضع كتاب "آيات الرحمن في قتال الأفغان" للقيادي في تنظيم القاعدة عبد الله عزام حجر الأساس المعاصر لهذا النمط من التدليس العسكري، حيث امتلأت صفحاته بقصص خيالية عن قتال الملائكة بجانب "المجاهدين" وتحويل الرصاص إلى برد وسلام، بل والحديث عن جثث لا تتحلل ورائحة مسك تفوح من الخنادق. إن هذه السرديات لم تكن مجرد شحذ للهمم، بل كانت استراتيجية تهدف إلى تعويض الفارق الهائل في التسليح مقابل القوات السوفيتية آنذاك. ومن خلال هذه الميتافيزيقا، تم تغييب العقل العسكري واستبداله بحالة من "الخدر العقائدي" الذي يرى في الموت انتصاراً وفي الفشل التكتيكي معجزة إلهية. هذا النموذج تم استنساخه لاحقاً بحرفية عالية من قبل التنظيمات الإرهابية الشيعية والسنية على حد سواء، حيث أصبح "الله" و"الملائكة" والوعود الغيبية بمثابة "فيلق دفاعي" وهمي يُستدعى كلما سُحقت القوات على أرض الواقع.
في الحالة اللبنانية، بنى حزب الله كامل شرعيته على مفهوم "النصر الإلهي"، وهي تسمية ميتافيزيقية بامتياز أطلقت على حرب تموز عام ألفين وستة لتغطية الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية اللبنانية نتيجة سوء تقدير القيادة المرتبطة بإيران. إن استخدام مصطلح "إلهي" هنا ليس وصفاً روحياً، بل هو عملية تأميم لاسم الخالق لمنع اللبنانيين من التساؤل عن جدوى مغامرة أدت إلى تدمير بلادهم. وعندما بدأت جدران هذا الوهم في التهاوي خلال الأشهر الأخيرة، وظهر عجز الحزب الكامل أمام الاختراقات الاستخباراتية والقصف النوعي الذي أباد صفوفه الأولى، عاد الخطاب ليتحدث عن "الصبر الاستراتيجي" و"التكليف الشرعي"، وهي مفردات تهدف إلى تحويل الهزيمة النكراء إلى حالة من "الانتظار المقدس"، بينما يسحق الواقع المادي كل مقومات القوة المزعومة للتنظيم.
أما في غزة، فقد ذهبت حركة حماس إلى أبعد من ذلك في توظيف الغيب لتبرير كارثة إنسانية وعسكرية غير مسبوقة. فبينما كانت الصواريخ التكنولوجية الدقيقة تمسح الأرض بالمقرات والأنفاق، كان الخطاب الإعلامي للحركة والمنصات التابعة لها تروج لقصص عن طيور أبابيل تهاجم الطائرات أو غمامة تحمي المقاتلين. هذا النوع من "الدجل العسكري" يمثل قمة الاستهتار بالعقل البشري، حيث يتم استغلال العواطف الدينية للناس لتغطية حقيقة أن الحركة زجت بمدنيين عزل في صراع غير متكافئ دون توفير أدنى مقومات الحماية لهم. إن الملائكة التي يزعمون قتالها معهم لم تمنع تجويع الشعب ولا تدمير المدن، مما يثبت أن الغيب في خطاب هذه التنظيمات هو مجرد "أداة وظيفية" للتنصل من المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن الفشل الذريع.
وبالانتقال إلى المركز في طهران، نجد أن نظام الولي الفقيه قد حول الميتافيزيقا إلى "أيديولوجية دولة" عابرة للحدود. إن ادعاء الخامنئي ونظامه بأنهم يمهدون الأرض لظهور "المهدي" هو في جوهره عملية "تأميم للسماء" لخدمة التوسع الفارسي في المنطقة. فعندما تُضرب المفاعلات النووية أو يُغتال القادة في قلب العاصمة طهران، يخرج الخطاب الرسمي ليتحدث عن "التمحيص الإلهي" و"قرب الوعد"، وهو خطاب يهدف إلى امتصاص الصدمة الشعبية وإخفاء الفشل الذمني والأمني لنظام يدعي القوة المطلقة. إن السحق الذي تعرضت له إيران وأذرعها مؤخراً كشف بوضوح أن "القداسة" المزعومة لا توفر حصانة ضد الصواريخ الباليستية أو الاختراقات السيبرانية، وأن الاعتماد على الخرافة في إدارة النزاعات الدولية هو انتحار سياسي مغلف بعباءة الدين.
إن التناقض الصارخ يظهر عندما نجد أن هؤلاء القادة الذين يبشرون بالملائكة والوعود الغيبية، هم أول من يختبئ في أنفاق محصنة تكنولوجياً ويستخدمون أحدث أجهزة الاتصالات المشفرة (التي فشلت هي الأخرى في حمايتهم). فإذا كانوا يؤمنون حقاً بالمدد الغيبي، فلماذا يتوسلون الحماية المادية بكل الوسائل؟ هذا السلوك يثبت أن الميتافيزيقا هي "بضاعة للتصدير" نحو الأتباع والبسطاء، بينما القيادة تدرك تماماً أن قوانين الأرض هي التي تحكم الميدان. إن تحول الرموز الدينية إلى "بروبغندا" هو أخطر أنواع التضليل، لأنه يدفع بآلاف الشباب إلى الموت وهم يظنون أنهم يقاتلون في جيش إلهي، بينما هم في الواقع مجرد وقود لمشاريع جيوسياسية تخدم أنظمة استبدادية ثيوقراطية.
علاوة على ذلك، فإن سحق هذه التنظيمات عسكرياً في الآونة الأخيرة يمثل لحظة الحقيقة التي تسقط فيها كل المرويات الخرافية. فعندما يسقط "سيد المقاومة" وقادة الصف الأول في ضربة واحدة، وتتبخر وعود "زلزلة الأرض تحت أقدام الأعداء"، يكتشف الوعي الجمعي أن السماء لم تتدخل لإنقاذ من أساء استخدام اسمها. إن "تأميم السماء" هنا يصل إلى نهايته المسدودة، حيث تظهر القوانين العسكرية الصارمة كحكم نهائي في الصراع. النصر هو حليف من يمتلك العلم، والصناعة، والتفوق الاستخباري، والتخطيط العقلاني، وليس من يبيع الأوهام الغيبية لتغطية عجزه اللوجستي.
إن استراتيجية "الغطاء الغيبي" تؤدي أيضاً إلى تدمير مفهوم "الدولة الوطنية"، حيث يتم استبدال الانتماء للوطن والقانون بالانتماء لـ "السراب العقائدي". فالمقاتل الذي يعتقد أن الملائكة تقاتل معه لن يحترم مؤسسات الدولة أو حدودها، لأنه يرى نفسه جزءاً من مشروع "كوني" يتجاوز المنطق البشري. وهذا ما جعل من لبنان وغزة واليمن ساحات مفتوحة للخراب، حيث تم تغييب العقل السياسي لصالح الهلوسة الأيديولوجية التي ترعاها إيران. إن الهزيمة هنا ليست عسكرية فحسب، بل هي هزيمة ثقافية وفكرية لمشروع حاول إرجاع المنطقة إلى عصور ما قبل العلم والمنطق.
وفي المحصلة، فإن دراسة هذه التنظيمات تثبت أن الميتافيزيقا تتحول إلى بروبغندا تعبوية في كل مرة تضيق فيها الخيارات المادية. وكتاب "آيات الرحمن في قتال الأفغان" لم يكن سوى البداية لمسلسل طويل من الكذب باسم السماء. إن ما حدث من سحق لإيران وحزب الله وحماس هو الدرس التاريخي الأبلغ؛ فالله لا ينجد من يعطل عقله، والملائكة لا تقاتل في صفوف من يتخذ من المدنيين دروعاً بشرية ومن دماء الأبرياء سلماً للسلطة. إن استعادة "الأرض" من "تأميم السماء" تتطلب ثورة فكرية تعيد الاعتبار للعلم والمنطق وتنزع عن هؤلاء الإرهابيين رداء القداسة الذي يختبئون خلفه لتبرير جرائمهم وفشلهم. إن السماء لم تكن يوماً غطاءً للقتلة والفاشلين، والواقع يثبت يوماً بعد يوم أن الحقائق المادية لا تحابي الخرافة، مهما بلغت درجة "البروبغندا" وقوة التجييش العاطفي. إن نهاية هذه التنظيمات هي نهاية منطقية لكل مشروع يبني أساسه على الرمال المتحركة للأوهام الغيبية بدلاً من صخرة الواقع والحقيقة والعدالة الإنسانية.





.

عقد الإذعان: ولاية الفقيه مقابل المواطنة وصناعة الاستلاب الثيوقراطي (مقال)

.


.
عقد الإذعان: ولاية الفقيه مقابل المواطنة وصناعة الاستلاب الثيوقراطي




تعتبر إشكالية العلاقة بين الفرد والدولة من أعقد القضايا التي واجهت الفكر السياسي الحديث، حيث استقر الوعي الإنساني بعد قرون من الصراع والحروب الدينية على مفهوم "المواطنة" كإطار قانوني وحقوقي يضمن المساواة والحرية والكرامة. بيد أن بزوغ نموذج "ولاية الفقيه" وتمدده عبر أذرع ميليشياوية عابرة للحدود، قد خلق نقيضاً بنيوياً لهذا المفهوم، مستبدلاً "المواطن" الحر بـ "المكلف" المسلوب الإرادة. إن هذا التحول ليس مجرد تغيير في المصطلحات، بل هو انقلاب جذري على مفهوم السيادة الوطنية والحرية الشخصية، حيث يتم تحويل الفرد من شريك في صياغة العقد الاجتماعي إلى ترس في آلة عقائدية تدار من مركز سلطوي غيبي في طهران. ومن المفارقات الصادمة في هذا السياق، هو بروز ظاهرة "المطبلين" لهذا النظام من خارج دائرة المذهب الشيعي، والذين يهربون من بلدانهم طلباً للحرية في الغرب، بينما يمجّدون ذروة الاستبداد الثيوقراطي الإرهابي المتمثل في الولي الفقيه، في حالة من الانفصام الفكري والسياسي التي تستدعي تشريحاً دقيقاً.
إن التناقض البنيوي بين المواطنة وولاية الفقيه يبدأ من مصدر الشرعية. ففي الدولة الحديثة، تنبع الشرعية من الشعب عبر عقد اجتماعي يحدد الحقوق والواجبات، حيث يكون المواطن هو صاحب السيادة والقادر على مساءلة السلطة وتغييرها. أما في نظام ولاية الفقيه، فإن الشرعية تُستمد من السماء، والفقيه الحاكم هو نائب الإمام الغائب، وصلاحياته مطلقة تتجاوز الدساتير والحدود الجغرافية. هنا يتحول العقد الاجتماعي إلى "عقد إذعان"، حيث لا يملك الفرد حق الاعتراض أو المشاركة الحقيقية، بل عليه واجب "الطاعة والامتثال" باعتباره مكلفاً شرعياً. إن مفهوم "المكلف" يلغي صفة المواطن، لأنه يربط سلوك الفرد اليومي وقراراته السياسية بإرادة الفقيه، مما يجعل ولاء الفرد للدولة الوطنية ثانوياً أمام ولائه للمركز العقائدي العابر للحدود، وهذا هو التفسير المنطقي لولاء ميليشيات مثل حزب الله لإيران على حساب سيادة لبنان.
تؤدي هذه المركزية الدينية إلى إلغاء الإرادة الحرة للفرد بشكل كامل، فالمكلف لا يتحرك بناءً على قناعته السياسية أو مصلحته الوطنية، بل بناءً على "التكليف الشرعي" الذي يمثل أمر عمليات إلهي لا يجوز مناقشته. هذا الاستلاب للإرادة يتم عبر منظومة غسل أدمغة ممنهجة تبدأ من الطفولة، حيث يتم تصوير الولي الفقيه كمعصوم فعلياً أو مسدد من الغيب، مما يجعل التشكيك في قراراته تشكيكاً في الدين نفسه. إن هذا النظام الإرهابي يدرك تماماً أن بقاءه مرهون بتحويل البشر إلى أدوات تنفيذية، لذا فهو يستثمر في "خرافات بالية" تدعي القدرة على إدارة العالم عبر رؤى ميليشياوية، محطماً بذلك أي فرصة لنمو فضاء مدني حر يقدس العقل والمنطق والحوار.
وفي هذا السياق، يبرز التساؤل عن سر إعجاب بعض النخب والقواعد الشعبية في دول مثل مصر وسوريا وغيرها من الدول التي تعاني من تضييقات سياسية، بهذا النموذج الثيوقراطي الإيراني. إنها مفارقة كبرى أن نجد شاباً يشتكي من قمع السلطة في بلده، ويسعى بكل جهده للهجرة إلى باريس أو لندن ليتنفس الحرية، ولكنه في الوقت ذاته يطبل لنظام الولي الفقيه ويراه بطلاً "ممانعاً". هذا الإعجاب نابع من وهم "القوة" الذي تصدره إيران عبر أذرعها، حيث يخلط هؤلاء بين الهمجية العسكرية وبين البطولة الوطنية. إنهم يسقطون رغبتهم في الانتقام من واقعهم المرير على نموذج إرهابي أكثر قمعاً وتخلفاً، متناسين أن النظام الذي يمجّدونه هو نفسه الذي يقمع الشباب الإيراني ويعدمهم في الشوارع لمجرد المطالبة بأبسط حقوق الحياة والحرية.
إن هؤلاء "المطبلين" للثيوقراطية من قلب المجتمعات السنية أو المدنية يمارسون نوعاً من الخيانة الفكرية لأنفسهم ولأوطانهم. فهم يهربون من "استبداد محلي" ليدعموا "استبداداً كونياً" يطمح لتحويل منطقتنا برمتها إلى ولايات تابعة للفقيه. إن دعمهم لهذا النظام الإرهابي يغذي الطائفية ويمزق النسيج الاجتماعي، لأن ولاية الفقيه بطبيعتها لا تقبل الآخر، بل تسعى لابتلاعه أو تدميره. إنهم يشيدون بنظام يقوم على الخرافة والتمييز المذهبي والقتل السياسي، بينما يتمتعون هم بظلال العلمانية والديمقراطية في الغرب، مما يكشف عن خلل أخلاقي عميق وفقدان للبوصلة السياسية التي تميز بين "المقاومة" الحقيقية وبين "الاستعمار الثيوقراطي".
إن التناقض الصارخ يكمن في أن نظام الولي الفقيه لا يقدم نموذجاً للدولة، بل يقدم نموذجاً للثكنة العسكرية المغلقة. فالمواطن في إيران أو في مناطق نفوذها مثل لبنان، يعيش تحت رقابة أمنية وفقهية خانقة، حيث يتم التدخل في لباسه، وفكره، وفنونه، وحتى في خصوصيات منزله. هذا النظام الإرهابي يستخدم الدين كأداة للسيطرة المطلقة، محولاً المجتمع إلى قطيع يساق نحو حروب عبثية تخدم أطماع التوسع الإيراني. وبدلاً من أن تكون الدولة خادمة للمواطن، يصبح المكلف وقوداً لحروب الولي الفقيه في اليمن وسوريا ولبنان، دون أن يكون له حق السؤال عن جدوى هذه الدماء المسالة في سبيل أوهام الإمبراطورية.
علاوة على ذلك، فإن ظاهرة التطبيل للولي الفقيه من قبل أشخاص يعيشون في دول أقل ثيوقراطية بكثير من إيران، تعكس نجاح الماكينة الإعلامية الإيرانية في استغلال العواطف الدينية والقومية. هؤلاء يرون في صواريخ الحزب ومسيرات طهران تعويضاً عن عجزهم الوطني، لكنهم لا يدركون أن هذه الأسلحة موجهة بالأساس لنحر سيادة دولهم وتفتيت مجتمعاتهم. إن النظام الذي يدعي حماية المقدسات هو نفسه الذي دمر الحواضر العربية العريقة مثل حلب وبغداد وصنعاء، وهو نفسه الذي اغتال رفيق الحريري وكل صوت لبناني طالب بالدولة المدنية. إن الإعجاب بهذا القبح هو انحدار قيمي يجعل الضحية تصفق لجلادها القادم من خلف الحدود.
إن الحل لهذه الإشكالية البنيوية يكمن في ترسيخ قيم المواطنة الكاملة وفصل الدين عن السلطة السياسية بشكل قاطع. لا يمكن للمواطن أن يتحرر إلا إذا تحطم "عقد الإذعان" للفقيه أو لأي سلطة تدعي احتكار الحقيقة الإلهية. إن الدولة الحديثة تقوم على العقل والقانون، بينما تقوم ولاية الفقيه على الخرافة والولاء الأعمى. والتحدي الحقيقي أمام المثقفين والشعوب اليوم هو كشف زيف هذا النموذج الإرهابي وتعرية المطبلين له، والتأكيد على أن الحرية لا تُجزأ؛ فلا يمكن أن تطلبها لنفسك في الغرب وتبارك سحقها في بيروت أو طهران أو غزة باسم "التكليف الشرعي".
في الختام، يبقى الصراع بين ولاية الفقيه والمواطنة هو صراع بين الماضي المظلم والمستقبل المشرق. فالمواطنة هي الطريق الوحيد لبناء دول تحترم الإنسان وعقله، بينما ولاية الفقيه هي نفق مظلم يؤدي إلى الضياع والتبعية والحروب الأبدية. إن الإرادة الحرة للفرد هي الحصن الأخير ضد كل أنواع الاستبداد، الثيوقراطي منه والسياسي، وعلى الشعوب أن تدرك أن من يبيع إرادته لفقيه عابر للحدود، قد تنازل طوعاً عن صفة "الإنسان" ليصبح مجرد أداة في مشروع إرهابي عالمي لا يرى في البشر سوى أرقام في قوائم التعبئة أو ضحايا في ساحات القتال. إن نظام الولي الفقيه وخرافاته البالية سيسقط حتماً أمام إرادة الشعوب التواقة للحرية، وسيبقى المواطن الحر هو حجر الزاوية في بناء أي حضارة إنسانية تحترم نفسها.




.

خيانة الأرز: اغتيال رفيق الحريري وبنية الإرهاب العقائدي العابر للحدود (مقال)

.


.
خيانة الأرز: اغتيال رفيق الحريري وبنية الإرهاب العقائدي العابر للحدود





تمثل لحظة انفجار الرابع عشر من شباط عام ألفين وخمسة في قلب العاصمة اللبنانية بيروت زلزالاً لم تتوقف ارتداداته عن خلخلة بنيان الدولة اللبنانية والمنطقة برمتها حتى يومنا هذا. إن اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري لم يكن مجرد عملية تصفية لخصم سياسي عنيد، بل كان قراراً استراتيجياً اتخذه المحور الإيراني ونفذته أداته الضاربة في لبنان المتمثلة في حزب الله، بهدف إزاحة مشروع الدولة المدنية وإحلال مشروع الهيمنة الثيوقراطية المسلحة مكانه. وعند قراءة هذا الحادث الجلل في سياق ما توصلت إليه المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وبالربط مع البنية التنظيمية الحديدية لحزب الله، نجد أنفسنا أمام حقيقة ساطعة تؤكد أن الجريمة لم تكن لتتم دون أمر مباشر من قيادة الحزب العليا المرتبطة عضوياً وشرعياً بنظام الولي الفقيه في طهران.
إن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وبعد سنوات من التحقيقات التقنية المعقدة التي استندت إلى داتا الاتصالات والتحليل الجنائي الرقمي، وضعت النقاط على الحروف حين أدانت سليم عياش، الكادر الرفيع في حزب الله، وحكمت عليه بالسجن المؤبد خمس مرات لارتكابه أعمالاً إرهابية وقتل الحريري وواحد وعشرين آخرين. ورغم أن المحكمة، بمعاييرها القانونية الصارمة التي تتطلب دليلاً حسياً مباشراً لإدانة الهرم القيادي، لم تذهب لتسمية القيادة العليا رسمياً، إلا أن الاستنتاج المنطقي والسياسي لا يقبل التأويل. فنحن نتحدث عن تنظيم لا يعرف العمل الفردي أو الانشقاق العملياتي، بل هو تشكيل ميليشياوي يعتنق مبدأ الطاعة العمياء للقيادة تحت مسمى التكليف الشرعي. إن سليم عياش ومن معه من المدانين مثل حسن مرعي وحسين عنيسي، لم يكونوا هواة يمارسون العنف بدافع شخصي، بل كانوا جزءاً من ماكينة أمنية محترفة تأخذ أوامرها من غرفة عمليات مركزية تديرها قيادة الحزب بالتنسيق مع الحرس الثوري الإيراني.
تتجلى الحقيقة في أن حزب الله ليس حزباً سياسياً لبنانياً بالمعنى التقليدي، بل هو ذراع عسكرية وأمنية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، أُسس بقرار إيراني خالص في أوائل الثمانينيات ليكون رأس الحربة في مشروع تصدير الثورة. ومنذ نشأته، ارتبط اسم هذا التنظيم بسلسلة طويلة من العمليات الإرهابية التي استهدفت المصالح العربية والدولية، مما يجعل اغتيال الحريري حلقة في جنزير طويل من الدم. فإذا عدنا بالذاكرة إلى الثامن عشر من نيسان عام ألفين وتسعمائة وثلاثة وثمانين، نجد تفجير السفارة الأمريكية في بيروت الذي أسفر عن مقتل ثلاثة وستين شخصاً، ثم التفجير المزدوج لمقر المارينز والقوات الفرنسية في تشرين الأول من العام نفسه، والذي حصد أرواح مائتين وواحد وأربعين جندياً أمريكياً وثمانية وخمسين جندياً فرنسياً. هذه العمليات الضخمة لم تكن مجرد ردود فعل عفوية، بل كانت تنفيذاً لأجندة إيرانية واضحة لإخراج القوات الدولية من لبنان وبسط السيطرة عليه، تماماً كما كان اغتيال الحريري تنفيذاً لأجندة إخراج المشروع العربي والدولي من بيروت.
إن السجل الإرهابي لهذا التنظيم يتجاوز الحدود اللبنانية ليصل إلى القارات البعيدة، مؤكداً طبيعته كأداة إجرامية عالمية. ففي عام ألف وتسعمائة واثنين وتسعين، استهدف الحزب السفارة الإسرائيلية في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس بسيارة مفخخة، مما أدى إلى مقتل تسعة وعشرين شخصاً وإصابة المئات. وبعد عامين فقط، عاد الحزب ليضرب المركز اليهودي في المدينة نفسها في تموز عام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين، مخلفاً خمسة وثمانين قتيلاً وأكثر من ثلاثمائة جريح في واحدة من أفظع العمليات الإرهابية في تاريخ أمريكا اللاتينية. إن تكرار هذه النماذج العملياتية يثبت أن الحزب يمتلك وحدة عمليات خارجية متخصصة في الاغتيالات والتفجيرات، وهي الوحدة التي يتزعمها قادة يرتبطون مباشرة بالأمن الإيراني، مما يدحض أي فرضية حول "الأعمال الفردية" لعناصره.
عندما نطبق هذا التحليل التاريخي على قضية اغتيال الحريري، نجد أن الخلية التي نفذت العملية بقيادة سليم عياش والمشرف عليها مصطفى بدر الدين، الصهر السابق لعماد مغنية، كانت تتحرك وفق بروتوكول أمني صارم. فالمحكمة الدولية أثبتت وجود شبكات هواتف "حمراء" و"خضراء" و"زرقاء" تم استخدامها حصراً لمراقبة موكب الحريري وتنسيق لحظة التفجير. إن هذا المستوى من التنسيق يتطلب ميزانيات ضخمة، وغطاءً أمنياً شاملاً، وقراراً سياسياً كبيراً لا يجرؤ أي كادر حزبي على اتخاذه بمفرده في تنظيم يُعد الخروج فيه عن أمر "الولي الفقيه" خروجاً عن الملة والدين. فالحريري كان يمثل عقبة كأداء أمام مشروع "قوس النفوذ الإيراني" الممتد من طهران إلى بيروت، حيث كان يطمح لبناء دولة قوية، واقتصاد منفتح، وعلاقات متينة مع العمق العربي، وهو ما يتناقض جذرياً مع رغبة إيران في تحويل لبنان إلى مخزن للصواريخ ومنصة للتهديد الإقليمي.
لم يكتفِ حزب الله باغتيال الحريري جسدياً، بل عمل على اغتيال الدولة اللبنانية مؤسساتياً عبر سلسلة من الاغتيالات اللاحقة التي استهدفت كل صوت سياسي أو إعلامي تجرأ على اتهامه أو المطالبة بالعدالة. فمن سمير قصير وجبران تويني إلى بيار الجميل ووليد عيدو وأطنان من الشخصيات الوطنية اللبنانية، كانت الرسالة واحدة: أي محاولة لبناء مجال مدني بعيد عن الهيمنة الثيوقراطية سيكون ثمنها الموت. إن حماية الحزب للمتهمين والمدانين في قضية الحريري، ووصف نصر الله لهم بـ "القديسين" ورفض تسليمهم للعدالة الدولية، هو اعتراف ضمني ومباشر بتبني الجريمة. ففي الدول التي تحترم نفسها، يتم محاسبة من يرتكب جرماً، ولكن في "دويلة الحزب"، يتم تكريم القاتل لأنه نفذ "التكليف الشرعي" الصادر من طهران.
إن الخطورة في هذا التنظيم لا تكمن فقط في كونه يمتلك السلاح، بل في كونه يمتلك عقيدة إلغائية ترى في كل من يخالف مشروع الولي الفقيه "عدواً لله". هذه العقيدة هي التي بررت للحزب الدخول في الحرب السورية عام ألفين وثلاثة عشر لقتل الشعب السوري حمايةً لنظام الأسد، شريك إيران وحليف الحزب في جريمة اغتيال الحريري. وفي سوريا، ارتكب الحزب مجازر موثقة بالتواريخ والأرقام، حيث ساهم في حصار وتجويع وقتل الآلاف في مضايا والقصير والقلمون، مما يؤكد أن الإرهاب الذي ضرب بيروت في شباط ألفين وخمسة هو نفس الإرهاب الذي ضرب المدن السورية، والمصدر دائماً واحد: غرفة العمليات المشتركة في طهران.
وبالنظر إلى المستقبل، فإن وجود تنظيم ميليشياوي مسلح يدين بالولاء لدولة أجنبية ويستخدم الإرهاب أداةً سياسية يمثل العائق الأكبر أمام استقرار الشرق الأوسط. إن مقتل رفيق الحريري لم يكن نهاية المطاف، بل كان بداية مرحلة من "الاستعمار الإيراني المقنع" للبنان، حيث تم إفراغ المؤسسات الدستورية من محتواها وتحويل الجيش اللبناني إلى قوة ثانوية أمام ترسانة الحزب غير الشرعية. إن الأدلة التي قدمتها المحكمة الدولية، رغم كونها تقنية، إلا أنها ترسم صورة كاملة لمنظمة إجرامية عابرة للحدود، تستخدم الدين ستاراً لتنفيذ أجندات جيوسياسية تهدف إلى تدمير النسيج الاجتماعي العربي وتكريس التبعية لإيران.
ختاماً، إن الوفاء لدم رفيق الحريري ولكل ضحايا الإرهاب الإيراني في لبنان والعالم يتطلب تسمية الأشياء بمسمياتها. حزب الله ليس مقاومة، بل هو تنظيم إرهابي عقائدي، وجزء لا يتجزأ من المنظومة الأمنية الإيرانية. وتاريخه الحافل بالدم، من تفجيرات بيروت في الثمانينيات إلى اغتيال الحريري في الألفية الجديدة، وصولاً إلى التدخل الدموي في سوريا واليمن، يثبت أنه لا يمكن التعايش مع هذا النموذج من التنظيمات داخل إطار الدولة الوطنية. إن الطريق الوحيد لاستعادة سيادة لبنان وكرامة شعبه يبدأ من تفكيك هذه الميليشيا الإرهابية ومحاسبة قادتها الذين أعطوا الأوامر بالقتل، والتأكيد للعالم أن التكليف الشرعي لا يمكن أن يكون رخصة للاغتيال، وأن دماء الحريري ستبقى شاهدة على خيانة الحزب للوطن لصالح أوهام الإمبراطورية الإيرانية الزائلة.





.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...