Translate

العدمية الإيجابية والمانيفستو المادي للحياة وصياغة الوجود الحر خارج كهف الأصنام (مقال)

.

.
العدمية الإيجابية والمانيفستو المادي للحياة وصياغة الوجود الحر خارج كهف الأصنام




يمثل الخروج من "كهف الأصنام" بتوصيفه الفلسفي العتيق والحديث اللحظة الأكثر رعباً وحرية في تاريخ الوعي البشري إذ يواجه الإنسان لأول مرة حقيقة كونه وحيداً في كون صامت لا مبالٍ لا يمتلك غاية غيبية ولا يمنح وعوداً بالخلود أو العدالة السماوية المؤجلة وهذه اللحظة التي يصفها الكثيرون بالعدمية الموحشة هي في جوهرها المادي الصرف ولادة "العدمية الإيجابية" التي لا ترى في غياب المعنى الإلهي نهاية للحياة بل تراها البداية الحقيقية لسيادة الإنسان على مصيره وصياغة مانيفستو مادي يقدس اللحظة الراهنة والقوانين الفيزيائية الصلبة كمرجع وحيد للوجود إن الانتقال من رعب "الفناء" إلى لذة "التحرر" يتطلب شجاعة معرفية لإدراك أن "موت الإله" بالمعنى الفلسفي ليس كارثة أخلاقية بل هو إزاحة لأكبر عائق حال دون نضج البشرية وتحملها مسؤولية أفعالها في عالم مادي لا يعترف إلا بالسبب والنتيجة بعيداً عن أوهام التدخل الغيبي أو الأقدار المرسومة سلفاً في دواوين الخيال الديني.
إن صمم الكون وعدم اكتراث النجوم والمجرات بمأساة الإنسان الفردي هو الفرصة الذهبية التي تمنحنا التحرر الكامل من "مراقبة الرقيب السماوي" ومن ثقل الالتزامات الميتافيزيقية التي استنزفت الطاقة البشرية لآلاف السنين فعندما ندرك أننا مجرد ذرات عاقلة نتجت عن تفاعلات كيميائية وبيولوجية معقدة في ركن مهمل من هذا الوجود نتحرر فوراً من "نرجسية المركز" ومن وهم أننا محور اهتمام قوى عليا تراقب حركاتنا وسكناتنا لتعاقبنا أو تكافئنا في عالم موازٍ وهذا التحرر المادي يفرغ الحياة من "الخوف الغيبي" ويملؤها بـ "المسؤولية المادية" حيث يصبح كل فعل يقوم به الإنسان ملكاً له وحده ونتائجه تقع على عاتقه وعاتق مجتمعه الملموس مما يحول الأخلاق من "أوامر ونواهٍ" مسقطة من الأعلى إلى "ضرورات اجتماعية وبيولوجية" تهدف لتحسين جودة الحياة والبقاء المادي للبشرية في بيئة قاسية لا تحابي أحداً.
إن العدمية الإيجابية ترفض اليأس الذي تروج له الأديان حول "عبثية الحياة دون إله" بل ترى أن المعنى ليس شيئاً نكتشفه جاهزاً في النصوص القديمة بل هو شيء "نخترعه" ونبنيه بذكائنا وإرادتنا في كل يوم فالإنسان الذي خرج من الكهف يدرك أن غياب المعنى الكوني هو "بياض مطلق" يسمح له بكتابة قصته الخاصة دون قيود أيديولوجية أو خطوط حمراء ميتافيزيقية وتصبح المتعة الذهنية والجمالية والاكتشاف العلمي هي الغايات العليا التي تبرر الوجود فالبحث في أركيولوجيا الأديان وتفكيك نفاق المثقفين وتعرية الأصنام السياسية والدينية ليس "واجبات مرهقة" بل هي ممارسات ممتعة تعبر عن سيادة العقل المادي وقدرته على الرصد والتحليل وسط ركام التضليل الجمعي إنها "لذة المعرفة" التي لا تنتظر جزاءً شكوراً بل تجد جزاءها في وضوح الرؤية وصلابة الموقف الفردي أمام حشود المغفلين الذين لا يزالون يرتعدون خلف جدران الكهف المظلم.
وفي هذا المانيفستو المادي تصبح القوانين الفيزيائية والبيولوجية هي "العدالة الوحيدة الممكنة" والمقبولة عقلياً فالإنسان المادي لا ينتظر عدالة في "يوم الحساب" ليأخذ حقه من الظالم بل يدرك أن العدالة هي بناء بشري مادي يجب انتزاعه وفرضه عبر القوانين الوضعية والعلم والتقنية إن الرهان على "العدالة الغيبية" هو خديعة كبرى استخدمتها السلطات التاريخية لتخدير المقهورين وإقناعهم بالصبر على بؤسهم المادي مقابل وعود سرابية أما العدمية الإيجابية فهي تطالب بالحقوق "هنا والآن" لأنها تدرك أن هذه الحياة هي الفرصة الوحيدة والنهائية والوحيدة التي نملكها إن قدسية المادة تكمن في كونها الحقيقة الوحيدة التي يمكن لمسها وقياسها والتفاعل معها بينما الغيب هو "فراغ معرفي" يتم حشوه بالأكاذيب للسيطرة على عقول القطيع وتأبيد تخلفهم المعرفي والاقتصادي.
إن التحرر البشري الحقيقي يبدأ من سحق "صنم الخلود" والاعتراف بحتمية الفناء كفعل طبيعي كيميائي يعيد ذراتنا إلى الدورة العامة للمادة في الكون وهذا الاعتراف لا يقلل من قيمة الإنسان بل يرفعها إلى أقصى حدودها فالعقل الذي يدرك قصر زمنه وقوة فنائه هو العقل الذي يستثمر كل ثانية في الإبداع والاستمتاع والفهم الصارم للواقع أما المؤمن بالخلود فهو يسوف حياته ويحتقر واقعه المادي في سبيل "وهم آتٍ" مما يجعله كائناً مشلولاً أو أداتاً في يد الكهنة الذين يبيعونه صكوك الغفران والجنة إن البديل النفسي الصلب الذي تقدمه العدمية الإيجابية هو "الثقة في المادة" والثقة في قدرة الوعي البشري على تنظيم نفسه وإنتاج منظومات قيمية عقلانية تقوم على النفعية المتبادلة واحترام القوانين الطبيعية التي تحكم الجسد والدماغ والاجتماع البشري.
وعندما نتحدث عن "موت الإله" فإننا نتحدث عن سقوط "المرجعية الأخلاقية الخارجية" التي كانت تبرر الجرائم والحروب والمظالم باسم المقدّس ففي ظل الغياب الغيبي يصبح الإنسان هو المرجع الوحيد للأخلاق وتصبح "المعاناة المادية" للبشر هي البوصلة الحقيقية للخير والشر فما يسبب ألماً جسدياً أو سحقاً للكرامة الفردية هو الشر المادي الذي يجب محاربته وما يعزز جودة الوجود ويفتح آفاق المعرفة هو الخير المادي الذي يجب تبنيه وهذا الوضوح الأخلاقي المادي يسقط كل نفاق المثقفين الذين يبررون قتل "الجزار غيفارا" أو "إرهاب الجماعات الدينية" تحت ذرائع أيديولوجية أو غيبية إن العدمية الإيجابية تشرّح هذه الادعاءات وتكشف زيفها مؤكدة أن "حياة الفرد المادية" هي القيمة المطلقة التي لا يجوز التضحية بها من أجل أي صنم سواء كان إلهاً في السماء أو زعيماً ملهماً في الأرض.
إن هذا المانيفستو يرى في العلم التجريبي والأركيولوجيا والفيلولوجيا أدوات "مقدسة" بالمعنى الوظيفي لأنها الوسائل الوحيدة التي تربطنا بالواقع المادي وتكشف لنا زيف السرديات الشفوية التي سيطرت على العقل البشري لقرون طويلة فمن خلال فحص المخطوطات وتتبع النقوش الصخرية وفهم سيكولوجية الجماهير ندرك أن الأديان والأيديولوجيات الشمولية ليست سوى "أدوات تقنية" اخترعها البشر للسيطرة والتنظيم في مراحل سابقة من التطور والاعتراف بهذه البشرية الصرفة يحررنا من "قدسية النص" ويحول القرآن أو الكتاب المقدس أو المانيفستو الحزبي إلى مجرد "وثائق تاريخية" قابلة للنقد والتحليل والسخرية عند الضرورة إن السخرية في العدمية الإيجابية ليست مجرد فكاهة بل هي أداة هدم فعالة لتحطيم الهالة التي تحيط بالأصنام وإظهار تهافتها أمام التحليل البارد للواقع.
البديل النفسي الذي تقدمه هذه الفلسفة هو "السكينة المادية" النابعة من عدم انتظار المستحيل فالمؤمن يعيش في قلق دائم حول إرضاء الرب أو الخوف من المصير الغيبي بينما العدم الإيجابي يمنح الفرد سلاماً داخلياً قائماً على "قبول الحقيقة" كما هي إن هذا القبول هو الذي يسمح للإنسان بأن يكون صادقاً مع نفسه ومع حواسه فلا يضطر لمنافق المجتمع أو التظاهر بالإيمان بخرافات يرفضها عقله البشري السليم إنها حياة "الأرستقراطية الذهنية" حيث يترفع الفرد عن صراعات القطيع حول الأوهام ويركز طاقته في فهم القوانين التي تحرك الذرة والخلية والمجتمع مستمتعاً بذكائه الخاص في رصد تناقضات المنافقين الذين يبيعون الوهم للناس بينما هم غارقون في ملذات المادة سراً.
علاوة على ذلك فإن العدمية الإيجابية تؤسس لنمط من "التضامن البشري المادي" القائم على إدراكنا المشترك بأننا ركاب في سفينة واحدة وسط محيط كوني مظلم وهذا الإدراك يدفعنا للتعاون العلمي والتقني لتأمين بقائنا وتحسين صحتنا وإطالة أعمارنا ومحاربة الأمراض والفقر ليس طمعاً في ثواب سماوي بل لأن هذه هي "الضرورة المادية" للبقاء الكريم إن البديل الذي يخرج من كهف الأصنام يرى في "المستشفى" وفي "المختبر" وفي "المكتبة" معابد حقيقية للوعي حيث تُصنع الحقيقة وتُحفظ الحياة أما الكنائس والمساجد والمعابد الأيديولوجية فهي أماكن لإعادة تدوير الجهل والمحافظة على بنية "الخوف من العدم" الذي تستغله المؤسسات للسيطرة على الموارد والبشر.
إن نقد "نفاق المثقفين" يصبح في ظل هذا المانيفستو واجباً عقلياً لأن هؤلاء هم حراس الكهف الذين يلونون جدرانه بصور زائفة ليوهموا الناس بأن هناك نوراً خارجياً بينما النور الوحيد هو نور "العقل التجريبي" المنبعث من مواجهة المادة وجهاً لوجه إن المثقف الذي يبرر الخرافة أو يدافع عن "الخصوصية الثقافية" للهرب من استحقاق الحداثة المادية هو عدو للعدمية الإيجابية لأنه يحاول إعادة الإنسان إلى قيود الغيب التي كسرها العلم إن الفلسفة المادية للحياة لا تقبل الحلول الوسطى ولا "البرزخ" الذي يحاول المسيري أو النفيسي أو إدوارد سعيد وضعه بين العقل والخرافة فإما مادية صلبة تحترم القوانين الفيزيائية وإما غيبية سائلة تبتلع الوعي في دوامات الوهم والتبعية.
إن الحياة في ظل العدمية الإيجابية هي "احتفال يومي بالعقل" فكل فكرة يتم تنظيمها وكل خرافة يتم تعريتها وكل تناقض يتم كشفه هو انتصار مادي للوعي الفردي المستقل وهذا الانتصار هو الذي يمنح الحياة نكهتها الخاصة بعيداً عن الغايات الكبرى المزعومة فالإنسان المادي يجد في شرب كوب من القهوة أو قراءة كتاب في الفيزياء أو كتابة مقال يفضح نفاق "أصنام المعاصرة" متعة تفوق كل الوعود الغيبية لأنها متعة "حقيقية" وملموسة وتحدث "الآن" إنها سيادة اللحظة على الأبدية الوهمية وسيادة الواقع على الخيال المريض وسيادة المادة على الروح التي ليست في الحقيقة سوى وظيفة معقدة للجهاز العصبي المركزي.
في الختام يظل "المانيفستو المادي للحياة" هو الطريق الوحيد لكرامة الإنسان في القرن الحادي والعشرين إذ يخرجه من حالة "الطفولة المعرفية" والارتهان للآباء السماويين والأرضيين ليضعه في مقام "السيد المسؤول" عن عالمه إن العدمية الإيجابية ليست دعوة للموت بل هي دعوة لـ "أقصى درجات الحياة" دعوة لاستخدام كل ذرة في دماغنا لملاحظة وتحليل وتفكيك هذا الوجود المذهل في تعقيده والبسيط في قوانينه إن الخروج من كهف الأصنام هو اعتراف بأننا "الآلهة الوحيدة" في عالمنا بمعنى أننا نحن من يمنح القيمة ومن يضع القانون ومن يبني العدالة ومن يكتب التاريخ والباقي ليس سوى ضجيج مادي لا معنى له خارج وعينا الصارم والحر والمنظم وهذا هو الصدق الوحيد الممكن مع المادة ومع النفس ومع الكون الصامت الذي منحنا صمته لكي ننطق نحن بكلمتنا الأخيرة والأكيدة.




.

بروباغندا النفيسي وخلط الغيب بالاستراتيجية وتفكيك ظاهرة المحلل السياسي المتأسلم (مقال)

.

.
بروباغندا النفيسي وخلط الغيب بالاستراتيجية وتفكيك ظاهرة المحلل السياسي المتأسلم




تمثل ظاهرة عبد الله النفيسي في الفضاء الثقافي والسياسي العربي حالة نموذجية لما يمكن تسميته بـ "الأدلجة الاستراتيجية" حيث يتم تغليف الرؤى الغيبية والميتافيزيقية بلغة توحي بالعمق السياسي والخبرة الاستخباراتية بغرض صناعة وعي جمعي يعيش في حالة استنفار دائم ضد أشباح متخيلة إن نقد هذه الظاهرة ليس مجرد نقد لشخص بل هو تشريح لبنية عقلية كاملة تسيطر على قطاع واسع من "النخب" التي تدعي الحداثة في الأدوات والرجعية في المنطلقات فالنفيسي كنموذج للمحلل السياسي المتأسلم نجح في المزاوجة بين "نظرية المؤامرة" وبين "الرؤية القدرية" للتاريخ محولاً السياسة من فن إدارة الممكن المادي القائم على موازين القوى والمصالح الجيوسياسية إلى صراع درامي ملحمي بين معسكر "الإيمان" ومعسكر "الماسونية والصهيونية" وهو بهذا الصنيع يعطل التفكير المادي النقدي ويشل قدرة العقل العربي على فهم آليات الاشتغال الحقيقية للقوى الدولية مستبدلاً إياها ببروباغندا غيبية تنتظر "النصر الإلهي" كحل نهائي للمآزق الأرضية.
إن البنية التحتية لخطاب النفيسي تقوم على استدعاء دائم للعدو المتخفي الذي يحرك خيوط العالم من غرف مظلمة وهي الرؤية التي تتقاطع مع كلاسيكيات "بروتوكولات حكماء صهيون" وما تلاها من أدبيات المؤامرة الكبرى إذ يعمد هذا الخطاب إلى تبسيط التعقيدات السياسية الدولية عبر ردها إلى "إرادة شريرة" واحدة تتآمر على "الأمة" وهذا التبسيط المخل هو أولى خطوات تعطيل التفكير المادي فبدلاً من تحليل القوة بناءً على معطيات الاقتصاد والتقنية العسكرية والتحالفات البراغماتية يذهب المحلل المتأسلم إلى تتبع "الرموز الماسونية" أو "المخططات الصهيونية القديمة" وكأن التاريخ قدر محتوم رُسم في سراديب خفية وليس نتاج صراع مادي مكشوف الأوراق إن خطورة هذا المنطق تكمن في أنه يمنح "العدو" قوة خرافية تقترب من الألوهية مما يولد لدى المتلقي شعوراً بالعجز التام لا يمكن الخروج منه إلا باللجوء إلى "القوة الغيبية" المقابلة وبهذا تتحول التحليلات السياسية من محاولة للفهم إلى طقس من طقوس الاستقطاب الديني الذي لا يقدم حلولاً بل يراكم الأوهام.
ويظهر النفاق المعرفي في هذا الخطاب من خلال استخدامه لمفردات العلوم السياسية الحديثة ومصطلحات الاستراتيجية الدولية لشرعنة محتويات هي في جوهرها "خرافية" فالحديث عن "مراكز الفكر" (Think Tanks) و"صناع القرار" في واشنطن أو تل أبيب يتم دائماً في سياق يوحي بأن هذه المؤسسات ليست سوى أدوات في يد "القوى الخفية" التي تتحكم في مسار البشرية إن هذا الخلط المتعمد يهدف إلى إضفاء مسحة من "العلمية" على تصورات غيبية مسبقة فالنفيسي لا ينطلق من الواقع ليصل إلى النتيجة بل ينطلق من "النص الديني" أو "التصور الأيديولوجي" ليطوع الواقع ويجتزئ منه ما يخدم فكرته وهذا هو جوهر البروباغندا التي لا تبحث عن الحقيقة بل عن "الانتصار الذهني" للفكرة المسبقة إن تحويل السياسة إلى "صراع غيبي" ينزع عن الإنسان مسؤوليته المادية في التغيير فإذا كان العالم محكوماً بمؤامرة ماسونية كونية لا راد لها إلا بمعجزة إلهية فإن الفعل السياسي المادي يصبح عبثاً لا طائل منه وهو ما يخدم في النهاية قوى الاستبداد والجمود التي ترغب في بقاء الجماهير في حالة انتظار قدري بدلاً من الانخراط في صراع المصالح الحقيقي.
إن تعرية نفاق المثقف المتأسلم تتطلب فحصاً دقيقاً لكيفية توظيفه لـ "العدمية السياسية" المغلفة باليقين الديني فالنفيسي يطرح نفسه كخبير بالغرب وخفاياه ولكنه يقدم غرباً كرتونياً محكوماً برغبة وحيدة هي "تدمير الإسلام" وهذا التوصيف يغفل الحقيقة المادية التي تقول إن الغرب نفسه كتلة متصارعة من المصالح والشركات والأيديولوجيات وأن المحرك الأساسي لأفعاله هو "تراكم رأس المال" والبقاء في قمة الهرم المادي وليس الهواجس الدينية القروسطية إن المحلل الذي يصور الصراع كحرب صليبية دائمة إنما يهرب من استحقاق المنافسة المادية في المجالات العلمية والاقتصادية فمن الأسهل على الوعي المهزوم أن يقول "إنهم يتآمرون علينا لأننا مؤمنون" من أن يقول "إنهم يتفوقون علينا لأنهم يمتلكون المنهج العلمي والإنتاج المادي" وهنا تلعب بروباغندا النفيسي دور المخدر الذي يداوي جراح النرجسية المجروحة عبر تحويل الهزيمة المادية إلى "ابتلاء إلهي" أو "مؤامرة كونية" تزيد من قداسة "الضحية".
علاوة على ذلك فإن خلط الغيب بالاستراتيجية يؤدي إلى نشوء حالة من "البارانويا الثقافية" حيث يصبح كل حدث مهما كان صغيراً جزءاً من "المخطط الأكبر" فإذا وقعت ثورة أو اندلعت حرب أو تغيرت أسعار النفط يهرع المحلل المتأسلم للبحث عن "الأصابع الخفية" بدلاً من دراسة الديناميكيات الاجتماعية والاقتصادية المحلية إن هذا المنهج "البوليسي" في قراءة السياسة يسقط بالضرورة في فخ التناقض فهو يدعي المعرفة المطلقة بخبايا "المؤامرة" وفي الوقت نفسه يبشر بـ "النصر الإلهي" الذي سيحققه "القطيع" المؤمن في نهاية الزمان وهذا الجمع بين "قمة المعرفة" و"قمة الغيبية" هو ما يمنح خطاب النفيسي جاذبيته لدى الغوغاء الذين يبحثون عن مبررات لقعودهم إن تعطيل التفكير المادي في موازين القوى يجعل الشعوب العربية تعيش في "زمن موازٍ" بعيداً عن قوانين الفيزياء السياسية التي تحكم العالم المعاصر حيث القوة لمن ينتج المعرفة والمادة وليس لمن يمتلك "التفسير التآمري" الأصح.
إن نفاق "الأكاديميا المتأسلمة" يتجلى بوضوح عندما نرى النفيسي وأقرانه يستشهدون بكتب ومؤلفين غربيين من "منكري الهولوكوست" أو "أصحاب نظريات المؤامرة" في الغرب ويقدمونهم للجمهور العربي كـ "مفكرين أحرار" كشفوا الحقيقة إنهم ينتقون من الفكر الغربي "نفاياته" الفكرية التي لفظها المنهج العلمي ليعيدوا تدويرها كحقائق استراتيجية لا يأتيها الباطل من بين يديها وهذا السلوك يثبت أن الهم الأول ليس "تنوير العقل" بل "تجييش العاطفة" ضد نموذج الحداثة المادي الذي يشكل التهديد الأكبر لسلطة الكهنوت الديني والسياسي إن "المحلل السياسي المتأسلم" هو في الحقيقة "داعية ديني" يرتدي ربطة عنق ويجلس خلف شاشات التحليل الاستراتيجي ليمارس نفس الدور القديم في "تغييب الوعي" وتأبيد الارتهان للخرافة تحت مسميات "الصحوة" و"المقاومة" و"الوعي الكوني".
إن الهدف من هذا التحليل هو كشف "الفخ المعرفي" الذي ينصبه النفيسي لجيل من الشباب الذين يطمحون لفهم العالم فبدلاً من تعليمهم كيفية قراءة التقارير الاقتصادية أو فهم الجغرافيا السياسية بناءً على الموارد والتقنية يتم حشو أدمغتهم بمصطلحات "الماسونية" و"النورانيين" و"حكومة العالم الخفية" وهي مصطلحات لا قيمة لها في المختبرات السياسية الحقيقية ولكنها فعالة جداً في صناعة "المغفل النافع" الذي يعتقد أنه يمتلك أسرار الكون بينما هو عاجز عن فهم ميزانية دولته إن تعرية هذا النفاق هي خطوة ضرورية لاستعادة "المادية السياسية" التي تؤمن بأن القوانين التي تسري على المادة في المختبر هي ذات القوانين التي تسري على القوى السياسية في الميدان وأن السماء لا تتدخل لتغيير موازين القوى لصالح من لا يمتلك أسباب القوة المادية على الأرض.
إن "بروباغندا النفيسي" تعتمد بشكل أساسي على "الكاريزما اللفظية" والقدرة على سرد الحكايات بأسلوب تشويقي يوحي بالاطلاع على أسرار لا يعرفها غيره وهذه "السلطة المعرفية" الوهمية هي التي تمنح الخرافة قداسة الاستراتيجية فالمستمع يشعر أنه أمام "راديكالي" يتحدى القوى الكبرى بينما هو في الحقيقة يعيد إنتاج أكثر الأفكار محافظة ورجعية التي تحمي بنية "الأصنام" القديمة في العقل العربي إن تحويل السياسة إلى صراع غيبي هو إعدام للسياسة كفعل بشري وتجريد للفرد من حقه في المحاسبة والنقد فإذا كانت الأمور تدار بمؤامرات "ماسونية" صمدت لآلاف السنين فإن المطالبة بالديمقراطية أو العدالة المادية تصبح مجرد "لعب أطفال" أمام القدر المحتوم وهذا هو الجانب المظلم في خطاب المحللين المتأسلمين حيث ينتهي بهم الأمر كحراس لليأس والتبعية والانتظار السلبي.
علاوة على ذلك فإن هذا النوع من الخطاب يساهم في عزل العقل العربي عن التفاعلات الإنسانية العالمية فبدلاً من الانخراط في "الحضارة المادية" والمساهمة في قوانينها يتم التقوقع داخل "مظلومية تاريخية" ترى في كل تقدم عالمي مؤامرة موجهة ضده إنها "سيكولوجية المهزوم" التي تجد في "النفيسية" تعبيراً فكرياً عن عجزها فالمحلل المتأسلم لا يقدم طريقاً للخروج من التخلف المادي بل يقدم "تفسيراً مريحاً" للبقاء فيه إن النفاق يكمن في الادعاء بأن هذا الخطاب هو "وعي استراتيجي" بينما هو في الواقع "ردة عقلية" تستبدل التحليل السوسيولوجي والاقتصادي بالروايات الميثولوجية حول "الأعداء" الذين يخططون لإسقاط الأمة في كل لحظة وكأن العالم ليس لديه شغل شاغل سوى هذه البقعة الجغرافية الراكدة.
إن الحقيقة المادية التي يهرب منها النفيسي هي أن "السياسة الدولية" هي غابة من المصالح المادية الصرفة حيث لا صديق دائم ولا عدو دائم بل "منفعة دائمة" والقوى الكبرى تتحرك وفقاً لحسابات الربح والخسارة وتأمين منابع الطاقة وخطوط التجارة وليس وفقاً لعداء "مقدس" للأديان إن إقناع الجماهير بالعكس هو تزييف للواقع يهدف لإبقاء الشعوب في حالة "هياج عاطفي" يسهل انقياده خلف الشعارات الرنانة التي لا تسمن ولا تغني من جوع مادي إن "المثقف المتأسلم" هو مهندس هذا الهياج وهو المستفيد الأول منه لأنه يحول نفسه إلى "وسيط شرعي" بين الغيب والواقع ويمنح نفسه سلطة تفسير "المقدس والسياسي" في آن واحد وهو ما يمثل ذروة الجمع بين السلطتين الدينية والزمنية في قالب "تحليل استراتيجي" مخادع.
في الختام يظل خطاب عبد الله النفيسي والظواهر المشابهة له صوتاً للماضي يتخفى في لغة المستقبل وسماً معرفياً يعطل قدرة الإنسان العربي على مواجهة واقعه المادي بصدق وشجاعة إن "إله الغرز" الذي يصنعه هؤلاء المحللون من خيوط المؤامرة والغيب هو إله صنمي يجب تحطيمه بمطرقة المنطق والعلم المادي إن السياسة ليست صراعاً غيبياً ينتظر معجزة بل هي بناء مادي يحتاج لعقول ترى الواقع كما هو لا كما تتمناه النصوص القديمة أو تخيله نظريات المؤامرة المريضة إن الطريق نحو القوة يبدأ من الاعتراف بأن "موازين القوى" هي قوانين مادية صارمة تسري على الجميع وأن البروباغندا الغيبية مهما بلغت درجة تعقيدها اللفظي لن تستطيع حماية أمة ترفض التفكير المادي وتصر على العيش في خيالات "المؤامرة الكبرى" بانتظار نصر لن يأتي إلا لمن يصنعه بيده وعقله في مختبرات الواقع المادي.




.

التحالف المسموم ولماذا ينام اليساري في فراش الإسلاموي وتفكيك الخيانة المعرفية لما بعد الحداثة (مقال)

.

.
التحالف المسموم ولماذا ينام اليساري في فراش الإسلاموي وتفكيك الخيانة المعرفية لما بعد الحداثة




تمثل ظاهرة التحالف بين اليسار الراديكالي والتيارات الإسلاموية واحدة من أكثر المفارقات الفكرية إثارة للذهول في العصر الحديث، وهي الحالة التي باتت تُعرف في القاموس السياسي الفرنسي بمصطلح "Islamogauchisme" أو "اليسار الإسلاموي". إن هذا العناق الغريب بين قطبين يفترض منطقياً وتاريخياً أنهما على طرفي نقيض، حيث يمثل اليسار تاريخياً قيم العلمانية والمادية والصراع الطبقي وحرية الفرد، بينما يمثل التيار الإسلاموي قيم الغيبية والشمولية الدينية والخضوع للنص المقدّس، لا يمكن فهمه إلا بوصفه "تحالفاً مسموماً" قائماً على قاعدة نفعية تهدف إلى تدمير العدو المشترك المتمثل في "الغرب الليبرالي المادي". إنها خيانة معرفية كبرى ارتكبها يسار ما بعد الحداثة حين قرر التضحية بكل حمولته التنويرية من أجل كسب ود "الكتلة الإسلامية" الغوغائية، محولاً الصراع من صراع من أجل التقدم العلمي والمادي إلى صراع هوياتي بائس يشرعن للتخلف تحت عباءة "مقاومة الإمبريالية".
إن الجذور العميقة لهذا التحالف في الغرب تعود إلى صعود نظريات "ما بعد الاستعمار" وفلسفات "ما بعد الحداثة" التي بدأت تشكك في قيم التنوير العالمية وتعتبرها مجرد أدوات هيمنة غربية. في هذه البيئة الفكرية، لم يعد اليسار يرى في الإسلاموي عدواً رجعياً يضطهد المرأة ويقمع الحريات الشخصية، بل بدأ يراه "ضحية" للنظام العالمي الرأسمالي، وبوصفه "الآخر" المقموع الذي يجب دعمه في وجه المركزية الأوروبية. ومن هنا، تحول الإسلام السياسي من قوة ظلامية في نظر اليسار الكلاسيكي إلى "حليف ثوري" محتمل في نظر يسار ما بعد الحداثة. هذه القفزة البهلوانية في التفكير جعلت المثقف اليساري يغض الطرف عن أبشع الممارسات القروسطية التي يتبناها شركاؤه الجدد، طالما أن هؤلاء الشركاء يرفعون شعارات العداء لأمريكا والغرب، مما خلق حالة من التعامي الأخلاقي والمنطقي لم يسبق لها مثيل في تاريخ الفكر السياسي.
أما في الشرق، فقد اتخذ هذا التحالف شكلاً أكثر تدميراً، حيث تحول المثقف اليساري العربي إلى "مُبرر" و"مشرعن" للظلامية الدينية. لقد وجد اليساري المهزوم تاريخياً وسقوط مشروعه المادي والاشتراكي في "الكتلة الإسلامية" جسماً بشرياً ضخماً يمكن الركوب عليه للوصول إلى الجماهير. وبدلاً من أن يقود اليسار الجماهير نحو الوعي المادي والعلمي، قرر أن يتبعها نحو المساجد والساحات الغوغائية، متبنياً لغتهم ومفرداتهم. لقد أصبحت الشعارات اليسارية حول "العدالة الاجتماعية" و"التحرر" تُستخدم لتغطية المطالب الإسلاموية بـ "تحكيم الشريعة" أو "الخصوصية الثقافية". إنها عملية "تلوين" قذرة يتم فيها طلاء الأفكار الرجعية بألوان ثورية مخادعة، تهدف في النهاية إلى تحطيم بقايا الدولة المدنية والعقلانية في المجتمعات العربية لصالح كيانات شمولية لا تعترف بالفرد ولا بالمادة إلا بوصفهما أدوات في معركة "الله" ضد "الشيطان" الإمبريالي.
إن المصلحة المشتركة التي تجمع هؤلاء في "فراش واحد" هي الكراهية العميقة لليبرالية المادية التي تقوم على قدسية الفرد وحرية البحث العلمي وسيادة القانون الوضعي. فاليسار الراديكالي يرى في هذه الليبرالية تجسيداً لتوحش رأس المال، بينما يرى فيها الإسلاموي تجسيداً لـ "الجاهلية" والانحلال الديني. هذا "التقاطع في الأهداف" جعل الطرفين ينسقان جهودهما لتفكيك المؤسسات العقلانية التي بناها الفكر الغربي. فاليسار يستخدم أدواته في "التفكيك اللغوي" و"النقد الثقافي" لزعزعة الثقة في المنهج العلمي والحقيقة المادية، بينما يستخدم الإسلاموي هذه المساحة المفرغة ليملأها باليقينيات الغيبية والنصوص المقدسة. إنهم يعملون كفكي كماشة؛ أحدهما يهدم العقل والآخر يبني الخرافة، والنتيجة هي غرق المجتمعات في ضباب كثيف من اللاعقلانية التي تعطل أي إمكانية للنهوض المادي الحقيقي.
وتبرز الخيانة المعرفية في أبشع صورها عندما يتعلق الأمر بقيم المرأة والحريات الشخصية. فالمثقف اليساري الذي يملأ الدنيا ضجيجاً حول "الجندر" وحقوق الأقليات في الغرب، يتحول إلى كائن صامت أو مبرر عندما تُقمع المرأة في المجتمعات الإسلامية أو عندما يُرجم المثليون أو يُكفر المرتدون. إنه يبرر هذه الفظائع بذريعة "احترام الخصوصية الثقافية" أو "تجنب النظرة الاستعلائية الاستعمارية". هذه النسبوية الأخلاقية هي طعنة في قلب المادية التاريخية التي كانت تؤمن بأن التقدم الإنساني واحد وأن الحقوق لا تتجزأ. إن تضحية اليسار بالمرأة وتواطؤه مع الأنظمة والكيانات التي تعتبرها "عورة" هو وصمة عار لا تمحى، وتثبت أن هَمّ هذا اليسار ليس تحرير الإنسان، بل مجرد تسجيل نقاط سياسية ضد "العدو الغربي" حتى لو كان الثمن هو تسليم رقاب الملايين لسكاكين الكهنة.
إن يسار "ما بعد الحداثة" لم يعد يهتم بالواقع المادي وبالقوانين الفيزيائية والاقتصادية التي تحكم العالم، بل أصبح غارقاً في "الإنشاء اللغوي" وصراعات الهوية. هذا الانفصال عن المادة جعله ينجذب نحو "الإسلاموية" التي تمتلك أيضاً طابعاً "هوياتياً" قوياً. إنهم يشتركون في رفض "الحقيقة الموضوعية"؛ فاليساري يقول إن الحقيقة هي "إنتاج سلطوي"، والإسلاموي يقول إن الحقيقة هي "وحي إلهي". كلاهما يهرب من "المختبر" ومن "التوثيق الأركيولوجي" ومن "المنطق الصوري" ليحتمي في سرديات عاطفية تحرك الغرائز الغوغائية. ولذلك نجد التحالف بينهما يزدهر في الجامعات ومنابر التواصل الاجتماعي، حيث يتم تدوير الأكاذيب التاريخية وتلميع صور السفاحين طالما أنهم يخدمون السردية المشتركة المعادية للحداثة المادية.
علاوة على ذلك، فإن هذا التحالف يعتمد على عملية "غسيل دماغ" متبادلة؛ فالإسلاموي يستخدم مفاهيم "المظلومية" و"المقاومة" التي استعارها من الأدبيات اليسارية ليقدم نفسه كحركة تحرر عالمية، واليساري يستخدم "الكتلة البشرية" الإسلامية ليوهم نفسه بأنه لا يزال يمتلك قاعدة جماهيرية. لكن الحقيقة المادية تقول إن الإسلاموي في هذا التحالف هو "الطرف القوي" والمسيطر، لأنه يمتلك عقيدة صلبة وقاعدة غوغائية مستعدة للموت، بينما اليساري هو مجرد "مُحلل" أو "كومبارس" فكري يتم استخدامه لتجميل صورة القمع أمام الرأي العام العالمي. وبمجرد أن يصل الإسلاموي إلى السلطة أو يتمكن من المجتمع، يكون "اليساري" هو أول من يُعلق على المشانق أو يُلقى في غياهب السجون، كما حدث تاريخياً في الثورة الإيرانية، ولكن اليسار المعاصر يبدو أنه لم يتعلم شيئاً من التاريخ لأنه يفضل "لذة الكراهية" للغرب على "أمان المنطق" والمادية.
إن فضح هذا التحالف المسموم يتطلب العودة إلى المادية الصارمة التي لا تحابي أحداً. يجب القول بوضوح إن الخرافة الدينية هي عائق بنيوي أمام أي تقدم، وأن التحالف معها هو تحالف مع الموت والجمود. إن "الخيانة المعرفية" لليسار تكمن في أنه استبدل "العقل" بـ "العاطفة الهوياتية"، واستبدل "التحليل الطبقي المادي" بـ "التباكي الثقافي". إن الدفاع عن حقوق المرأة أو حرية الاعتقاد لا يمكن أن يخضع لـ "الخصوصية الثقافية"؛ فجسد المرأة وعقل الإنسان هما حقيقتان ماديتان عابرتان للثقافات، وأي أيديولوجيا تحاول قمع هما هي عدو للإنسانية يجب مواجهته لا التحالف معه. إن يسار ما بعد الحداثة، بصناعته لـ "درع أخلاقي" للإسلاموية، إنما يساهم في إطالة عمر الظلامية وتأخير لحظة المواجهة الحتمية بين العقل والخرافة.
كما أن هذا التحالف أدى إلى ظهور نمط من "المثقفين المرتزقة" الذين يتاجرون بقضايا الشرق من داخل مكاتبهم الفارهة في أوروبا. هؤلاء هم "أبناء إدوارد سعيد" الذين شوهوا فكرة النقد وحولوها إلى "منع للنقد". إنهم يمارسون "إرهاباً فكرياً" ضد كل من يحاول تعرية النفاق الإسلاموي، واصفين إياه بـ "الإسلاموفوبيا" أو "الاستشراق"، وهي مصطلحات أصبحت تُستخدم كـ "كمامات" لمنع الكلام العلمي الرصين. إن هؤلاء المثقفين هم جزء لا يتجزأ من الماكينة الدعائية للإسلام السياسي، وهم المسؤولون عن تضليل الأجيال الجديدة (جيل الـ Z وما بعده) وإقناعهم بأن "التحرر" يمر عبر التحالف مع أكثر القوى رجعية واضطهاداً في التاريخ المعاصر.
إن المادية التي نتبناها لا تعرف أنصاف الحلول؛ فإما علم ومنطق وقوانين تسري على الجميع، وإما غوغائية وخرافة تقودنا نحو الهاوية. والتحالف بين اليسار والإسلاموي هو محاولة يائسة لدمج "الزيت بالماء"، والنتيجة ليست سوى سائل عكر يسمم الحياة السياسية والثقافية. إن الهدف من هذا التشريح هو كشف زيف الروابط التي تجمع الطرفين، والتأكيد على أن "العدو المشترك" (الغرب الليبرالي) هو في الحقيقة المكان الوحيد الذي يسمح لهؤلاء بممارسة نفاقهم بحرية. ففي ظل قوانين المادة والحقيقة الصلبة، ينهار هذا التحالف لأنه لا يقوم على "بناء" بل على "هدم"، ولا يهدف لـ "إحياء" الإنسان بل لـ "تأبيد" تبعيته للأوهام الجماعية.
في الختام، يظل "التحالف المسموم" شاهداً على إفلاس اليسار المعاصر الذي فقد بوصلته المادية وتحول إلى مجرد "ظلال" للخرافة الدينية. إن النوم في فراش الإسلاموي لم يمنح اليساري القوة التي كان ينشدها، بل أصابه بـ "العجز المعرفي" وجعله شريكاً في كل الجرائم التي تُرتكب باسم المقدّس. إن الطريق نحو المستقبل يمر عبر ذبح هذه الأصنام المشتركة، والعودة إلى حقيقة أن الوجود المادي كافٍ بنفسه، وأننا لا نحتاج لـ "تحالفات قذرة" لكي نعيش بكرامة وعقلانية. إن الفشل في فك هذا الارتباط سيعني بقاء المجتمعات أسيرة لصراع وهمي بين إمبريالية غربية متخيلة وخرافة شرقية متوحشة، بينما الحقيقة تضيع بينهما في وادٍ من الإنشاء اللغوي والنفاق الأكاديمي الذي لا نفع منه ولا طائل تحته. إن اليقظة من هذا التحالف هي الخطوة الأولى نحو استعادة العقل لسيادته المادية المطلقة فوق كل نص وكل أيديولوجيا زائفة.




.

نفاق المخطوطات ورحلة القرآن من الجلد إلى الورق وتفكيك أوهام الثبات النصي (مقال)

.

.
نفاق المخطوطات ورحلة القرآن من الجلد إلى الورق وتفكيك أوهام الثبات النصي




تعتبر السردية الإسلامية التقليدية حول النص القرآني واحدة من أكثر السرديات صرامة وانغلاقاً في تاريخ الأديان، حيث تدعي أن هذا النص قد نُقل بالتواتر القطعي من فم النبي إلى صدور الصحابة ثم إلى الورق، دون أن تمسه يد التغيير أو التبديل بزيادة أو نقصان أو حتى اختلاف في حرف واحد. إلا أن المواجهة المعرفية مع علم الباليوجرافيا (علم الكتابات القديمة) وعلم الكوديكولوجيا (علم المخطوطات) بدأت تكشف عن فجوات هائلة وتناقضات صارخة تذبح هذا "التبجيل المطلق" وتضعه في خانة المنتج البشري الخاضع لظروف الزمان والمكان وصراعات السلطة السياسية. إن الانتقال من مرحلة "الجلد" المرقع وغير المنقط إلى مرحلة "الورق" المحرر والمقنن لم يكن رحلة إلهية محصورة في "اللوح المحفوظ"، بل كانت عملية بشرية مضطربة، شابتها صراعات المصالح الأموية والعباسية، وتلاعبت بها عقول الناسخين واختلافات الألسن، مما يحول "كلام الله الثابت" إلى تراث تاريخي سيال ومضطرب لا يختلف في ماديته عن نصوص هوميروس أو أسفار العهد القديم.
إن المدخل الأساسي لفهم "نفاق المخطوطات" يبدأ من طبيعة الخط العربي القديم نفسه، وهو ما يسمى بالخط الحجازي أو الكوفي المبكر، والذي كان يفتقر تماماً إلى الإعجام (التنقيط) والشكل (الحركات). في تلك المرحلة، كانت الكلمة الواحدة في المخطوطة يمكن أن تقرأ بوجوه متعددة تماماً؛ فالباء والتاء والثاء والنون والياء كانت ترسم جميعاً بنفس الغرزة الخطية، مما يعني أن "المعنى" لم يكن ثابتاً في النص المكتوب، بل كان رهناً باختيار القارئ أو المفسر أو السلطة التي تفرض قراءة معينة. هذا الفراغ التنقيطي يثبت أن النص في قرنه الأول لم يكن "بياناً مبيناً" كما يدعي، بل كان مادة زئبقية قابلة للتشكل وفقاً للأهواء السياسية والعقائدية. وهنا تبرز السياسة الأموية، وتحديداً في عهد عبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف الثقفي، كأهم مهندس لعملية "تقنين" النص وتوحيده قسراً عبر التنقيط، ليس بهدف حماية الدين، بل بهدف توحيد لغة الإمبراطورية وسحق التعددية النصية التي كانت تهدد استقرار الحكم، وهو ما ينسف أسطورة "الجمع العثماني" المبكر والنهائي الذي تروج له الكتب الصفراء.
وعندما نتأمل في اكتشافات "مخطوطات صنعاء" التي عُثر عليها في الجامع الكبير عام ألف وتسعمئة واثنين وسبعين، نجد أنفسنا أمام الزلزال الذي هدم صنم "الحرف الواحد". هذه المخطوطات، وبخاصة تلك التي تحتوي على "طبقة ممسوحة" (Palimpsest)، كشفت عن وجود نصين فوق بعضهما البعض؛ النص الظاهر الذي يتوافق مع المصحف العثماني الحالي، والنص السفلي الممسوح الذي يحتوي على ترتيب مختلف للسور، وكلمات مغايرة، وصيغ نحوية تختلف عما بين أيدينا اليوم. إن وجود هذه الفروقات في القرن الأول للهجري يثبت أن القرآن كان يعيش حالة من "السيولة النصية" وأن هناك مصاحف موازية كانت متداولة قبل أن تقوم السلطة بمسحها وفرض نسخة وحيدة. إن عملية "المسح" في حد ذاتها هي فعل بشري سياسي بامتياز، تهدف لإخفاء "الاضطراب" التاريخي وصناعة "وهم الثبات"، مما يؤكد أن النص الذي نقرأه اليوم هو "الناجي" الوحيد من مقصلة الرقابة الأموية، وليس بالضرورة هو النص الأصلي الذي قيل في مكة أو المدينة.
وفي المقابل، نجد نفاقاً أكاديمياً يحاول استخدام "مخطوطة برمنغهام" لإثبات قدم النص وثباته، متجاهلين أن الفحص بالكربون المشع يحدد عمر "الجلد" (الرق) وليس عمر "الحبر" أو وقت الكتابة، وحتى لو افترضنا قدم الكتابة، فإن المخطوطة نفسها تحتوي على مقاطع تختلف في رسمها العثماني عما هو مستقر اليوم. إن المخطوطات المبكرة، مثل "مصحف باريس الصغير" ومخطوطات "توبنغن"، تظهر تطوراً تدريجياً في الخط والإملاء، حيث نجد كلمات كُتبت بألفات محذوفة ثم أُضيفت لاحقاً، وعبارات تكررت أو حُذفت، مما يشير إلى أن "الناسخ" لم يكن مجرد آلة لنقل كلام إلهي، بل كان "محرراً" يتدخل في النص وفقاً لفهمه اللغوي وسياقه الثقافي. هذا التدخل البشري المستمر على مدار قرنين من الزمان هو الذي حول القرآن من "شذرات" متفرقة كانت تُكتب على الأكتاف واللخاف إلى "كتاب" متسق، مما يعني أن "القداسة" هي صفة أُضفيت على النتيجة النهائية المتأخرة، وليست صفة كامنة في الرحلة التاريخية للنص.
إن قضية "القراءات السبع" أو "العشر" هي وجه آخر من وجوه الاضطراب النصي الذي حاول الفقهاء تبريره بمصطلح "الأحرف السبعة" الغامض. الحقيقة المادية التي يكشفها علم الباليوجرافيا هي أن هذه القراءات نشأت أصلاً بسبب "قصور الخط العربي" عن التمييز بين الحروف وبسبب اختلاف اللهجات العربية التي حاولت كل منها "ليّ" النص لصالح لغتها الخاصة. فعندما نجد كلمة تقرأ في قراءة بلفظ الماضي وفي أخرى بلفظ الأمر، أو تختلف في الفاعل والمفعول، فإننا لسنا أمام "تعددية إلهية" مقصودة، بل أمام "تخبط بشري" في تفسير نص بدائي غير منقط. لقد قام الفقهاء في العصر العباسي بـ "هندسة" هذه القراءات وحصرها في أسماء معينة لمنحها شرعية تاريخية، بينما الحقيقة هي أن المخطوطات القديمة كانت تعج بقراءات "شاذة" تم إقصاؤها لأنها لم تتوافق مع الخط العثماني الذي تبنته الدولة، وهو ما يؤكد أن "السياسة" هي التي حددت ما هو قرآن وما هو ليس بقرآن.
علاوة على ذلك، فإن دور الحجاج بن يوسف الثقفي في "تحرير" المصحف يمثل نقطة سوداء في تاريخ الثبات النصي؛ فالمصادر التاريخية نفسها تذكر أنه غيّر أكثر من عشرة مواضع في المصحف العثماني وأعاد توزيعه ونقطه. هذا التدخل من شخصية عسكرية وسياسية بامتياز يثبت أن النص كان "أداة حكم" وليس فقط نصاً تعبدياً، وأن السلطة كانت تملك الجرأة على تعديل "كلام الله" لضمان الانسجام الاجتماعي والسياسي. إن الانتقال من الجلد إلى الورق في العصر العباسي، مع دخول تقنيات الورق الصينية، سمح بإنتاج نسخ هائلة وموحدة، وهو الوقت الذي تم فيه تثبيت النص نهائياً وإحراق أو إخفاء كل ما يخالفه، مما خلق الانطباع لدى الأجيال اللاحقة بأن هذا النص كان هكذا منذ الأزل. إن هذا "الوهم بالثبات" هو نتاج لعملية رقابية صارمة نجحت في محو آثار الصراع المرير الذي خاضه النص في قرونه الأولى.
إن الهدف من هذا التشريح الباليوجرافي هو تحويل القرآن من "صنم غيبي" متعالٍ على التاريخ إلى "وثيقة تاريخية" خاضعة لمباضع البحث العلمي. فالمخطوطة ليست مجرد ورق وحبر، بل هي شهادة مادية على "بشرية النص"؛ فعندما نرى "الكشط" و"التعديل" و"الإضافة بين السطور" في أقدم المصاحف، ندرك أننا أمام عمل إنساني قلق ومضطرب. إن "نفاق المخطوطات" يتجلى في أن المؤسسات الدينية تمنع الباحثين من فحص هذه الوثائق بحرية، وتكتفي بعرض صفحات معينة تخدم السردية التقليدية، خوفاً من أن ينكشف زيف "التواتر القطعي". إن العقل المادي لا يمكنه قبول فكرة "النص الذي لم يتغير" في حين أن كل الشواهد الأركيولوجية والخطية تقول إن التغيير كان هو القاعدة، والثبات كان هو الاستثناء المفروض بقوة السيف والسلطان.
إن نفاق المثقفين الذين يحاولون "عصرنة" هذا الاضطراب عبر القول بأن الاختلافات هي "ثراء لغوي" هو تلاعب بائس بالمنطق؛ فالثراء لا يكون في أصل "الوحي" الذي يفترض أن يكون دقيقاً وواضحاً، بل الثراء هو سمة النصوص الأدبية البشرية. إن القرآن في رحلته من الجلد إلى الورق فقد "بكارته" الأولى (إن وجدت أصلاً) وتحول إلى "سجل سياسي" يعكس طموحات العرب في بناء إمبراطورية عالمية تحتاج لدستور مقدس وموحد. إن فضح هذه الرحلة المضطربة هو كسر لأغلال العقل الذي يقدس "الكلمة" دون أن يفهم "تاريخ الكلمة"، وهو دعوة للنظر إلى التراث الإسلامي كركام ثقافي بشري قابل للنقد والتفكيك والرمي في سلة التاريخ إذا ما ثبت تناقضه مع العقل والعلم المادي.
إن الحقيقة الصارمة التي يجب مواجهتها هي أن القرآن الذي بين أيدينا اليوم هو "نسخة الملك" و"نسخة السلطة"، وليس بالضرورة "نسخة محمد". فالمسافة الزمنية والمكانية، واختلاف الخطوط، وصراعات النقط والشكل، وتدخلات الحجاج وعبد الملك، كلها عوامل مادية صنعت نصاً جديداً. إننا أمام "نص مرقع" تمت حياكته ببراعة عبر القرون ليظهر كنسيج واحد، ولكن تحت المجهر الباليوجرافي تنكشف الغرز المهترئة والرقاع المضافة. إن تحويل هذا النص إلى تراث مضطرب هو انتصار للحقيقة المادية على الوهم الغيبي، وهو تجريد للمؤسسات الدينية من أقوى أسلحتها؛ ألا وهي "أكذوبة الثبات المطلق".
في الختام، تظل المخطوطات القديمة هي العدو الأكبر للخرافة، لأنها الشاهد الصامت الذي لا يمكن رشوه أو إخراسه بالخطب العاطفية. إن رحلة القرآن من الجلود البدائية في صحاري الحجاز إلى الورق المذهب في قصور بغداد هي قصة تطور بشري بامتياز، قصة صراع بين الحرف والمعنى، وبين القارئ والناسخ، وبين الفقيه والملك. إن الوعي بهذه الرحلة هو الوعي بحقيقة أننا لا نتعامل مع "وحي" بل مع "تاريخ"، ومع "بشر" يخطئون ويصيبون ويحرفون الكلم عن مواضعه لخدمة مصالحهم الأرضية. إن سحق "صنم النص" يبدأ من فهم كيفية صناعته، وعلم المخطوطات هو المطرقة التي تحطم هذا الصنم لتعيد الإنسان إلى واقعه المادي الملموس، بعيداً عن أوهام اللوح المحفوظ وسراديب الغيب المظلمة.




.

عبد الوهاب المسيري مهندس الفخاخ العلمانية وتفكيك ثنائية الالتفاف على الحقيقة المادية (مقال)

.

.
عبد الوهاب المسيري مهندس الفخاخ العلمانية وتفكيك ثنائية الالتفاف على الحقيقة المادية




يعتبر المشروع الفكري لعبد الوهاب المسيري واحداً من أخطر المشروعات الالتفافية في تاريخ الفكر العربي المعاصر، ليس لقوته العلمية أو لمتانة مرجعيته المادية، بل لقدرته الفائقة على صياغة "فخاخ فكرية" بلغة حداثية مضللة توحي بالعمق الفلسفي بينما هي في جوهرها تسعى لإعادة الاعتبار للميتافيزيقا والغيبيات التي عجز الفقهاء التقليديون عن الدفاع عنها أمام زحف العلم الصارم. لقد نجح المسيري في خلق لغة "برزخية" تقف بين الفلسفة الغربية والتراث الإسلامي، مستخدماً مصطلحات معقدة مثل "العلمانية الشاملة" و"العلمانية الجزئية" و"النماذج المعرفية"، ليس بهدف فهم الواقع المادي كما هو، بل بهدف "شيطنة" الحداثة المادية وتصويرها كوحش يلتهم القيم الإنسانية، ومن ثم تقديم "الدين" كطوق نجاة وحيد، وهو ما يمثل في جوهره "ردة فكرية" مغلفة بعباءة فلسفية براقة تخدع المثقف الذي يريد أن يبدو عصرياً دون أن يتخلى عن أصنامه القديمة.
إن الفخ الأول الذي نصبه المسيري يكمن في ابتكاره لثنائية العلمانية الشاملة والجزئية، وهي قسمة ضيزى تهدف بالأساس إلى حماية "المقدس" من نصل النقد المادي. فبينما يرى العالم المادي أن العلمانية هي ببساطة فصل الدين عن الشأن العام وإخضاع الظواهر لقوانين المادة والبحث العلمي، حاول المسيري أن يقنعنا بأن هناك نوعاً "خبيثاً" يسمى العلمانية الشاملة، وهي في نظره تعني تحويل العالم إلى "مادة صماء" ونزع القداسة عن الإنسان وتحويله إلى شيء وظيفي. هذا التلاعب اللفظي يهدف إلى تخويف القارئ من "المادية" وتصويرها كحالة من "السيولة الأخلاقية" التي ستؤدي حتماً إلى الانهيار الإنساني. وفي المقابل، طرح ما يسمى بالعلمانية الجزئية، وهي نوع من "العلمانية المهجنة" التي تقبل بالتقنية والإجراءات الإدارية الغربية لكنها تبقي على "المركزية الدينية" في الأخلاق والتشريع، وهو ما يعد التفافاً صريحاً على جوهر الحداثة التي لا تقبل التجزئة بين المنهج العلمي والنتائج الاجتماعية.
لقد استغل المسيري لغة معقدة توحي بالتمكن من الفلسفة الغربية، خاصة مدرسة فرانكفورت ونقد الحداثة، لكنه وظف هذا النقد توظيفاً "اعتذارياً" لخدمة النص المقدس. فالمسيري لا ينقد الحداثة من أجل تطويرها أو تجاوز عثراتها المادية، بل ينقدها ليهدم أساسها المنطقي القائم على "مرجعية المادة". إنه يحاول إثبات أن الحداثة المادية "عاجزة" عن تفسير الظاهرة الإنسانية، ومن ثم يستنتج بـ "قفزة إيمانية" غير منطقية أن التفسير الغيبي هو البديل الضروري. هذا النوع من التفكير يسمى في فلسفة المنطق "مغالطة التوسل بالجهل"، حيث يتم استغلال المساحات التي لم يكتشفها العلم بعد ليدس فيها "الله" أو "المقدس"، وهي استراتيجية بائسة تنهار أمام أي اكتشاف علمي جديد يزيح الستار عن ميكانيكا المادة التي كان المسيري يظنها "لغزاً إلهياً".
إن "أسلمة الحداثة" عند المسيري هي محاولة بائسة لارتداء ثياب الآخر مع البقاء في حظيرة الماضي. فهو يستخدم مصطلح "النموذج المعرفي" ليقول إن لكل أمة حقيقتها الخاصة، وهي سفسطة أكاديمية تهدف لنزع صفة "العالمية" عن العلم المادي. فإذا كان العلم يقول إن النصوص الدينية هي منتج بشري تاريخي خاضع للنقد الأركيولوجي والفيلولوجي، يهرع المسيري للقول إن هذا "نموذج معرفي مادي" لا ينطبق على "النموذج الإيماني الشرقي". وبهذا المنطق، يعطي المسيري الحق لكل خرافة أن تعيش داخل فقاعتها الثقافية تحت حماية "الخصوصية"، وهو ما شل العقل النقدي العربي وجعله يرفض نتائج العلوم الحديثة (مثل التطور أو أركيولوجيا الأديان) بدعوى أنها تنتمي لنموذج معرفي "غريب" يسعى لتفكيك الهوية. إن هذه "الأنانية المعرفية" هي التي مهدت الطريق لظهور أجيال من المثقفين الذين يمتلكون أحدث الهواتف الذكية لكن عقولهم محبوسة في سرديات القرن السابع الميلادي.
علاوة على ذلك، فإن المسيري مارس نوعاً من "التدليس الثقافي" عندما حاول تصوير المادية الصرفة كعدو للقيم والجمال. فهو يربط بين "المادية" وبين "الإبادة" و"الاستعمار" و"تفكيك الأسرة"، متجاهلاً أن القيم الإنسانية والعدالة والمساواة هي نتاج نضال مادي بشري وتطور اجتماعي وليس نتاج نصوص غيبية. إن محاولة المسيري ربط "العلمانية الشاملة" بالنازية والصهيونية هي مغالطة تاريخية فظيعة؛ فالعلمانية والنزعة الإنسانية المادية كانت هي الدرع الذي حمى البشرية من محاكم التفتيش والحروب الدينية المقدسة. لكن المسيري، بمهارته في التلاعب بالمصطلحات، قلب الآية وجعل من "العقل المادي" مجرماً، ومن "النص المقدس" رحمة، متناسياً أن المجازر التاريخية الكبرى ارتكبت غالباً باسم "المقدس" وباسم "إرادة الله" التي لا تقبل النقاش المادي.
إن الهدف الحقيقي من وراء موسوعات المسيري وكتاباته الضخمة لم يكن يوماً البحث عن الحقيقة، بل كان "بناء حصون" لحماية المنظومة الدينية من الانهيار أمام الاكتشافات العلمية. فعندما يتحدث عن "الإنسان الرباني" في مواجهة "الإنسان الطبيعي المادي"، فإنه يمارس عملية "استلاب" للواقع؛ فهو يريد إقناعنا بأن قيمتنا ليست في وجودنا المادي وتطورنا البيولوجي ووعينا الحسي، بل في "علاقتنا بالغيب". هذا التوجه هو "ردة فكرية" كاملة الأركان؛ لأنه يعيدنا إلى عصور ما قبل العلم، حيث كان الإنسان يفسر ظواهر الطبيعة وحركته الشخصية بإرادات غيبية خفية. المسيري فقط "حدث" هذه الرؤية القديمة عبر استخدام كلمات مثل "الواحدية" و"الثنائية" و"التجاوز"، ليجعل القارئ يشعر بأنه أمام فيلسوف معاصر، بينما هو في الحقيقة أمام "متكلم" (من علماء الكلام) يرتدي بزة أكاديمية غربية.
إن نفاق المثقفين الذين انبهروا بالمسيري (مثل النفيسي أو إدوارد سعيد في بعض جوانبه) يعود إلى أن المسيري منحهم "الأداة" التي تسمح لهم بالاستمرار في رفض الحداثة مع الادعاء بأنهم "نقدوا" الحداثة وتجاوزوها. لقد تحول المسيري إلى "مخدر فكري" مريح؛ فهو يخبرك أنك لست متخلفاً لأنك تؤمن بالخرافات، بل أنت "متميز معرفياً" لأنك ترفض المادية الغربية "المفككة". هذا الخطاب يغذي النرجسية الجريحة لدى الإنسان العربي والمسلم، ويجعله يشعر بتفوق وهمي على عالم الفيزياء والبيولوجيا، لأن هذا العالم غارق في "العلمانية الشاملة" بينما هو (المثقف المسيري) يمتلك "الرؤية التجاوزية". وهذا بالضبط هو ما أدى إلى سيادة "قطيع الحمير" في فضائنا العام، لأنهم وجدوا في كتب المسيري مبرراً لجهلهم وتشددهم، مصبوغاً بصبغة فلسفية تخرس الألسنة.
إن تفكيك "فخاخ المسيري" يتطلب العودة إلى المادية الصارمة والاعتراف بأن الكون محكوم بقوانين مادية لا تبالي بالأماني البشرية ولا بالنصوص المقدسة. فالعالم ليس "نصاً" يحتاج لتأويل، بل هو "مادة" تحتاج لفهم وقياس وتجربة. ومحاولة المسيري إدخال "الغيب" في معادلة المعرفة هي تلوث للمنهج العلمي؛ فالمعرفة إما أن تكون مادية تجريبية قابلة للتكذيب، وإما أن تكون وهماً ذاتياً لا قيمة له في بناء الحضارة. إن مشروع المسيري لم يقدم براءة اختراع واحدة، ولم يحل مشكلة فقر أو تخلف واحدة، بل كل ما فعله هو "توليد لغوي" لا ينتهي، ووظف طاقته الذهنية في محاربة "طواحين الهواء" المادية، لينتهي به المطاف حارساً لبقايا القرون الوسطى في عقول المعاصرين.
لا يمكن للمشتبك المعرفي أن يغفل عن حقيقة أن المسيري كان يحاول "تبييض" وجه المؤسسات الدينية التقليدية عبر منحها صكوكاً حداثية. فعندما يهاجم "المادية" في الفن والجمال، فإنه في الحقيقة يدعو لفرض "رقابة مقدسة" على الإبداع البشري. وعندما يرفض "تفكيك" الأسرة على أسس مادية، فإنه يدافع عن "البطريركية" والتراتبية الدينية القديمة التي تضمن سيطرة "صنم النص" على حياة الأفراد. إن المسيري مهندس بامتياز، لكنه مهندس "جدران" تحجب الضوء، وليس مهندس "جسور" تعبر بنا نحو المستقبل. إن مشروعه هو "الالتفاف" الأكبر على العقل، وهو الفخ الذي سقط فيه الكثيرون ممن ظنوا أنهم يقرؤون نقد الحداثة، بينما كانوا في الحقيقة يقرؤون "نعي العقل" باسم الأصالة والخصوصية.
في الختام، يظل عبد الوهاب المسيري نموذجاً للمثقف الذي سخر علمه لخدمة الخرافة، واستخدم أدوات التنوير لإطفاء شموع التنوير. إن ثنائيته حول العلمانية هي مجرد "تلاعب لفظي" يهدف لشرعنة التخلف، ورغبته في العودة للمركزية الدينية هي هروب من استحقاقات المواجهة مع الواقع المادي الصلب. إننا اليوم في أمس الحاجة لذبح هذا الصنم الفكري وتعرية نفاقه، لنثبت أن المادة وقوانينها هي المرجع الوحيد والنهائي، وأن أي محاولة لـ "أسلمة" العلم أو "تديين" الحداثة هي محاولة فاشلة ومضللة تهدف فقط لإطالة عمر "الكهنة" و"الأصنام" في عالم لم يعد يتسع إلا للحقيقة المادية العارية من كل زيف ميتافيزيقي. إن تحرير العقل من "فخاخ المسيري" هو البداية الحقيقية لولادة إنسان جديد يرى الكون بعين العلم لا بعين الوهم، ويصنع معناه الخاص بعيداً عن "إله الغرز" الذي حاول المسيري ترميم ثوبه المهترئ.



.

(Ar) مرحبا بكم على هذه المدونة

 . . أهلاً بكم في ملاذي الأدبي يسعدني حقاً أن أرحب بكم هنا. سواءً أكان وصولكم بدافع الفضول، أو مصادفةً من خلال رابط مشترك، أو بدافع حب الكل...